نتيجة البحث: تفسير الآية و صورتها و تلاوتها


سورة البقرة آية 1
الم

التفسير الميسر هذه الحروف وغيرها من الحروف المقطَّعة في أوائل السور فيها إشارة إلى إعجاز القرآن؛ فقد وقع به تحدي المشركين، فعجزوا عن معارضته، وهو مركَّب من هذه الحروف التي تتكون منها لغة العرب. فدَلَّ عجز العرب عن الإتيان بمثله -مع أنهم أفصح الناس- على أن القرآن وحي من الله.

تفسير الجلالين
2-سورة البقرة [مدنية 286 أو 287 آية] 1 - (الم) الله أعلم بمراده بذلك

تفسير القرطبي
قوله تعالى {الم} اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة، فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر.
فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت.
وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر.
وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها.
قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القران فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون.
قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم، اختبارا من الله عز وجل وامتحانا، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد.
حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبدالله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ{الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3 ].
قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في آل عمران إن شاء الله تعالى.
وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها.
وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم، ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم.
قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما سمعوا{الم} و{المص} استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم.
وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا{لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} [ فصلت:26 ].
نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة.
وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها، كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل : الألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد.
و روى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله{الم} قال : أنا الله أعلم، {الر} أنا الله أرى، {المص} أنا الله أفضل.
فالألف تؤدي عن معنى أنا، واللام تؤدي عن اسم الله، والميم تؤدي عن معنى أعلم.
واختار هذا القول الزجاج وقال : اذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى، وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقوله : فقلت لها قفي فقالت قاف أراد : قالت وقفت.
وقال زهير : بالخير خيرات وإن شرا فا ** ولا أريد الشر إلا أن تا أراد : وإن شرا فشر.
وأراد : إلا أن تشاء.
وقال آخر : نادوهم ألا الجموا ألا تا ** قالوا جميعا كلهم ألا فا أراد : ألا تركبون، قالوا : ألا فاركبوا.
وفي الحديث : (من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة) قال شقيق : هو أن يقول في أقتل : أقْ، كما قال عليه السلام (كفى بالسيف شا) معناه : شافيا.
وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور.
وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها، وهي من أسمائه، عن ابن عباس أيضا ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما، ولم يوجد ههنا حرف من هذه الحروف، فلا يجوز أن يكون يمينا.
والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى{لا ريب فيه} فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه، لكان الكلام سديدا، وتكون {لا} جواب القسم.
فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح.
فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق، ومكذب، فالمصدق يصدق بغير قسم، والمكذب لا يصدق مع القسم؟.
قيل له : القرآن نزل بلغة العرب، والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه، والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده.
وقال بعضهم{الم} أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ.
وقال قتادة في قوله{الم} قال اسم من أسماء القرآن.
وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقّه الناس.
وقيل غير هذا من الأقوال، فالله أعلم.
والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها.
واختلف : هل لها محل من الإعراب؟ فقيل : لا، لأنها ليست أسماء متمكنة، ولا أفعالا مضارعة، وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية.
هذا مذهب الخليل وسيبويه.
ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر، أي هذه {الم}، كما تقول : هذه سورة البقرة.
أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك، كما تقول : زيد ذلك الرجل.
وقال ابن كَيسان النحوي{الم} في موضع نصب، كما تقول : اقرأ {الم} أو عليك {الم}.
وقيل : في موضع خفض بالقسم، لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها.

تفسير ابن كثير بسم الله الرحمن الرحيم {الم} اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فمنهم من قال: هي ممّا استأثر اللّه بعلمه فردوا علمها إلى اللّه ولم يفسروها حكاه القرطبي في تفسيره، ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال بعضهم: هي أسماء السور، قال الزمخشري: وعليه إطباق الأكثر، وقيل: هي اسم من أسماء اللّه تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفةٍ من صفاته، فالألف مفتاح اسم الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد وقال آخرون: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، حكاه الرازي عن المبرد وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء، وقرره الزمخشري ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الإمام ابن تيمية وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي . قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي الصريح في أماكن، وجاء منها على حرف واحد مثل {ص} وحرفين مثل {حم} وثلاثة مثل {الم} وأربعة مثل {المص} وخمسة مثل {كهيعص} لأن أساليب كلامهم منها ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك. قال ابن كثير: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء في تسع وعشرين سورة مثل: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق} {المص كتاب أنزل إليك} {الم كتاب أنزلناه إليك} {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه} {حم تنزيل من الرحمن الرحيم} وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر. {ذلك الكتاب} قال ابن عباس: أي هذا الكتاب. والعربُ تعارض بين اسمي الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر وهذا معروفٌ في كلامهم. والكتابُ: القرآن، ومن قال: إن المراد بذلك الإشارة إلى التوراة والإنجيل فقد أبعدَ النُجعة، وأغرق في النزع، وتكلّف ما لا علم له به. والريبُ: الشك، أي لا شك فيه، روي ذلك عن أُناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافا . وقد يستعمل الريب في التهمة، قال جميل: بثينةُ قالت: يا جميلُ أربتني ** فقلت: كلانا يا بثينُ مريب واستعمل أيضا في الحاجة كما قال بعضهم: قضينا من تهامة كل ريب ** وخيبر ثم أجممنا السيوفا والمعنى: إن هذا الكتاب القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند اللّه كما قال تعالى: {تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} وقال بعضهم: هذا خبرٌ ومعناه النهي، أي لا ترتابوا فيه. وخصت الهداية للمتقين كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} وقال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن، لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأرباب كما قال تعالى {وهدى ورحمة للمؤمنين} قال السَّدي: {هدى للمتقين} يعني نورا للمتقين، وعن ابن عباس: المتقون هم المؤمنون الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعة اللّه، وقال الحسن البصري: اتقوا ما حرم عليهم، وأدوا ما افترض عليهم. وقال قتادة: هم الذين نعتهم اللّه بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة}، واختيار ابن جرير أنَّ الآية تعمُّ ذلك كله، وهو كما قال. وفي الحديث الشريف: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما بأس به حذرا مما به بأس" "رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: حسن غريب" ويطلق الهدى ويراد به ما يقر في القلب من الإيمان، وهذا لا يقد على خلقه في قلوب العباد إلا اللّه عز وجلّ قال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} وقال: {ليس عليك هداهم} وقال: {من يضلل الله فلا هادي له} ويطلق ويراد به بيان الحق والدلالة عليه، قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} وقال: {ولكل قوم هاد} وقال: {وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}. وأصل التقوى التوقي ممّا يكره لأن أصلها وَقَوى من الوقاية، قال الشاعر: فألقتْ قِناعا دونه الشمسُ واتَّقَت ** بأحسنِ موصولينِ كفٍ معْصَم وسأل عمرُ ""أُبيَّ بن كعب""عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال : بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمَّرتُ واجتهدتُ، قال: فذلك التقوى، وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: خل الذنوبَ صــغيرَها ** وكبـــيرَها ذاكَ التُّقَى واصْنَع كماشٍ فوقَ أرْ ** ضِ الشوك يحذَرُ ما يرى لا تحقرنَّ صغيـــرة ** إنَّ الجبال من الحصى وفي سنن ابن ماجة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (ما استفاد المرء بعد تقوى اللّه خيرا من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله) ""رواه ابن ماجة عن أبي أمامة رضي اللّه عنه"".