إفتتاح قسم الوثائق

  • تصفح المئات من الوثائق في العديد من المجالات: الدينية و التاريحية و العلمية و التربوية و تطوير الذات و أكتساب المهارات ... ألخ. أنقر هنا
  • إرفع وثيقة للموقع وشارك بها الغير لتعم الفائدة - سجل في الموقع ثم أنقر هذا الرابط

بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 88
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة ص آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة ص 1 - (ص ) الله أعلم بمراده به (والقرآن ذي الذكر) أي البيان أو الشرف وجواب هذا القسم محذوف أي ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {ص} قراءة العامة {ص} بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل: {الم} و{المر}.
وقرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم {صاد} بكسر الدال بغير تنوين.
ولقراءته مذهبان : أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، ومنه {فأنت له تصدى} [عبس : 6] أي تعرض.
والمصاداة المعارضة، ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية.
فالمعنى صاد القرآن بعملك؛ أي عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه.
النحاس : وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة.
وعنه أن المعنى اتله وتعرض لقراءته.
والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين.
وقرأ عيسى بن عمر {صاد} بفتح الدال مثله: {قاف} و{نون} بفتح آخرها.
وله في ذلك ثلاثة مذاهب : أحدهن أن يكون بمعنى أتل.
والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع؛ ولأنه أخف الحركات.
والثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف؛ كقولك : الله لأفعلن، وقيل : نصب على الإغراء.
وقيل : معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به.
وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا {صاد} بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله.
ويجوز أن يكون مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها.
وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميقع: {صاد} و{قاف} و{نون} بضم آخرهن : لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال، نحو منذ وقط وقبل وبعد.
و{ص} إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف؛ كما أنك إدا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف وإن قلت حروفه.
وقال ابن عباس وجابر بن عبدالله وقد سئلا عن {ص} فقالا : لا ندري ما هي.
وقال عكرمة : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن {ص} فقال: {ص} كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار.
وقال سعيد بن جبير {ص} بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.
وقال الضحاك : معناه صدق الله.
وعنه أن {ص} قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى.
وقال السدي، وروي عن ابن عباس.
وقال محمد بن كعب : هو مفتاح أسماء الله تعالى صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد.
وقال قتادة : هو اسم من أسماء الرحمن.
وعنه أنه اسم من أسماء القرآن.
وقال مجاهد : هو فاتحة السورة.
وقيل : هو مما استأثر الله تعالى بعلمه وهو معنى القول الأول.
وقد تقدم جميع هذا في {البقرة}.
قوله تعالى: {والقرآن} خفض بواو القسم والواو بدل من الباء؛ أقسم بالقرآن تنبيها على جلالة قدره؛ فإن فيه بيان كل شيء، وشفاء لما في الصدور، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.
{ذي الذكر} خفض على النعت وعلامة خفضه الياء، وهو اسم معتل والأصل فيه ذوى على فعل.
قال ابن عباس : ومقاتل معنى {ذي الذكر} ذي البيان.
الضحاك : ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين؛ كما قال تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} [الأنبياء : 10] أي شرفكم.
وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره.
وقيل: {ذي الذكر} أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين.
وقيل: {ذي الذكر} أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده.
وقيل : أي ذي الموعظة والذكر.
وجواب القسم محذوف.
واختلف فيه على أوجه : فقيل جواب القسم {ص}؛ لأن معناه حق فهي جواب لقوله: {والقرآن} كما تقول : حقا والله، نزل والله، وجب والله؛ فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله: {والقرآن ذي الذكر} حسنا، وعلى {في عزة وشقاق} تماما.
قال ابن الأنباري.
وحكى معناه الثعلبي عن الفراء.
وقيل : الجواب {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} لأن {بل} نفي لأمر سبق وإثبات لغيره؛ قاله القتبي؛ فكأنه قال: {والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق} عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
أو {والقرآن ذي الذكر} ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق.
وهو كقوله: {ق والقرآن المجيد.
بل عجبوا} [ق : 2].
وقيل : الجواب {وكم أهلكنا} [ق : 36] كأنه قال : والقرآن لكم أهلكنا؛ فلما تأخرت {كم} حذفت اللام منها؛ كقوله تعالى: {والشمس وضحاها} [الشمس : 1] ثم قال: {قد أفلح} [الشمس : 9] أي لقد أفلح.
قال المهدوي : وهذا مذهب الفراء.
ابن الأنباري : فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله: {في عزة وشقاق}.
وقال الأخفش : جواب القسم {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} ونحو منه قوله تعالى: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين {الشعراء : 97] وقوله: {والسماء والطارق} إلى قوله: {إن كل نفس} [الطارق : 1 - 4].
ابن الأنباري : وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص.
وقال الكسائي : جواب القسم قوله: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} [ص : 64].
ابن الأنباري : وهذا أقبح من الأول؛ لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم وجوابه.
وقيل الجواب قوله: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} [ص : 54].
وقال قتادة : الجواب محذوف تقديره {والقرآن ذي الذكر} لتبعثن ونحوه.
قوله تعالى: {بل الذين كفروا في عزة} أي تكبر وامتناع من قبول الحق؛ كما قال جل وعز: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} [البقرة : 206] والعزة عند العرب : الغلبة والقهر.
يقال : من عز بز؛ يعني من غلب سلب.
ومنه {وعزني في الخطاب} [ص : 23] أراد غلبني.
وقال جرير : يعز على الطريق بمنكبيه ** كما ابترك الخليع على القداح أراد يغلب.
{وشقاق} أي في إظهار خلاف ومباينة.
وهو من الشق كأن هذا في شق وذلك في شق.
وقد مضى في {البقرة} مستوفى.
قوله تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي قوم كانوا أمنع من هؤلاء.
و{كم} لفظة التكثير {فنادوا} أي بالاستغاثة والتوبة.
والنداء رفع الصوت؛ ومنه الخبر : (ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا) أي أرفع.
{ولات حين مناص} قال الحسن : نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل.
النحاس : وهذا تفسير منه لقوله عز وجل:{ولات حين مناص} فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس{ولات حين مناص} قال : ليس بحين نزو ولا فرار؛ قال : ضبط القوم جميعا قال الكلبي : كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص؛ أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص؛ فقال الله عز وجل: {ولات حين مناص} قال القشيري : وعلى هذا فالتقدير : فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه؛ أي ليس الوقت وقت ما تنادون به.
وفي هذا نوع تحكم؛ إذ يبعد أن يقال : كل من هلك من القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار.
وقيل : المعنى {ولات حين مناص} أي لا خلاص وهو نصب بوقوع لا عليه.
قال القشيري : وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا للواو في {ولات حين مناص} وقال الجرجاني : أي فنادوا حين لا مناص؛ أي ساعة لا منجى ولا فوت.
فلما قدم {لا} وأخر {حين} اقتضى ذلك الواو، كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا؛ مثل قولك : جاء زيد راكبا؛ فإذا جعلته مبتدأ وخبر اقتضى الواو مثل جاءني زيد وهو راكب، فحين ظرف لقوله : {فنادوا}.
والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص؛ أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص.
قال الفراء : أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص يقال : ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وزاغ.
النحاس : ويقال : ناص ينوص إذا تقدم.
قلت : فعلى هذا يكون من الأضداد، والنوص الحمار الوحشي.
واستناص أي تأخر؛ قاله الجوهري.
وتكلم النحويون في {ولات حين} وفي الوقف عليه، وكثر فيه أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيرا مردود.
فقال سيبويه: {لات} مشبهة بليس والاسم فيها مضمر؛ أي ليست أحياننا حين مناص.
وحكي أن من العرب من يرفع بها فيقول : ولات حين مناص.
وحكي أن الرفع قليل ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب؛ أي ولات حين مناص لنا.
والوقف عليها عند سيبويه والفراء {ولات} بالتاء ثم تبتدئ {حين مناص} هو قول ابن كيسان والزجاج.
قال أبو الحسن بن كيسان : والقول كما قال سيبويه؛ لأن شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات.
والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه.
وهو قول المبرد محمد بن يزيد.
وحكى عنه علي بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال ثُمه ورُبه.
وقال القشيري : وقد يقال ثُمت بعني ثُم، وربت بمعنى رب؛ فكأنهم زادوا في لا هاء فقالوا لاه، كما قالوا في ثمه عند الوصل صارت تاء.
وقال الثعلبي : وقال أهل اللغة : و{لات حين} مفتوحتان كأنهما كلمة واحدة، وإنما هي {لا} زيدت فيها التاء نحو رب وربت، وثم وثمت.
قال أبو زبيد الطائي : طلبوا صلحنا ولات أوان ** فأجبنا أن ليس حين بقاء وقال آخر : تذكر حب ليلى لات حينا ** وأمسى الشيب قد قطع القرينا ومن العرب من يخفض بها؛ وأنشد الفراء : فلتعرفن خلائقا مشمولة ** ولتندمن ولات ساعة مندم وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن {ولات حين} التاء منقطعة من حين، ويقولون معناها وليست.
وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من حين.
وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : الوقف عندي على هذا الحرف {ولا} والابتداء {تحين مناص} فتكون التاء مع حين.
وقال بعضهم: {لات} ثم يبتدئ فيقول: {حين مناص}.
قال المهدوي : وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين، وهو خلاف قول المفسرين.
ومن حجة أبي عبيد أن قال : إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن؛ وأنشد لأبي وجزة السعدي : العاطفون تحين ما من عاطف ** والمطعمون زمان أين المطعم وأنشد لأبي زبيد الطائي : طلبوا صلحنا ولا تأوان ** فأجبنا أن ليس حين بقاء فأدخل التاء في أوان.
قال أبو عبيد : ومن إدخالهم التاء في الآن، حديث ابن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فذكر مناقبه ثم قال : اذهب بها تلان معك.
وكذلك قول الشاعر : نولي قبل نأي داري جمانا ** وصلينا كما زعمت تلانا قال أبو عبيد : ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام - مصحف عثمان - فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين.
قال أبو جعفر النحاس : أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فرواه العلماء باللغة على أربعة أوجه، كلها على خلاف ما أنشده؛ وفي أحدها تقديران؛ رواه أبو العباس محمد بن يزيد : العاطفون ولات ما من عاطف والرواية الثانية : العاطفون ولات حين تعاطف والرواية الثالثة رواها ابن كيسان : العاطفونةَ حين ما من عاطف جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث.
الرواية الرابعة : العاطفونهُ حين ما من عاطف وفي هذه الرواية تقديران؛ أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب؛ كما تقول : الضاربون زيدا فإذا كنيت قلت الضاربوه.
وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونه، فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب سيبويه في إجازته مثله.
والتقدير الآخر العاطفون على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول : مر بنا المسلمونه في الوقف، ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف؛ كما قرأ أهل المدينة: {ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه} [الحاقة : 29] وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه؛ لأنه يوقف عليه : ولات أوان، غير أن فيه شيئا مشكلا؛ لأنه يروى : ولات أوان بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا أو منصوبا.
وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ: {ولات حين مناص} بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ: {ولات حين مناص} فبنى {لات} على الكسر ونصب {حين}.
فأما : ولات أوان ففيه تقديران؛ قال الأخفش : فيه مضمر أي ولات حين أوان.
قال النحاس : وهذا القول بين الخطأ.
والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال : تقديره ولات أواننا فحذف، المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء الساكنين.
وأنشده محمد بن يزيد ولات أوان بالرفع.
وأما البيت الثالث فبيت مولد لا يعرف قائله ولا تصح به حجة.
على أن محمد بن يزيد رواه : كما زعمت الآن.
وقال غيره : المعنى كما زعمت أنت الآن.
فأسقط الهمزة من أنت والنون.
وأما احتجاجه بحديث ابن عمر، لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له : اذهب بها تلان إلى أصحابك فلا حجة، فيه؛ لأن المحدث إنما يروي هذا على المعنى.
والدليل على هذا أن مجاهدا يروي عن ابن عمر هذا الحديث وقال فيه : اذهب فاجهد جهدك.
ورواه آخر : اذهب بها الآن معك.
وأما احتجاجه بأنه وجدها في الإمام {تحين}.
فلا حجة فيه؛ لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلها {ولات} فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعا.
وجمع مناص مناوص.

تفسير ابن كثير
{ص} أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله تعالى {والقرآن ذي الذكر} أي والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد، قال الضحّاك {ذي الذكر} كقوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} أي تذكيركم، وبه قال قتادة واختاره ابن جرير رحمه اللّه.
وقال ابن عباس {ذي الذكر} ذي الشرف أي ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف، مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار، واختلفوا في جواب هذا القسم: فقال قتادة: جوابه {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} واختاره ابن جرير، وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، واللّه أعلم، وقوله تعالى: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} أي إن هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم {في عزة} أي استكبار عنه وحمية، {وشقاق} أي ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم فقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي من أمة مكذبة، {فنادوا} أي حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى اللّه تعالى، وليس ذلك بمُجْدٍ عنهم شيئاً، كما قال عزَّ وجلَّ: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} أي يهربون، قال التميمي: سألت ابن عباس رضي اللّه عنهما عن قول اللّه تبارك وتعالى: {فنادوا ولات حين مناص}! قال: ليس بحين نداء ولا نزعٍ ولا فرار، وعن ابن عباس: ليس بحين مغاث، نادوا بالنداء حين لا ينفعهم، وأنشد: تذكَّرَ ليلى لات حين تذكر** وقال محمد بن كعب: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم، وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء، وقال مجاهد: {فنادوا ولات حين مناص} ليس بحين فرار ولا إجابة، وعن زيد بن أسلم: {ولات حين مناص} ولا نداء في غير حين النداء، وهذه الكلمة، وهي لات هي لا التي للنفي زيدت معها التاء، كما تزاد في ثم، فيقولون: ثمت، ورب، فيقولون: ربت.
وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم، ولهذا قال تبارك وتعالى: {ولات حين مناص} أي ليس الحين حين فرار ولا ذهاب، واللّه سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

الترجمة الانجليزية SAD. I CALL to witness the admonishing Qur´an.


سورة ص آية 2
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (بل الذين كفروا) من أهل مكة (في عزة) حمية وتكبر عن الإيمان (وشقاق) خلاف وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {ص} قراءة العامة {ص} بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل: {الم} و{المر}.
وقرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم {صاد} بكسر الدال بغير تنوين.
ولقراءته مذهبان : أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، ومنه {فأنت له تصدى} [عبس : 6] أي تعرض.
والمصاداة المعارضة، ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية.
فالمعنى صاد القرآن بعملك؛ أي عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه.
النحاس : وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة.
وعنه أن المعنى اتله وتعرض لقراءته.
والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين.
وقرأ عيسى بن عمر {صاد} بفتح الدال مثله: {قاف} و{نون} بفتح آخرها.
وله في ذلك ثلاثة مذاهب : أحدهن أن يكون بمعنى أتل.
والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع؛ ولأنه أخف الحركات.
والثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف؛ كقولك : الله لأفعلن، وقيل : نصب على الإغراء.
وقيل : معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به.
وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا {صاد} بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله.
ويجوز أن يكون مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها.
وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميقع: {صاد} و{قاف} و{نون} بضم آخرهن : لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال، نحو منذ وقط وقبل وبعد.
و{ص} إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف؛ كما أنك إدا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف وإن قلت حروفه.
وقال ابن عباس وجابر بن عبدالله وقد سئلا عن {ص} فقالا : لا ندري ما هي.
وقال عكرمة : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن {ص} فقال: {ص} كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار.
وقال سعيد بن جبير {ص} بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.
وقال الضحاك : معناه صدق الله.
وعنه أن {ص} قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى.
وقال السدي، وروي عن ابن عباس.
وقال محمد بن كعب : هو مفتاح أسماء الله تعالى صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد.
وقال قتادة : هو اسم من أسماء الرحمن.
وعنه أنه اسم من أسماء القرآن.
وقال مجاهد : هو فاتحة السورة.
وقيل : هو مما استأثر الله تعالى بعلمه وهو معنى القول الأول.
وقد تقدم جميع هذا في {البقرة}.
قوله تعالى: {والقرآن} خفض بواو القسم والواو بدل من الباء؛ أقسم بالقرآن تنبيها على جلالة قدره؛ فإن فيه بيان كل شيء، وشفاء لما في الصدور، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.
{ذي الذكر} خفض على النعت وعلامة خفضه الياء، وهو اسم معتل والأصل فيه ذوى على فعل.
قال ابن عباس : ومقاتل معنى {ذي الذكر} ذي البيان.
الضحاك : ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين؛ كما قال تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} [الأنبياء : 10] أي شرفكم.
وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره.
وقيل: {ذي الذكر} أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين.
وقيل: {ذي الذكر} أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده.
وقيل : أي ذي الموعظة والذكر.
وجواب القسم محذوف.
واختلف فيه على أوجه : فقيل جواب القسم {ص}؛ لأن معناه حق فهي جواب لقوله: {والقرآن} كما تقول : حقا والله، نزل والله، وجب والله؛ فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله: {والقرآن ذي الذكر} حسنا، وعلى {في عزة وشقاق} تماما.
قال ابن الأنباري.
وحكى معناه الثعلبي عن الفراء.
وقيل : الجواب {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} لأن {بل} نفي لأمر سبق وإثبات لغيره؛ قاله القتبي؛ فكأنه قال: {والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق} عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
أو {والقرآن ذي الذكر} ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق.
وهو كقوله: {ق والقرآن المجيد.
بل عجبوا} [ق : 2].
وقيل : الجواب {وكم أهلكنا} [ق : 36] كأنه قال : والقرآن لكم أهلكنا؛ فلما تأخرت {كم} حذفت اللام منها؛ كقوله تعالى: {والشمس وضحاها} [الشمس : 1] ثم قال: {قد أفلح} [الشمس : 9] أي لقد أفلح.
قال المهدوي : وهذا مذهب الفراء.
ابن الأنباري : فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله: {في عزة وشقاق}.
وقال الأخفش : جواب القسم {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} ونحو منه قوله تعالى: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين {الشعراء : 97] وقوله: {والسماء والطارق} إلى قوله: {إن كل نفس} [الطارق : 1 - 4].
ابن الأنباري : وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص.
وقال الكسائي : جواب القسم قوله: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} [ص : 64].
ابن الأنباري : وهذا أقبح من الأول؛ لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم وجوابه.
وقيل الجواب قوله: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} [ص : 54].
وقال قتادة : الجواب محذوف تقديره {والقرآن ذي الذكر} لتبعثن ونحوه.
قوله تعالى: {بل الذين كفروا في عزة} أي تكبر وامتناع من قبول الحق؛ كما قال جل وعز: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} [البقرة : 206] والعزة عند العرب : الغلبة والقهر.
يقال : من عز بز؛ يعني من غلب سلب.
ومنه {وعزني في الخطاب} [ص : 23] أراد غلبني.
وقال جرير : يعز على الطريق بمنكبيه ** كما ابترك الخليع على القداح أراد يغلب.
{وشقاق} أي في إظهار خلاف ومباينة.
وهو من الشق كأن هذا في شق وذلك في شق.
وقد مضى في {البقرة} مستوفى.
قوله تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي قوم كانوا أمنع من هؤلاء.
و{كم} لفظة التكثير {فنادوا} أي بالاستغاثة والتوبة.
والنداء رفع الصوت؛ ومنه الخبر : (ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا) أي أرفع.
{ولات حين مناص} قال الحسن : نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل.
النحاس : وهذا تفسير منه لقوله عز وجل:{ولات حين مناص} فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس{ولات حين مناص} قال : ليس بحين نزو ولا فرار؛ قال : ضبط القوم جميعا قال الكلبي : كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص؛ أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص؛ فقال الله عز وجل: {ولات حين مناص} قال القشيري : وعلى هذا فالتقدير : فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه؛ أي ليس الوقت وقت ما تنادون به.
وفي هذا نوع تحكم؛ إذ يبعد أن يقال : كل من هلك من القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار.
وقيل : المعنى {ولات حين مناص} أي لا خلاص وهو نصب بوقوع لا عليه.
قال القشيري : وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا للواو في {ولات حين مناص} وقال الجرجاني : أي فنادوا حين لا مناص؛ أي ساعة لا منجى ولا فوت.
فلما قدم {لا} وأخر {حين} اقتضى ذلك الواو، كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا؛ مثل قولك : جاء زيد راكبا؛ فإذا جعلته مبتدأ وخبر اقتضى الواو مثل جاءني زيد وهو راكب، فحين ظرف لقوله : {فنادوا}.
والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص؛ أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص.
قال الفراء : أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص يقال : ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وزاغ.
النحاس : ويقال : ناص ينوص إذا تقدم.
قلت : فعلى هذا يكون من الأضداد، والنوص الحمار الوحشي.
واستناص أي تأخر؛ قاله الجوهري.
وتكلم النحويون في {ولات حين} وفي الوقف عليه، وكثر فيه أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيرا مردود.
فقال سيبويه: {لات} مشبهة بليس والاسم فيها مضمر؛ أي ليست أحياننا حين مناص.
وحكي أن من العرب من يرفع بها فيقول : ولات حين مناص.
وحكي أن الرفع قليل ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب؛ أي ولات حين مناص لنا.
والوقف عليها عند سيبويه والفراء {ولات} بالتاء ثم تبتدئ {حين مناص} هو قول ابن كيسان والزجاج.
قال أبو الحسن بن كيسان : والقول كما قال سيبويه؛ لأن شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات.
والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه.
وهو قول المبرد محمد بن يزيد.
وحكى عنه علي بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال ثُمه ورُبه.
وقال القشيري : وقد يقال ثُمت بعني ثُم، وربت بمعنى رب؛ فكأنهم زادوا في لا هاء فقالوا لاه، كما قالوا في ثمه عند الوصل صارت تاء.
وقال الثعلبي : وقال أهل اللغة : و{لات حين} مفتوحتان كأنهما كلمة واحدة، وإنما هي {لا} زيدت فيها التاء نحو رب وربت، وثم وثمت.
قال أبو زبيد الطائي : طلبوا صلحنا ولات أوان ** فأجبنا أن ليس حين بقاء وقال آخر : تذكر حب ليلى لات حينا ** وأمسى الشيب قد قطع القرينا ومن العرب من يخفض بها؛ وأنشد الفراء : فلتعرفن خلائقا مشمولة ** ولتندمن ولات ساعة مندم وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن {ولات حين} التاء منقطعة من حين، ويقولون معناها وليست.
وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من حين.
وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : الوقف عندي على هذا الحرف {ولا} والابتداء {تحين مناص} فتكون التاء مع حين.
وقال بعضهم: {لات} ثم يبتدئ فيقول: {حين مناص}.
قال المهدوي : وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين، وهو خلاف قول المفسرين.
ومن حجة أبي عبيد أن قال : إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن؛ وأنشد لأبي وجزة السعدي : العاطفون تحين ما من عاطف ** والمطعمون زمان أين المطعم وأنشد لأبي زبيد الطائي : طلبوا صلحنا ولا تأوان ** فأجبنا أن ليس حين بقاء فأدخل التاء في أوان.
قال أبو عبيد : ومن إدخالهم التاء في الآن، حديث ابن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فذكر مناقبه ثم قال : اذهب بها تلان معك.
وكذلك قول الشاعر : نولي قبل نأي داري جمانا ** وصلينا كما زعمت تلانا قال أبو عبيد : ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام - مصحف عثمان - فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين.
قال أبو جعفر النحاس : أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فرواه العلماء باللغة على أربعة أوجه، كلها على خلاف ما أنشده؛ وفي أحدها تقديران؛ رواه أبو العباس محمد بن يزيد : العاطفون ولات ما من عاطف والرواية الثانية : العاطفون ولات حين تعاطف والرواية الثالثة رواها ابن كيسان : العاطفونةَ حين ما من عاطف جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث.
الرواية الرابعة : العاطفونهُ حين ما من عاطف وفي هذه الرواية تقديران؛ أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب؛ كما تقول : الضاربون زيدا فإذا كنيت قلت الضاربوه.
وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونه، فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب سيبويه في إجازته مثله.
والتقدير الآخر العاطفون على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول : مر بنا المسلمونه في الوقف، ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف؛ كما قرأ أهل المدينة: {ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه} [الحاقة : 29] وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه؛ لأنه يوقف عليه : ولات أوان، غير أن فيه شيئا مشكلا؛ لأنه يروى : ولات أوان بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا أو منصوبا.
وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ: {ولات حين مناص} بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ: {ولات حين مناص} فبنى {لات} على الكسر ونصب {حين}.
فأما : ولات أوان ففيه تقديران؛ قال الأخفش : فيه مضمر أي ولات حين أوان.
قال النحاس : وهذا القول بين الخطأ.
والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال : تقديره ولات أواننا فحذف، المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء الساكنين.
وأنشده محمد بن يزيد ولات أوان بالرفع.
وأما البيت الثالث فبيت مولد لا يعرف قائله ولا تصح به حجة.
على أن محمد بن يزيد رواه : كما زعمت الآن.
وقال غيره : المعنى كما زعمت أنت الآن.
فأسقط الهمزة من أنت والنون.
وأما احتجاجه بحديث ابن عمر، لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له : اذهب بها تلان إلى أصحابك فلا حجة، فيه؛ لأن المحدث إنما يروي هذا على المعنى.
والدليل على هذا أن مجاهدا يروي عن ابن عمر هذا الحديث وقال فيه : اذهب فاجهد جهدك.
ورواه آخر : اذهب بها الآن معك.
وأما احتجاجه بأنه وجدها في الإمام {تحين}.
فلا حجة فيه؛ لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلها {ولات} فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعا.
وجمع مناص مناوص.

تفسير ابن كثير
{ص} أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله تعالى {والقرآن ذي الذكر} أي والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد، قال الضحّاك {ذي الذكر} كقوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} أي تذكيركم، وبه قال قتادة واختاره ابن جرير رحمه اللّه.
وقال ابن عباس {ذي الذكر} ذي الشرف أي ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف، مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار، واختلفوا في جواب هذا القسم: فقال قتادة: جوابه {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} واختاره ابن جرير، وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، واللّه أعلم، وقوله تعالى: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} أي إن هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم {في عزة} أي استكبار عنه وحمية، {وشقاق} أي ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم فقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي من أمة مكذبة، {فنادوا} أي حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى اللّه تعالى، وليس ذلك بمُجْدٍ عنهم شيئاً، كما قال عزَّ وجلَّ: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} أي يهربون، قال التميمي: سألت ابن عباس رضي اللّه عنهما عن قول اللّه تبارك وتعالى: {فنادوا ولات حين مناص}! قال: ليس بحين نداء ولا نزعٍ ولا فرار، وعن ابن عباس: ليس بحين مغاث، نادوا بالنداء حين لا ينفعهم، وأنشد: تذكَّرَ ليلى لات حين تذكر** وقال محمد بن كعب: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم، وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء، وقال مجاهد: {فنادوا ولات حين مناص} ليس بحين فرار ولا إجابة، وعن زيد بن أسلم: {ولات حين مناص} ولا نداء في غير حين النداء، وهذه الكلمة، وهي لات هي لا التي للنفي زيدت معها التاء، كما تزاد في ثم، فيقولون: ثمت، ورب، فيقولون: ربت.
وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم، ولهذا قال تبارك وتعالى: {ولات حين مناص} أي ليس الحين حين فرار ولا ذهاب، واللّه سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

الترجمة الانجليزية But the unbelievers are still full of pride and hostility.


سورة ص آية 3
كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ

كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (كم) أي كثير (أهلكنا من قبلهم من قرن) أي امة من الأمم الماضية (فنادوا) حين نزول القرآن بهم (ولات حين مناص) أي ليس الحين حين فرار والتاء زائدة والجملة حال من فاعل نادوا أي استغاثوا والحال أن لا مهرب ولا منجى وما اعتبر بهم كفار مكة

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {ص} قراءة العامة {ص} بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل: {الم} و{المر}.
وقرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم {صاد} بكسر الدال بغير تنوين.
ولقراءته مذهبان : أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، ومنه {فأنت له تصدى} [عبس : 6] أي تعرض.
والمصاداة المعارضة، ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية.
فالمعنى صاد القرآن بعملك؛ أي عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه.
النحاس : وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة.
وعنه أن المعنى اتله وتعرض لقراءته.
والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين.
وقرأ عيسى بن عمر {صاد} بفتح الدال مثله: {قاف} و{نون} بفتح آخرها.
وله في ذلك ثلاثة مذاهب : أحدهن أن يكون بمعنى أتل.
والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع؛ ولأنه أخف الحركات.
والثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف؛ كقولك : الله لأفعلن، وقيل : نصب على الإغراء.
وقيل : معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به.
وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا {صاد} بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله.
ويجوز أن يكون مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها.
وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميقع: {صاد} و{قاف} و{نون} بضم آخرهن : لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال، نحو منذ وقط وقبل وبعد.
و{ص} إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف؛ كما أنك إدا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف وإن قلت حروفه.
وقال ابن عباس وجابر بن عبدالله وقد سئلا عن {ص} فقالا : لا ندري ما هي.
وقال عكرمة : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن {ص} فقال: {ص} كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار.
وقال سعيد بن جبير {ص} بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.
وقال الضحاك : معناه صدق الله.
وعنه أن {ص} قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى.
وقال السدي، وروي عن ابن عباس.
وقال محمد بن كعب : هو مفتاح أسماء الله تعالى صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد.
وقال قتادة : هو اسم من أسماء الرحمن.
وعنه أنه اسم من أسماء القرآن.
وقال مجاهد : هو فاتحة السورة.
وقيل : هو مما استأثر الله تعالى بعلمه وهو معنى القول الأول.
وقد تقدم جميع هذا في {البقرة}.
قوله تعالى: {والقرآن} خفض بواو القسم والواو بدل من الباء؛ أقسم بالقرآن تنبيها على جلالة قدره؛ فإن فيه بيان كل شيء، وشفاء لما في الصدور، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.
{ذي الذكر} خفض على النعت وعلامة خفضه الياء، وهو اسم معتل والأصل فيه ذوى على فعل.
قال ابن عباس : ومقاتل معنى {ذي الذكر} ذي البيان.
الضحاك : ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين؛ كما قال تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} [الأنبياء : 10] أي شرفكم.
وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره.
وقيل: {ذي الذكر} أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين.
وقيل: {ذي الذكر} أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده.
وقيل : أي ذي الموعظة والذكر.
وجواب القسم محذوف.
واختلف فيه على أوجه : فقيل جواب القسم {ص}؛ لأن معناه حق فهي جواب لقوله: {والقرآن} كما تقول : حقا والله، نزل والله، وجب والله؛ فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله: {والقرآن ذي الذكر} حسنا، وعلى {في عزة وشقاق} تماما.
قال ابن الأنباري.
وحكى معناه الثعلبي عن الفراء.
وقيل : الجواب {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} لأن {بل} نفي لأمر سبق وإثبات لغيره؛ قاله القتبي؛ فكأنه قال: {والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق} عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
أو {والقرآن ذي الذكر} ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق.
وهو كقوله: {ق والقرآن المجيد.
بل عجبوا} [ق : 2].
وقيل : الجواب {وكم أهلكنا} [ق : 36] كأنه قال : والقرآن لكم أهلكنا؛ فلما تأخرت {كم} حذفت اللام منها؛ كقوله تعالى: {والشمس وضحاها} [الشمس : 1] ثم قال: {قد أفلح} [الشمس : 9] أي لقد أفلح.
قال المهدوي : وهذا مذهب الفراء.
ابن الأنباري : فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله: {في عزة وشقاق}.
وقال الأخفش : جواب القسم {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} ونحو منه قوله تعالى: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين {الشعراء : 97] وقوله: {والسماء والطارق} إلى قوله: {إن كل نفس} [الطارق : 1 - 4].
ابن الأنباري : وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص.
وقال الكسائي : جواب القسم قوله: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} [ص : 64].
ابن الأنباري : وهذا أقبح من الأول؛ لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم وجوابه.
وقيل الجواب قوله: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} [ص : 54].
وقال قتادة : الجواب محذوف تقديره {والقرآن ذي الذكر} لتبعثن ونحوه.
قوله تعالى: {بل الذين كفروا في عزة} أي تكبر وامتناع من قبول الحق؛ كما قال جل وعز: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} [البقرة : 206] والعزة عند العرب : الغلبة والقهر.
يقال : من عز بز؛ يعني من غلب سلب.
ومنه {وعزني في الخطاب} [ص : 23] أراد غلبني.
وقال جرير : يعز على الطريق بمنكبيه ** كما ابترك الخليع على القداح أراد يغلب.
{وشقاق} أي في إظهار خلاف ومباينة.
وهو من الشق كأن هذا في شق وذلك في شق.
وقد مضى في {البقرة} مستوفى.
قوله تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي قوم كانوا أمنع من هؤلاء.
و{كم} لفظة التكثير {فنادوا} أي بالاستغاثة والتوبة.
والنداء رفع الصوت؛ ومنه الخبر : (ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا) أي أرفع.
{ولات حين مناص} قال الحسن : نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل.
النحاس : وهذا تفسير منه لقوله عز وجل:{ولات حين مناص} فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس{ولات حين مناص} قال : ليس بحين نزو ولا فرار؛ قال : ضبط القوم جميعا قال الكلبي : كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص؛ أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص؛ فقال الله عز وجل: {ولات حين مناص} قال القشيري : وعلى هذا فالتقدير : فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه؛ أي ليس الوقت وقت ما تنادون به.
وفي هذا نوع تحكم؛ إذ يبعد أن يقال : كل من هلك من القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار.
وقيل : المعنى {ولات حين مناص} أي لا خلاص وهو نصب بوقوع لا عليه.
قال القشيري : وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا للواو في {ولات حين مناص} وقال الجرجاني : أي فنادوا حين لا مناص؛ أي ساعة لا منجى ولا فوت.
فلما قدم {لا} وأخر {حين} اقتضى ذلك الواو، كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا؛ مثل قولك : جاء زيد راكبا؛ فإذا جعلته مبتدأ وخبر اقتضى الواو مثل جاءني زيد وهو راكب، فحين ظرف لقوله : {فنادوا}.
والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص؛ أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص.
قال الفراء : أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص يقال : ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وزاغ.
النحاس : ويقال : ناص ينوص إذا تقدم.
قلت : فعلى هذا يكون من الأضداد، والنوص الحمار الوحشي.
واستناص أي تأخر؛ قاله الجوهري.
وتكلم النحويون في {ولات حين} وفي الوقف عليه، وكثر فيه أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيرا مردود.
فقال سيبويه: {لات} مشبهة بليس والاسم فيها مضمر؛ أي ليست أحياننا حين مناص.
وحكي أن من العرب من يرفع بها فيقول : ولات حين مناص.
وحكي أن الرفع قليل ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب؛ أي ولات حين مناص لنا.
والوقف عليها عند سيبويه والفراء {ولات} بالتاء ثم تبتدئ {حين مناص} هو قول ابن كيسان والزجاج.
قال أبو الحسن بن كيسان : والقول كما قال سيبويه؛ لأن شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات.
والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه.
وهو قول المبرد محمد بن يزيد.
وحكى عنه علي بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال ثُمه ورُبه.
وقال القشيري : وقد يقال ثُمت بعني ثُم، وربت بمعنى رب؛ فكأنهم زادوا في لا هاء فقالوا لاه، كما قالوا في ثمه عند الوصل صارت تاء.
وقال الثعلبي : وقال أهل اللغة : و{لات حين} مفتوحتان كأنهما كلمة واحدة، وإنما هي {لا} زيدت فيها التاء نحو رب وربت، وثم وثمت.
قال أبو زبيد الطائي : طلبوا صلحنا ولات أوان ** فأجبنا أن ليس حين بقاء وقال آخر : تذكر حب ليلى لات حينا ** وأمسى الشيب قد قطع القرينا ومن العرب من يخفض بها؛ وأنشد الفراء : فلتعرفن خلائقا مشمولة ** ولتندمن ولات ساعة مندم وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن {ولات حين} التاء منقطعة من حين، ويقولون معناها وليست.
وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من حين.
وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : الوقف عندي على هذا الحرف {ولا} والابتداء {تحين مناص} فتكون التاء مع حين.
وقال بعضهم: {لات} ثم يبتدئ فيقول: {حين مناص}.
قال المهدوي : وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين، وهو خلاف قول المفسرين.
ومن حجة أبي عبيد أن قال : إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن؛ وأنشد لأبي وجزة السعدي : العاطفون تحين ما من عاطف ** والمطعمون زمان أين المطعم وأنشد لأبي زبيد الطائي : طلبوا صلحنا ولا تأوان ** فأجبنا أن ليس حين بقاء فأدخل التاء في أوان.
قال أبو عبيد : ومن إدخالهم التاء في الآن، حديث ابن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فذكر مناقبه ثم قال : اذهب بها تلان معك.
وكذلك قول الشاعر : نولي قبل نأي داري جمانا ** وصلينا كما زعمت تلانا قال أبو عبيد : ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام - مصحف عثمان - فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين.
قال أبو جعفر النحاس : أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فرواه العلماء باللغة على أربعة أوجه، كلها على خلاف ما أنشده؛ وفي أحدها تقديران؛ رواه أبو العباس محمد بن يزيد : العاطفون ولات ما من عاطف والرواية الثانية : العاطفون ولات حين تعاطف والرواية الثالثة رواها ابن كيسان : العاطفونةَ حين ما من عاطف جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث.
الرواية الرابعة : العاطفونهُ حين ما من عاطف وفي هذه الرواية تقديران؛ أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب؛ كما تقول : الضاربون زيدا فإذا كنيت قلت الضاربوه.
وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونه، فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب سيبويه في إجازته مثله.
والتقدير الآخر العاطفون على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول : مر بنا المسلمونه في الوقف، ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف؛ كما قرأ أهل المدينة: {ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه} [الحاقة : 29] وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه؛ لأنه يوقف عليه : ولات أوان، غير أن فيه شيئا مشكلا؛ لأنه يروى : ولات أوان بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا أو منصوبا.
وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ: {ولات حين مناص} بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ: {ولات حين مناص} فبنى {لات} على الكسر ونصب {حين}.
فأما : ولات أوان ففيه تقديران؛ قال الأخفش : فيه مضمر أي ولات حين أوان.
قال النحاس : وهذا القول بين الخطأ.
والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال : تقديره ولات أواننا فحذف، المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء الساكنين.
وأنشده محمد بن يزيد ولات أوان بالرفع.
وأما البيت الثالث فبيت مولد لا يعرف قائله ولا تصح به حجة.
على أن محمد بن يزيد رواه : كما زعمت الآن.
وقال غيره : المعنى كما زعمت أنت الآن.
فأسقط الهمزة من أنت والنون.
وأما احتجاجه بحديث ابن عمر، لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له : اذهب بها تلان إلى أصحابك فلا حجة، فيه؛ لأن المحدث إنما يروي هذا على المعنى.
والدليل على هذا أن مجاهدا يروي عن ابن عمر هذا الحديث وقال فيه : اذهب فاجهد جهدك.
ورواه آخر : اذهب بها الآن معك.
وأما احتجاجه بأنه وجدها في الإمام {تحين}.
فلا حجة فيه؛ لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلها {ولات} فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعا.
وجمع مناص مناوص.

تفسير ابن كثير
{ص} أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله تعالى {والقرآن ذي الذكر} أي والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد، قال الضحّاك {ذي الذكر} كقوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} أي تذكيركم، وبه قال قتادة واختاره ابن جرير رحمه اللّه.
وقال ابن عباس {ذي الذكر} ذي الشرف أي ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف، مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار، واختلفوا في جواب هذا القسم: فقال قتادة: جوابه {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} واختاره ابن جرير، وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، واللّه أعلم، وقوله تعالى: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} أي إن هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم {في عزة} أي استكبار عنه وحمية، {وشقاق} أي ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم فقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي من أمة مكذبة، {فنادوا} أي حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى اللّه تعالى، وليس ذلك بمُجْدٍ عنهم شيئاً، كما قال عزَّ وجلَّ: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} أي يهربون، قال التميمي: سألت ابن عباس رضي اللّه عنهما عن قول اللّه تبارك وتعالى: {فنادوا ولات حين مناص}! قال: ليس بحين نداء ولا نزعٍ ولا فرار، وعن ابن عباس: ليس بحين مغاث، نادوا بالنداء حين لا ينفعهم، وأنشد: تذكَّرَ ليلى لات حين تذكر** وقال محمد بن كعب: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم، وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء، وقال مجاهد: {فنادوا ولات حين مناص} ليس بحين فرار ولا إجابة، وعن زيد بن أسلم: {ولات حين مناص} ولا نداء في غير حين النداء، وهذه الكلمة، وهي لات هي لا التي للنفي زيدت معها التاء، كما تزاد في ثم، فيقولون: ثمت، ورب، فيقولون: ربت.
وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم، ولهذا قال تبارك وتعالى: {ولات حين مناص} أي ليس الحين حين فرار ولا ذهاب، واللّه سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

الترجمة الانجليزية How many generations have We destroyed before them who cried (for mercy) when it was too late for escape.


سورة ص آية 4
وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم) رسول من أنفسهم ويخوفهم النار بعد البعث وهو النبي صلى الله عليه وسلم (وقال الكافرون) فيه وضع الظاهر موضع المضمر (هذا ساحر كذاب)

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} {أن} في موضع نصب والمعنى من أن جاءهم.
قيل : هو متصل بقوله: {في عزة وشقاق} أي في عزة وشقاق وعجبوا، وقوله: {كم أهلكنا} معترض.
وقيل : لا بل هذا ابتداء كلام؛ أي ومن جهلهم أنهم أظهروا التعجب من أن جاءهم منذر منهم.
{وقال الكافرون هذا ساحر} أي يجيء بالكلام المموه الذي يخدع به الناس؛ وقيل : يفرق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجته {كذاب} أي في دعوى النبوة.
قوله تعالى: {أجعل الآلهة إلها واحدا} مفعولان أي صير الآلهة إلها واحدا.
{إن هذا لشيء عجاب} أي عجيب.
وقرأ السلمي: {عجاب} بالتشديد.
والعجاب والعجّاب والعجب سواء.
وقد فرق الخليل بين عجيب وعجاب فقال : العجيب العجب، والعجاب الذي قد تجاوز حد العجب، والطويل الذي فيه طول، والطوال، الذي قد تجاوز حد الطول.
وقال الجوهري : العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة.
وقال مقاتل: {عجاب} لغة أزد شنوءة.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، قال : وشكوه إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ فقال : (يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم) فقال : وما هي؟ قال : (لا إله إلا الله) قال : فقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا} قال : فنزل فيهم القرآن: {ص والقرآن ذي الذكر.
بل الذين كفروا في عزة وشقاق} حتى بلغ {إن هذا إلا اختلاق} خرجه الترمذي أيضا بمعناه.
وقال : هذا حديث حسن صحيح.
وقيل : لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا : اقض بيننا وبين ابن أخيك.
فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : بابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك.
قال : (وماذا يسألونني) قالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم) فقال أبو جهل : لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (قولوا لا إله إلا الله) فنفروا من ذلك وقاموا؛ فقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا} فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد.
فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله: {كذبت قبلهم قوم نوح} [ص : 12]

تفسير ابن كثير
يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيراً ونذيراً، كما قال عزَّ وجلَّ: {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} الآية، وقال جلَّ وعلا ههنا: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي بشر مثلهم، وقال الكافرون {هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلهاً واحداً} أي أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم اللّه تعالى وتعجبوا من ترك الشرك باللّه، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلووبهم، فلما دعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا، وقالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم} وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين {امشوا} أي استمروا على دينكم، {واصبروا على آلهتكم}، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد، وقوله تعالى {إن هذا لشيء يراد} قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه.
ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات.
روى ابن جرير، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم، فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجُل، قال: فخشي أبو جهل، لعنه اللّه، إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلساً قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة نعم وأبيك عشراً أي نعطيك بدل الكلمة الواحدة عشر كلمات ، فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (لا إله إلا اللّه)، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً! إن هذا لشيء عجاب} ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: {بل لما يذوقوا عذاب} "أخرجه ابن جرير ورواه أحمد والنسائي والترمذي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما" وقولهم: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} أي ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش، وقال السدي: يعنون النصرانية، وقال ابن عباس: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} يعني دين النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرتنا به النصارى {إن هذا إلا اختلاق} قال مجاهد: كذب، وقال ابن عباس: تخرص، وقولهم: {أأنزل عليه الذكر من بيننا} يعني أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كما قال في الآية الأخرى: {لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}، ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم، في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال اللّه تعالى: {بل لَّما يذوقوا عذاب} أي إنما يقولون هذا، لأنهم ما ذاقوا عذاب اللّه تعالى ونقمته، وسيعلمون غِبَّ ما قالوا وما كذبوا به.
ثم قال تعالى مبيناً أنه المتصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، وأنَّ العباد لا يملكون شيئاً من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى منكراً عليهم: {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب} أي العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله} الآية، كما أخبر عزَّ وجلَّ عن قوم صالح عليه السلام حين قالوا: {أألقي الذكر عليه من بيننا، بل هو كذاب أشر سيعلمون غداً من الكذاب الأشر} وقوله تعالى: {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب} أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب، قال ابن عباس: يعني طرق السماء، وقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة، ثم قال عزَّ وجلَّ: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} أي هؤلاء الجند المكذبون سيهزمون ويغلبون، ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه الآية كقوله جلَّت عظمته: {أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر} كان ذلك يوم بدر {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}.

الترجمة الانجليزية They were surprised that one of them had come to them as warner; and the unbelievers said: "He is a deceiving sorcerer.


سورة ص آية 5
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (أجعل الآلهة إلها واحدا) حيث قال لهم قولوا لا إله إلا الله أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد (إن هذا لشيء عجاب) أي عجيب

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} {أن} في موضع نصب والمعنى من أن جاءهم.
قيل : هو متصل بقوله: {في عزة وشقاق} أي في عزة وشقاق وعجبوا، وقوله: {كم أهلكنا} معترض.
وقيل : لا بل هذا ابتداء كلام؛ أي ومن جهلهم أنهم أظهروا التعجب من أن جاءهم منذر منهم.
{وقال الكافرون هذا ساحر} أي يجيء بالكلام المموه الذي يخدع به الناس؛ وقيل : يفرق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجته {كذاب} أي في دعوى النبوة.
قوله تعالى: {أجعل الآلهة إلها واحدا} مفعولان أي صير الآلهة إلها واحدا.
{إن هذا لشيء عجاب} أي عجيب.
وقرأ السلمي: {عجاب} بالتشديد.
والعجاب والعجّاب والعجب سواء.
وقد فرق الخليل بين عجيب وعجاب فقال : العجيب العجب، والعجاب الذي قد تجاوز حد العجب، والطويل الذي فيه طول، والطوال، الذي قد تجاوز حد الطول.
وقال الجوهري : العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة.
وقال مقاتل: {عجاب} لغة أزد شنوءة.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، قال : وشكوه إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ فقال : (يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم) فقال : وما هي؟ قال : (لا إله إلا الله) قال : فقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا} قال : فنزل فيهم القرآن: {ص والقرآن ذي الذكر.
بل الذين كفروا في عزة وشقاق} حتى بلغ {إن هذا إلا اختلاق} خرجه الترمذي أيضا بمعناه.
وقال : هذا حديث حسن صحيح.
وقيل : لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا : اقض بيننا وبين ابن أخيك.
فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : بابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك.
قال : (وماذا يسألونني) قالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم) فقال أبو جهل : لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (قولوا لا إله إلا الله) فنفروا من ذلك وقاموا؛ فقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا} فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد.
فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله: {كذبت قبلهم قوم نوح} [ص : 12]

تفسير ابن كثير
يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيراً ونذيراً، كما قال عزَّ وجلَّ: {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} الآية، وقال جلَّ وعلا ههنا: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي بشر مثلهم، وقال الكافرون {هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلهاً واحداً} أي أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم اللّه تعالى وتعجبوا من ترك الشرك باللّه، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلووبهم، فلما دعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا، وقالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم} وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين {امشوا} أي استمروا على دينكم، {واصبروا على آلهتكم}، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد، وقوله تعالى {إن هذا لشيء يراد} قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه.
ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات.
روى ابن جرير، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم، فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجُل، قال: فخشي أبو جهل، لعنه اللّه، إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلساً قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة نعم وأبيك عشراً أي نعطيك بدل الكلمة الواحدة عشر كلمات ، فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (لا إله إلا اللّه)، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً! إن هذا لشيء عجاب} ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: {بل لما يذوقوا عذاب} "أخرجه ابن جرير ورواه أحمد والنسائي والترمذي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما" وقولهم: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} أي ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش، وقال السدي: يعنون النصرانية، وقال ابن عباس: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} يعني دين النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرتنا به النصارى {إن هذا إلا اختلاق} قال مجاهد: كذب، وقال ابن عباس: تخرص، وقولهم: {أأنزل عليه الذكر من بيننا} يعني أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كما قال في الآية الأخرى: {لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}، ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم، في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال اللّه تعالى: {بل لَّما يذوقوا عذاب} أي إنما يقولون هذا، لأنهم ما ذاقوا عذاب اللّه تعالى ونقمته، وسيعلمون غِبَّ ما قالوا وما كذبوا به.
ثم قال تعالى مبيناً أنه المتصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، وأنَّ العباد لا يملكون شيئاً من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى منكراً عليهم: {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب} أي العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله} الآية، كما أخبر عزَّ وجلَّ عن قوم صالح عليه السلام حين قالوا: {أألقي الذكر عليه من بيننا، بل هو كذاب أشر سيعلمون غداً من الكذاب الأشر} وقوله تعالى: {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب} أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب، قال ابن عباس: يعني طرق السماء، وقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة، ثم قال عزَّ وجلَّ: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} أي هؤلاء الجند المكذبون سيهزمون ويغلبون، ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه الآية كقوله جلَّت عظمته: {أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر} كان ذلك يوم بدر {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}.

الترجمة الانجليزية Has he turned so many gods into one deity? This is indeed a strange thing!"

الإبلاغ عن محتوى مخالف أو مسيء

عند الإبلاغ عن مخالفة مثل محتوى مخالف لشروط الاستخدام أو حقوق الملكية أو مسيء، إلخ، نرجو إعطائنا اكبر قدر ممكن من المعلومات  حيث أن ذلك سيساعدنا للوصول بسرعة للمحتوى أو المستخدم المخالف، و عمل اللازم نحوه،
المدينة و البلد حيث تعيش الأن
صفة البلاغ:
       شخصي، أو
إذا كان البلاغ نيابة عن جهة أخرى، ما إسم هذه الجهة أو الشخص
Image CAPTCHA
أدخل الرموز التي تظهر في الصورة