إفتتاح قسم الوثائق

  • تصفح المئات من الوثائق في العديد من المجالات: الدينية و التاريحية و العلمية و التربوية و تطوير الذات و أكتساب المهارات ... ألخ. أنقر هنا
  • إرفع وثيقة للموقع وشارك بها الغير لتعم الفائدة - سجل في الموقع ثم أنقر هذا الرابط

بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 31
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة الإنسان آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة الإنسان 1 - (هل) قد (أتى على الإنسان) آدم (حين من الدهر) أربعون سنة (لم يكن) فيه (شيئا مذكورا) كان فيه مصورا من طين لا يذكر أو المراد بالإنسان الجنس وبالحين مدة الحمل

تفسير القرطبي
قوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} {هل} : بمعنى قد؛ قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة.
وقد حكي عن سيبويه {هل} بمعنى قد.
قال الفراء : هل تكون جحدا، وتكون خبرا، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول : هل أعطيتك؟ تقرره بأنك أعطيته.
والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل : هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى : أتى.
والإنسان هنا آدم عليه السلام؛ قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي.
وروي عن ابن عباس.
{حين من الدهر} قال ابن عباس في رواية أبي صالح : أربعون سنة مرت به، قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف وعن ابن عباس أيضا في رواية الضحاك أنه خلق من طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة.
وزاد ابن مسعود فقال : أقام وهو من تراب أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه الروح.
وقيل : الحين المذكور ها هنا : لا يعرف مقداره؛ عن ابن عباس أيضا، حكاه الماوردي.
{لم يكن شيئا مذكورا} قال الضحاك عن ابن عباس : لا في السماء ولا في الأرض.
وقيل : أي كان جسدا مصورا ترابا وطينا، لا يذكر ولا يعرف، ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح، فصار مذكورا؛ قال الفراء وقطرب وثعلب.
وقال يحيى بن سلام : لم يكن شيئا مذكورا في الخلق وإن كان عند الله شيئا مذكورا.
وقيل : ليس هذا الذكر بمعنى الإخبار، فإن إخبار الرب عن الكائنات قديم، بل هذا الذكر بمعنى الخطر والشرف والقدر؛ تقول : فلان مذكور أي له شرف وقدر.
وقد قال تعالى {وإنه لذكر لك ولقومك}[الزخرف : 44].
أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قدر عند الخليقة.
ثم لما عرف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمله الأمانة التي عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكورا.
قال القشيري : وعلى الجملة ما كان مذكورا للخلق، وإن كان مذكورا لله.
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء {لم يكن شيئا} قال : كان شيئا ولم يكن مذكورا.
وقال قوم : النفي يرجع إلى الشيء؛ أي قد مضى مدد من الدهر وآدم لم يكن شيئا يذكر في الخليقة؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين.
والمعنى : قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة.
وهذا معنى قول قتادة ومقاتل : قال قتادة : إنما خلق الإنسان حديثا ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان.
وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئا مذكورا؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيوانا.
وقد قيل {الإنسان} في قوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين} عني به الجنس من ذرية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، مدة حمل الإنسان في بطن أمه {لم يكن شيئا مذكورا} : إذ كان علقة ومضغة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له.
وقال أبو بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية : ليتها تمت فلا نبتلى.
أي ليت المدة التي أتت على آدم لم تكن شيئا مذكورا تمت على ذلك، فلا يلد ولا يبتلى أولاده.
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} فقال ليتها تمت.
قوله تعالى {إنا خلقنا الإنسان} أي ابن آدم من غير خلاف {من نطفة} أي من ماء يقطر وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة؛ كقول عبدالله بن رواحة يعاتب نفسه : مالي أراك تكرهين الجنة ** هل أنت إلا نطفة في شنه وجمعها : نطف ونطاف.
{أمشاج} أخلاط.
واحدها : مشج ومشيج، مثل خدن وخدين؛ قال : رؤبة : يطرحن كل معجل نشاج ** لم يُكس جلدا في دم أمشاج ويقال : مشجت هذا بهذا أي خلطته، فهو ممشوج ومشيج؛ مثل مخلوط وخليط.
وقال المبرد : واحد الأمشاج : مشيج؛ يقال : مشج يمشج : إذا خلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم؛ قال الشماخ : طوت أحشاء مرتجة لوقت ** على مشج سلالته مهين وقال الفراء : أمشاج : أخلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة.
ويقال للشيء من هذا إذا خلط : مشيج كقولك خليط، وممشوج كقولك مخلوط.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال : الأمشاج : الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة.
وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة؛ قال الهذلي : كان الريش والفوقين منه ** خلاف النصل سيط به مشيج وعن ابن عباس أيضا قال : يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة.
وقد روي هذا مرفوعا؛ ذكره البزار.
وروي عن ابن مسعود : أمشاجها عروق المضغة.
وعنه : ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان.
وقال مجاهد : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وصفراء.
وقال ابن عباس : خلق من ألوان؛ خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم، وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظم ثم لحم.
ونحوه قال قتادة : هي أطوار الخلق : طور وطور علقة وطور مضغة عظام ثم يكسو العظام لحما؛ كما قال في سورة المؤمنون {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}[المؤمنون : 12] الآية.
وقال ابن السكيت : الأمشاج الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة.
وقال أهل المعاني : الأمشاج ما جمع وهو في معنى الواحد؛ لأنه نعت للنطفة؛ كما يقال : برمة أعشار وثوب أخلاق.
وروي عن أبي أيوب الأنصاري : قال جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني عن ماء الرجل وماء المرأة؟ فقال : [ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فإذا علا ماء المرأة آنثت وإذا علا ماء الرجل أذكرت] فقال الحبر : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وقد مضى هذا القول مستوفى في سورة البقرة .
قوله تعالى {نبتليه} أي نختبره.
وقيل : نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار.
وفيما يختبر به وجهان : أحدهما : نختبره بالخير والشر؛ قال الكلبي.
الثاني : نختبر شكره في السراء وصبره في الضراء؛ قال الحسن.
وقيل {نبتليه} نكلفه.
وفيه أيضا وجهان : أحدهما : بالعمل بعد الخلق؛ قال مقاتل.
الثاني : بالدين ليكون مأمورا بالطاعة ومنهيا عن المعاصي.
وروي عن ابن عباس {نبتليه} : نصرفه خلقا بعد خلق؛ لنبتليه بالخير والشر.
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : المعنى والله أعلم {فجعلناه سميعا بصيرا} لنبتليه، وهي مقدمة معناها التأخير.
قلت : لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة.
وقيل {جعلناه سميعا بصيرا} : يعني جعلنا له سمعا يسمع به الهدى، وبصرا يبصر به الهدى.
قوله تعالى {إنا هديناه السبيل} أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشر ببعث الرسل، فآمن أو كفر؛ كقوله تعالى {وهديناه النجدين}[البلد : 10].
وقال مجاهد : أي بينا له السبيل إلى الشقاء والسعادة.
وقال الضحاك وأبو صالح والسدي : السبيل هنا خروجه من الرحم.
وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله.
{إما شاكرا وإما كفورا} أي أيهما فعل فقد بينا له.
قال الكوفيون {إن} ها هنا تكون جزاء و{ما} زائدة أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر.
واختاره الفراء ولم يجزه البصريون؛ إذ لا تدخل {إن} للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل.
وقيل : أي هديناه الرشد، أي بينا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه؛ ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن، وإن خذلناه كفر.
وهو كما تقول : قد نصحت لك، إن شئت فاقبل، وإن شئت فاترك؛ أي فإن شئت، فتحذف الفاء.
وكذا {إما شاكرا} والله أعلم.
ويقال : هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل.
وقد تقدم في الفاتحة وغيرها.
وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة؛ نفيا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يؤدى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقل شكره، لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قل مع الإحسان إليه.
حكاه الماوردي.

تفسير ابن كثير
مقدمة عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: {ألم تنزيل} السجدة و{هل أتى على الإنسان} ""أخرجه مسلم في صحيحه""؟ بسم اللّه الرحمن الرحيم يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه، فقال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} ثم بيّن ذلك فقال جلَّ جلاله: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} أي أخلاط، والمشج والمشيج، الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، وقال عكرمة ومجاهد: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، وقوله تعالى: {نبتليه} أي نختبره كقوله جلَّ جلاله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}، {فجعلناه سميعاً بصيراً} أي جعلنا له سمعاً وبصراً يتمكن بهما من الطاعة والمعصية، وقوله جلَّ وعلا: {إنا هديناه السبيل} أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جلَّ وعلا: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، وكقوله جلَّ وعلا: {وهديناه النجدين} أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة ومجاهد والجمهور، وروي عن الضحّاك والسدي {إنا هديناه السبيل} يعني خروجه من الرحم، وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول، وقوله تعالى: {إما شاكراً وإما كفوراً} منصوب على الحال من الهاء في قوله: {إنا هديناه السبيل} تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الصحيح: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها) ""رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري""، وقد تقدم من رواية جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب لسانه إما شاكراً وإما كفوراً) ""أخرجه أحمد، وقد تقدم في سورة الروم""، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب اللّه اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط اللّه اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته) ""أخرجه الإمام أحمد"".

الترجمة الانجليزية WAS THERE NOT a time in the life of man when he was not even a mentionable thing?


سورة الإنسان آية 2
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا

إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (إنا خلقنا الإنسان) الجنس (من نطفة أمشاج) اخلاط أي من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين (نبتليه) نختبره بالتكليف والجملة مستأنفة أو حال مقدرة أي مريدين ابتلاءه حين تأهله (فجعلناه) بسبب ذلك (سميعا بصيرا)

تفسير القرطبي
قوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} {هل} : بمعنى قد؛ قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة.
وقد حكي عن سيبويه {هل} بمعنى قد.
قال الفراء : هل تكون جحدا، وتكون خبرا، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول : هل أعطيتك؟ تقرره بأنك أعطيته.
والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل : هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى : أتى.
والإنسان هنا آدم عليه السلام؛ قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي.
وروي عن ابن عباس.
{حين من الدهر} قال ابن عباس في رواية أبي صالح : أربعون سنة مرت به، قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف وعن ابن عباس أيضا في رواية الضحاك أنه خلق من طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة.
وزاد ابن مسعود فقال : أقام وهو من تراب أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه الروح.
وقيل : الحين المذكور ها هنا : لا يعرف مقداره؛ عن ابن عباس أيضا، حكاه الماوردي.
{لم يكن شيئا مذكورا} قال الضحاك عن ابن عباس : لا في السماء ولا في الأرض.
وقيل : أي كان جسدا مصورا ترابا وطينا، لا يذكر ولا يعرف، ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح، فصار مذكورا؛ قال الفراء وقطرب وثعلب.
وقال يحيى بن سلام : لم يكن شيئا مذكورا في الخلق وإن كان عند الله شيئا مذكورا.
وقيل : ليس هذا الذكر بمعنى الإخبار، فإن إخبار الرب عن الكائنات قديم، بل هذا الذكر بمعنى الخطر والشرف والقدر؛ تقول : فلان مذكور أي له شرف وقدر.
وقد قال تعالى {وإنه لذكر لك ولقومك}[الزخرف : 44].
أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قدر عند الخليقة.
ثم لما عرف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمله الأمانة التي عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكورا.
قال القشيري : وعلى الجملة ما كان مذكورا للخلق، وإن كان مذكورا لله.
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء {لم يكن شيئا} قال : كان شيئا ولم يكن مذكورا.
وقال قوم : النفي يرجع إلى الشيء؛ أي قد مضى مدد من الدهر وآدم لم يكن شيئا يذكر في الخليقة؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين.
والمعنى : قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة.
وهذا معنى قول قتادة ومقاتل : قال قتادة : إنما خلق الإنسان حديثا ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان.
وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئا مذكورا؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيوانا.
وقد قيل {الإنسان} في قوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين} عني به الجنس من ذرية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، مدة حمل الإنسان في بطن أمه {لم يكن شيئا مذكورا} : إذ كان علقة ومضغة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له.
وقال أبو بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية : ليتها تمت فلا نبتلى.
أي ليت المدة التي أتت على آدم لم تكن شيئا مذكورا تمت على ذلك، فلا يلد ولا يبتلى أولاده.
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} فقال ليتها تمت.
قوله تعالى {إنا خلقنا الإنسان} أي ابن آدم من غير خلاف {من نطفة} أي من ماء يقطر وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة؛ كقول عبدالله بن رواحة يعاتب نفسه : مالي أراك تكرهين الجنة ** هل أنت إلا نطفة في شنه وجمعها : نطف ونطاف.
{أمشاج} أخلاط.
واحدها : مشج ومشيج، مثل خدن وخدين؛ قال : رؤبة : يطرحن كل معجل نشاج ** لم يُكس جلدا في دم أمشاج ويقال : مشجت هذا بهذا أي خلطته، فهو ممشوج ومشيج؛ مثل مخلوط وخليط.
وقال المبرد : واحد الأمشاج : مشيج؛ يقال : مشج يمشج : إذا خلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم؛ قال الشماخ : طوت أحشاء مرتجة لوقت ** على مشج سلالته مهين وقال الفراء : أمشاج : أخلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة.
ويقال للشيء من هذا إذا خلط : مشيج كقولك خليط، وممشوج كقولك مخلوط.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال : الأمشاج : الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة.
وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة؛ قال الهذلي : كان الريش والفوقين منه ** خلاف النصل سيط به مشيج وعن ابن عباس أيضا قال : يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة.
وقد روي هذا مرفوعا؛ ذكره البزار.
وروي عن ابن مسعود : أمشاجها عروق المضغة.
وعنه : ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان.
وقال مجاهد : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وصفراء.
وقال ابن عباس : خلق من ألوان؛ خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم، وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظم ثم لحم.
ونحوه قال قتادة : هي أطوار الخلق : طور وطور علقة وطور مضغة عظام ثم يكسو العظام لحما؛ كما قال في سورة المؤمنون {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}[المؤمنون : 12] الآية.
وقال ابن السكيت : الأمشاج الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة.
وقال أهل المعاني : الأمشاج ما جمع وهو في معنى الواحد؛ لأنه نعت للنطفة؛ كما يقال : برمة أعشار وثوب أخلاق.
وروي عن أبي أيوب الأنصاري : قال جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني عن ماء الرجل وماء المرأة؟ فقال : [ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فإذا علا ماء المرأة آنثت وإذا علا ماء الرجل أذكرت] فقال الحبر : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وقد مضى هذا القول مستوفى في سورة البقرة .
قوله تعالى {نبتليه} أي نختبره.
وقيل : نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار.
وفيما يختبر به وجهان : أحدهما : نختبره بالخير والشر؛ قال الكلبي.
الثاني : نختبر شكره في السراء وصبره في الضراء؛ قال الحسن.
وقيل {نبتليه} نكلفه.
وفيه أيضا وجهان : أحدهما : بالعمل بعد الخلق؛ قال مقاتل.
الثاني : بالدين ليكون مأمورا بالطاعة ومنهيا عن المعاصي.
وروي عن ابن عباس {نبتليه} : نصرفه خلقا بعد خلق؛ لنبتليه بالخير والشر.
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : المعنى والله أعلم {فجعلناه سميعا بصيرا} لنبتليه، وهي مقدمة معناها التأخير.
قلت : لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة.
وقيل {جعلناه سميعا بصيرا} : يعني جعلنا له سمعا يسمع به الهدى، وبصرا يبصر به الهدى.
قوله تعالى {إنا هديناه السبيل} أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشر ببعث الرسل، فآمن أو كفر؛ كقوله تعالى {وهديناه النجدين}[البلد : 10].
وقال مجاهد : أي بينا له السبيل إلى الشقاء والسعادة.
وقال الضحاك وأبو صالح والسدي : السبيل هنا خروجه من الرحم.
وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله.
{إما شاكرا وإما كفورا} أي أيهما فعل فقد بينا له.
قال الكوفيون {إن} ها هنا تكون جزاء و{ما} زائدة أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر.
واختاره الفراء ولم يجزه البصريون؛ إذ لا تدخل {إن} للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل.
وقيل : أي هديناه الرشد، أي بينا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه؛ ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن، وإن خذلناه كفر.
وهو كما تقول : قد نصحت لك، إن شئت فاقبل، وإن شئت فاترك؛ أي فإن شئت، فتحذف الفاء.
وكذا {إما شاكرا} والله أعلم.
ويقال : هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل.
وقد تقدم في الفاتحة وغيرها.
وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة؛ نفيا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يؤدى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقل شكره، لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قل مع الإحسان إليه.
حكاه الماوردي.

تفسير ابن كثير
مقدمة عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: {ألم تنزيل} السجدة و{هل أتى على الإنسان} ""أخرجه مسلم في صحيحه""؟ بسم اللّه الرحمن الرحيم يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه، فقال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} ثم بيّن ذلك فقال جلَّ جلاله: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} أي أخلاط، والمشج والمشيج، الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، وقال عكرمة ومجاهد: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، وقوله تعالى: {نبتليه} أي نختبره كقوله جلَّ جلاله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}، {فجعلناه سميعاً بصيراً} أي جعلنا له سمعاً وبصراً يتمكن بهما من الطاعة والمعصية، وقوله جلَّ وعلا: {إنا هديناه السبيل} أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جلَّ وعلا: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، وكقوله جلَّ وعلا: {وهديناه النجدين} أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة ومجاهد والجمهور، وروي عن الضحّاك والسدي {إنا هديناه السبيل} يعني خروجه من الرحم، وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول، وقوله تعالى: {إما شاكراً وإما كفوراً} منصوب على الحال من الهاء في قوله: {إنا هديناه السبيل} تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الصحيح: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها) ""رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري""، وقد تقدم من رواية جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب لسانه إما شاكراً وإما كفوراً) ""أخرجه أحمد، وقد تقدم في سورة الروم""، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب اللّه اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط اللّه اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته) ""أخرجه الإمام أحمد"".

الترجمة الانجليزية Verily We created man from a sperm yoked (to the ovum) to bring out his real substance, then gave him hearing and sight.


سورة الإنسان آية 3
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (إنا هديناه السبيل) بينا له طريق الهدى ببعث الرسل (إما شاكرا) أي مؤمنا (وإما كفورا) حالان من المفعول أي بينا له في حال شكره أو كفره المقدرة وإما لتفصيل الأحوال

تفسير القرطبي
قوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} {هل} : بمعنى قد؛ قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة.
وقد حكي عن سيبويه {هل} بمعنى قد.
قال الفراء : هل تكون جحدا، وتكون خبرا، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول : هل أعطيتك؟ تقرره بأنك أعطيته.
والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل : هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى : أتى.
والإنسان هنا آدم عليه السلام؛ قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي.
وروي عن ابن عباس.
{حين من الدهر} قال ابن عباس في رواية أبي صالح : أربعون سنة مرت به، قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف وعن ابن عباس أيضا في رواية الضحاك أنه خلق من طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة.
وزاد ابن مسعود فقال : أقام وهو من تراب أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه الروح.
وقيل : الحين المذكور ها هنا : لا يعرف مقداره؛ عن ابن عباس أيضا، حكاه الماوردي.
{لم يكن شيئا مذكورا} قال الضحاك عن ابن عباس : لا في السماء ولا في الأرض.
وقيل : أي كان جسدا مصورا ترابا وطينا، لا يذكر ولا يعرف، ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح، فصار مذكورا؛ قال الفراء وقطرب وثعلب.
وقال يحيى بن سلام : لم يكن شيئا مذكورا في الخلق وإن كان عند الله شيئا مذكورا.
وقيل : ليس هذا الذكر بمعنى الإخبار، فإن إخبار الرب عن الكائنات قديم، بل هذا الذكر بمعنى الخطر والشرف والقدر؛ تقول : فلان مذكور أي له شرف وقدر.
وقد قال تعالى {وإنه لذكر لك ولقومك}[الزخرف : 44].
أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قدر عند الخليقة.
ثم لما عرف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمله الأمانة التي عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكورا.
قال القشيري : وعلى الجملة ما كان مذكورا للخلق، وإن كان مذكورا لله.
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء {لم يكن شيئا} قال : كان شيئا ولم يكن مذكورا.
وقال قوم : النفي يرجع إلى الشيء؛ أي قد مضى مدد من الدهر وآدم لم يكن شيئا يذكر في الخليقة؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين.
والمعنى : قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة.
وهذا معنى قول قتادة ومقاتل : قال قتادة : إنما خلق الإنسان حديثا ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان.
وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئا مذكورا؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيوانا.
وقد قيل {الإنسان} في قوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين} عني به الجنس من ذرية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، مدة حمل الإنسان في بطن أمه {لم يكن شيئا مذكورا} : إذ كان علقة ومضغة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له.
وقال أبو بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية : ليتها تمت فلا نبتلى.
أي ليت المدة التي أتت على آدم لم تكن شيئا مذكورا تمت على ذلك، فلا يلد ولا يبتلى أولاده.
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} فقال ليتها تمت.
قوله تعالى {إنا خلقنا الإنسان} أي ابن آدم من غير خلاف {من نطفة} أي من ماء يقطر وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة؛ كقول عبدالله بن رواحة يعاتب نفسه : مالي أراك تكرهين الجنة ** هل أنت إلا نطفة في شنه وجمعها : نطف ونطاف.
{أمشاج} أخلاط.
واحدها : مشج ومشيج، مثل خدن وخدين؛ قال : رؤبة : يطرحن كل معجل نشاج ** لم يُكس جلدا في دم أمشاج ويقال : مشجت هذا بهذا أي خلطته، فهو ممشوج ومشيج؛ مثل مخلوط وخليط.
وقال المبرد : واحد الأمشاج : مشيج؛ يقال : مشج يمشج : إذا خلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم؛ قال الشماخ : طوت أحشاء مرتجة لوقت ** على مشج سلالته مهين وقال الفراء : أمشاج : أخلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة.
ويقال للشيء من هذا إذا خلط : مشيج كقولك خليط، وممشوج كقولك مخلوط.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال : الأمشاج : الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة.
وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة؛ قال الهذلي : كان الريش والفوقين منه ** خلاف النصل سيط به مشيج وعن ابن عباس أيضا قال : يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة.
وقد روي هذا مرفوعا؛ ذكره البزار.
وروي عن ابن مسعود : أمشاجها عروق المضغة.
وعنه : ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان.
وقال مجاهد : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وصفراء.
وقال ابن عباس : خلق من ألوان؛ خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم، وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظم ثم لحم.
ونحوه قال قتادة : هي أطوار الخلق : طور وطور علقة وطور مضغة عظام ثم يكسو العظام لحما؛ كما قال في سورة المؤمنون {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}[المؤمنون : 12] الآية.
وقال ابن السكيت : الأمشاج الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة.
وقال أهل المعاني : الأمشاج ما جمع وهو في معنى الواحد؛ لأنه نعت للنطفة؛ كما يقال : برمة أعشار وثوب أخلاق.
وروي عن أبي أيوب الأنصاري : قال جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني عن ماء الرجل وماء المرأة؟ فقال : [ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فإذا علا ماء المرأة آنثت وإذا علا ماء الرجل أذكرت] فقال الحبر : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وقد مضى هذا القول مستوفى في سورة البقرة .
قوله تعالى {نبتليه} أي نختبره.
وقيل : نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار.
وفيما يختبر به وجهان : أحدهما : نختبره بالخير والشر؛ قال الكلبي.
الثاني : نختبر شكره في السراء وصبره في الضراء؛ قال الحسن.
وقيل {نبتليه} نكلفه.
وفيه أيضا وجهان : أحدهما : بالعمل بعد الخلق؛ قال مقاتل.
الثاني : بالدين ليكون مأمورا بالطاعة ومنهيا عن المعاصي.
وروي عن ابن عباس {نبتليه} : نصرفه خلقا بعد خلق؛ لنبتليه بالخير والشر.
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : المعنى والله أعلم {فجعلناه سميعا بصيرا} لنبتليه، وهي مقدمة معناها التأخير.
قلت : لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة.
وقيل {جعلناه سميعا بصيرا} : يعني جعلنا له سمعا يسمع به الهدى، وبصرا يبصر به الهدى.
قوله تعالى {إنا هديناه السبيل} أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشر ببعث الرسل، فآمن أو كفر؛ كقوله تعالى {وهديناه النجدين}[البلد : 10].
وقال مجاهد : أي بينا له السبيل إلى الشقاء والسعادة.
وقال الضحاك وأبو صالح والسدي : السبيل هنا خروجه من الرحم.
وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله.
{إما شاكرا وإما كفورا} أي أيهما فعل فقد بينا له.
قال الكوفيون {إن} ها هنا تكون جزاء و{ما} زائدة أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر.
واختاره الفراء ولم يجزه البصريون؛ إذ لا تدخل {إن} للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل.
وقيل : أي هديناه الرشد، أي بينا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه؛ ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن، وإن خذلناه كفر.
وهو كما تقول : قد نصحت لك، إن شئت فاقبل، وإن شئت فاترك؛ أي فإن شئت، فتحذف الفاء.
وكذا {إما شاكرا} والله أعلم.
ويقال : هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل.
وقد تقدم في الفاتحة وغيرها.
وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة؛ نفيا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يؤدى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقل شكره، لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قل مع الإحسان إليه.
حكاه الماوردي.

تفسير ابن كثير
مقدمة عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: {ألم تنزيل} السجدة و{هل أتى على الإنسان} ""أخرجه مسلم في صحيحه""؟ بسم اللّه الرحمن الرحيم يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه، فقال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} ثم بيّن ذلك فقال جلَّ جلاله: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} أي أخلاط، والمشج والمشيج، الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، وقال عكرمة ومجاهد: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، وقوله تعالى: {نبتليه} أي نختبره كقوله جلَّ جلاله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}، {فجعلناه سميعاً بصيراً} أي جعلنا له سمعاً وبصراً يتمكن بهما من الطاعة والمعصية، وقوله جلَّ وعلا: {إنا هديناه السبيل} أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جلَّ وعلا: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، وكقوله جلَّ وعلا: {وهديناه النجدين} أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة ومجاهد والجمهور، وروي عن الضحّاك والسدي {إنا هديناه السبيل} يعني خروجه من الرحم، وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول، وقوله تعالى: {إما شاكراً وإما كفوراً} منصوب على الحال من الهاء في قوله: {إنا هديناه السبيل} تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الصحيح: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها) ""رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري""، وقد تقدم من رواية جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب لسانه إما شاكراً وإما كفوراً) ""أخرجه أحمد، وقد تقدم في سورة الروم""، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب اللّه اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط اللّه اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته) ""أخرجه الإمام أحمد"".

الترجمة الانجليزية We surely showed him the way that he may either be grateful or deny.


سورة الإنسان آية 4
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا

إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (إنا أعتدنا) هيأنا (للكافرين سلاسل) يسحبون بها في النار (وأغلالا) في اعناقهم تشد فيها السلاسل (وسعيرا) نارا مسعرة أي مهيجة يعذبون بها

تفسير القرطبي
قوله تعالى {إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا} بين حال الفريقين، وأنه تعبد العقلاء وكلفهم ومكنهم مما أمرهم، فمن كفر فله العقاب، ومن وحد وشكر فله الثواب.
والسلاسل : القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعا كما مضى في الحاقة .
وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر {سلاسلا} منونا.
الباقون بغير تنوين.
ووقف قنبل وابن كثير وحمزة بغير ألف.
الباقون بالألف.
فأما {قوارير} الأول فنونه نافع وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم، ولم ينون الباقون.
ووقف فيه يعقوب وحمزة بغير ألف.
والباقون بالألف.
وأما {قوارير} الثانية فنونه أيضا نافع والكسائي وأبو بكر، ولم ينون الباقون.
فمن نون قرأها بالألف، ومن لم ينون أسقط منها الألف، واختار أبو عبيد التنوين في الثلاثة، والوقف بالألف اتباعا لخط المصحف؛ قال : رأيت في مصحف عثمان {سلاسلا} بالألف و{وقواريرا} الأول بالألف، وكان الثاني مكتوبا بالألف فحكت فرأيت أثرها هناك بينا.
فمن صرف فله أربع حجج : أحدها : أن الجموع أشبهت الآحاد فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم الآحاد فصرفت.
الثانية : أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا أفعل منك، وكذا قال الكسائي والفراء : هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه؛ وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم : كأن سيوفنا فينا وفيهم ** مخاريق بأيدي لا عبينا وقال لبيد : وجزور أيسار دعوت لحتفها ** بمغالق متشابه أجسامها وقال لبيد أيضا : فضلا وذو كرم يعين على الندى ** سمح كسوب رغائب غنامها فصرف مخاريق ومغالق ورغائب، وسبيلها ألا تصرف.
والحجة الثالثة : أن يقول نونت قوارير الأول لأنه رأس آية، ورؤوس الآي جاءت بالنون، كقوله جل وعز {مذكورا}.
{سميعا بصيرا} فنونا الأول ليوقف بين رؤوس الآي، ونونا الثاني على الجوار للأول.
والحجة الرابعة : اتباع المصاحف، وذلك أنهما جميعا في مصاحف مكة والمدينة والكوفة بالألف.
وقد احتج من لم يصرفهن بأن قال : إن كل جمع بعد الألف منه ثلاثة أحرف أو حرفان أو حرف مشدد لم يصرف في معرفة ولا نكرة؛ فالذي بعد الألف منه ثلاثة أحرف قولك : قناديل ودنانير ومناديل، والذي بعد الألف منه حرفان قول الله عز وجل {لهدمت صوامع}[الحج : 40] لأن بعد الألف منه حرفين، وكذلك قوله {ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا}[الحج : 40].
والذي بعد الألف منه حرف مشدد شواب ودواب.
وقال خلف : سمعت يحيى بن آدم يحدث عن ابن إدريس قال : في المصاحف الأول الحرف الأول بالألف والثاني بغير ألف؛ فهذا حجة لمذهب حمزة.
وقال خلف : رأيت في مصحف ينسب إلى قراءة ابن مسعود الأول بالألف والثاني بغير ألف.
وأما أفعل منك فلا يقول أحد من العرب في شعره ولا في غيره هو أفعل منك منونا؛ لأن من تقوم مقام الإضافة فلا يجمع بين تنوين وإضافة في حرف؛ لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ولا يجمع بين دليلين؛ قال الفراء وغيره.
قوله تعالى {وأغلالا} جمع غل تغل بها أيديهم إلى أعناقهم.
وعن جبير بن نفير عن أبي الدرداء كان يقول : ارفعوا هذه الأيدي إلى الله جل ثناؤه قبل أن تغل بالأغلال.
قال الحسن : إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار؛ لأنهم أعجزوا الرب سبحانه ولكن إذلالا.
{وسعيرا} تقدم القول فيه.

تفسير ابن كثير
يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه، من السلاسل والأغلال والسعير وهو اللهب، والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون .
في الحميم ثم في النار يسجرون}، ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً}، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة، قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا قال: {عيناً يشرب بها عباد اللّه يفجرونها تفجيراً} أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور، هو عين يشرب بها المقربون من عباد اللّه صرفاً بلا مزج ويروون بها، قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور، وقوله تعالى: {يفجرونها تفجيراً} أي يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}، وقال: {وفجرنا خلالهما نهراً} وقال مجاهد: {يفجرونها تفجيراً} يقودونها حيث شاءوا، وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا، وقوله تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} أي يتعبدون اللّه فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر، وفي الحديث: (من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه) ""أخرجه البخاري من حديث مالك""، ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد وهو اليوم الذي يكون {شره مستطيراً} أي منتشراً عاما على الناس إلا من رحم اللّه، قال ابن عباس: فاشياً، وقال قتادة: استطار واللّه شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض.
وقوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} قيل: على حب اللّه تعالى لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد ومقاتل، واختاره ابن جرير كقوله تعالى: {وآتى المال على حبه}، وكقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وروى البيهقي عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنباً أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية يعني امرأته فاشترت عنقوداً بدرهم، فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه إياه ""أخرجه البيهقي عن نافع وفيه أنها أرسلت بدرهم آخر فاشترت به فأعطاه للسائل ثم بدرهم ثالث""، وفي الصحيح: (أفضل الصدقة أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر) أي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه، ولهذا قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير فقال الحسن والضحّاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين، يشهد لهذا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغذاء، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، وقد وصى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالإحسان إلى الأرقاء حتى كان آخر ما أوصى به أن جعل يقول: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) قال مجاهد: هو المحبوس، أي يطعمون الطعام لهؤلاء، وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال: {إنما نطعمكم لوجه اللّه} أي رجاء ثواب اللّه ورضاه {لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً} أي لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس، قال مجاهد: أما واللّه ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم اللّه به من قلوبهم، فأثنى عليهم به، ليرغب في ذلك راغب {إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً} أي إنما نفعل هذا لعل اللّه أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير، قال ابن عباس: {عبوساً} ضيقاً {قمطريراً} طويلاً، وقال عكرمة: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وقال مجاهد: {عبوساً} العابس الشفتين، {قمطريراً} قال: يقبض الوجه باليسور، وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول {قمطريراً} تقلص الجبين وما بين العينين من الهول، وقال ابن زيد: العبوس الشر، والقمطرير الشديد، وقال ابن جرير: والقمطرير هو الشديد، يقال: هو يوم قمطرير ويوم قماطر، ويوم عصيب وعصبصب.
قال اللّه تعالى: {فوقاهم اللّه شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً} وهذا من باب التجانس البليغ، {فوقاهم اللّه شر ذلك اليوم} أي آمنهم مما خافوا منه، {ولقاهم نضرة} أي في وجوههم، {وسروراً} أي في قلوبهم وهذه كقوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة .
ضاحكة مستبشرة} وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه.
قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر، وقالت عائشة رضي اللّه عنها: (دخل عليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسروراً تبرق أسارير وجهه) الحديث.
وقوله تعالى: {وجزاهم بما صبروا} أي بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم {جنة وحريراً} أي منزلاً رحباً، وعيشاً رغداً، ولباساً حسناً.

الترجمة الانجليزية We have prepared for unbelievers chains and collars and a blazing fire.


سورة الإنسان آية 5
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا

إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (إن الأبرار) جمع بر أو بار وهم المطيعون (يشربون من كأس) هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحال باسم المحل ومن للتبعيض (كان مزاجها) ما تمزج به (كافورا)

تفسير القرطبي
قوله تعالى{إن الأبرار يشربون من كأس} الأبرار : أهل الصدق واحدهم بر، وهو من امتثل أمر الله تعالى.
وقيل : البر الموحد والأبرار جمع بار مثل شاهد وأشهاد، وقيل : هو جمع بر مثل نهر وأنهار؛ وفي الصحاح : وجمع البر الأبرار، وجمع البار البررة، وفلان يبر خالقه ويتبرره أي يطيعه، والأم برة بولدها.
وروى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إنما سماهم الله جل ثناؤه الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حقا).
وقال الحسن : البر الذي لا يؤذي الذر.
وقال قتادة : الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر.
وفي الحديث : (الأبرار الذين لا يؤذون أحدا).
{يشربون من كأس} أي من إناء فيه الشراب.
قال ابن عباس : يريد الخمر.
والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب : وإذا لم يكن فيه شراب لم يسم كأسا.
قال عمرو بن كلثوم : صَبْنتِ الكأسَ عنا أمَّ عمرو ** وكان الكأس مجراها اليمينا وقال الأصمعي : يقال صبنت عنا الهدية أو ما كان من معروف تصبن صبنا : بمعنى كففت؛ قاله الجوهري.
{كان مزاجها} أي شوبها وخلطها، قال حسان : كأن سبيئة من بيت رأس ** يكون مزاجها عسل وماء ومنه مزاج البدن وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة.
{كافورا} قال ابن عباس : هو اسم عين ماء في الجنة، يقال له عين الكافور.
أي يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورا.
وقال سعيد عن قتادة : تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك.
وقال مجاهد.
وقال عكرمة : مزاجها طعمها.
وقيل : إنما الكافور في ريحها لا في طعمها.
وقيل : أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده؛ لأن الكافور لا يشرب؛ كقوله تعالى {حتى إذا جعله نارا}[الكهف : 96] أي كنار.
وقال ابن كيسان : طيب بالمسك والكافور والزنجبيل.
وقال مقاتل : ليس بكافور الدنيا.
ولكن سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب.
وقوله {كان مزاجها} {كان} زائدة أي من كأس مزاجها كافور.
{عينا يشرب بها عباد الله} قال الفراء : إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة؛ فـ{عينا} بدل من كافور على هذا.
وقيل : بدل من كأس على الموضع.
وقيل : هي حال من المضمر في {مزاجها}.
وقيل : نصب على المدح؛ كما يذكر الرجل فتقول : العاقل اللبيب؛ أي ذكرتم العاقل اللبيب فهو نصب بإضمار أعني.
وقيل يشربون عينا.
وقال الزجاج المعنى من عين.
ويقال : كافور وقافور.
والكافور أيضا : وعاء طلع النخل وكذلك الكفرى؛ قاله الأصمعي.
وأما قول الراعي : تكسو المفارق واللبات ذا أرج ** من قصب معتلف الكافور دراج فإن الظبي الذي يكون منه المسك إنما يرعى سنبل الطيب فجعله كافورا.
{يشرب بها} قال الفراء : يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها وينقع؛ وأنشد : شربن بماء البحر ثم ترفعت ** متى لجج خضر لهن نئيج قال : ومثله فلان يتكلم بكلام حسن، ويتكم كلاما حسنا.
وقيل : المعنى يشربها والباء زائدة وقيل : الباء بدل {من} تقديره يشرب منها؛ قاله القتبي.
{يفجرونها تفجيرا} فيقال : إن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره؛ وذلك قوله تعالى {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} أي يشققونها شقا كما يفجر الرجل النهر ها هنا وها هنا إلى حيث يريد.
وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد {يفجرونها تفجيرا} يقودونها حيث شاؤوا وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم.
وروى أبو مقاتل عن أبي صالح عن سعد عن أبي سهل عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله {يفجرونها تفجيرا} والأخرى الزنجبيل] والأخريان نضاختان من فوق العرش إحداهما التي ذكر الله {عينا فيها تسمى سلسبيلا} والأخرى التسنيم) ""ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول"".
وقال : فالتسنيم للمقربين خاصة شربا لهم، والكافور للأبرار شربا لهم؛ يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللإبرار منها مزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب، فما كان للأبرار مزاج فهو للمقربين صرف، وما كان للأبرار صرف فهو لسائر أهل الجنة مزاج.
والأبرار هم الصادقون، والمقربون : هم الصديقون.

تفسير ابن كثير
يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه، من السلاسل والأغلال والسعير وهو اللهب، والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون .
في الحميم ثم في النار يسجرون}، ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً}، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة، قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا قال: {عيناً يشرب بها عباد اللّه يفجرونها تفجيراً} أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور، هو عين يشرب بها المقربون من عباد اللّه صرفاً بلا مزج ويروون بها، قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور، وقوله تعالى: {يفجرونها تفجيراً} أي يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}، وقال: {وفجرنا خلالهما نهراً} وقال مجاهد: {يفجرونها تفجيراً} يقودونها حيث شاءوا، وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا، وقوله تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} أي يتعبدون اللّه فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر، وفي الحديث: (من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه) ""أخرجه البخاري من حديث مالك""، ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد وهو اليوم الذي يكون {شره مستطيراً} أي منتشراً عاما على الناس إلا من رحم اللّه، قال ابن عباس: فاشياً، وقال قتادة: استطار واللّه شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض.
وقوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} قيل: على حب اللّه تعالى لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد ومقاتل، واختاره ابن جرير كقوله تعالى: {وآتى المال على حبه}، وكقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وروى البيهقي عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنباً أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية يعني امرأته فاشترت عنقوداً بدرهم، فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه إياه ""أخرجه البيهقي عن نافع وفيه أنها أرسلت بدرهم آخر فاشترت به فأعطاه للسائل ثم بدرهم ثالث""، وفي الصحيح: (أفضل الصدقة أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر) أي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه، ولهذا قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير فقال الحسن والضحّاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين، يشهد لهذا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغذاء، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، وقد وصى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالإحسان إلى الأرقاء حتى كان آخر ما أوصى به أن جعل يقول: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) قال مجاهد: هو المحبوس، أي يطعمون الطعام لهؤلاء، وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال: {إنما نطعمكم لوجه اللّه} أي رجاء ثواب اللّه ورضاه {لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً} أي لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس، قال مجاهد: أما واللّه ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم اللّه به من قلوبهم، فأثنى عليهم به، ليرغب في ذلك راغب {إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً} أي إنما نفعل هذا لعل اللّه أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير، قال ابن عباس: {عبوساً} ضيقاً {قمطريراً} طويلاً، وقال عكرمة: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وقال مجاهد: {عبوساً} العابس الشفتين، {قمطريراً} قال: يقبض الوجه باليسور، وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول {قمطريراً} تقلص الجبين وما بين العينين من الهول، وقال ابن زيد: العبوس الشر، والقمطرير الشديد، وقال ابن جرير: والقمطرير هو الشديد، يقال: هو يوم قمطرير ويوم قماطر، ويوم عصيب وعصبصب.
قال اللّه تعالى: {فوقاهم اللّه شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً} وهذا من باب التجانس البليغ، {فوقاهم اللّه شر ذلك اليوم} أي آمنهم مما خافوا منه، {ولقاهم نضرة} أي في وجوههم، {وسروراً} أي في قلوبهم وهذه كقوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة .
ضاحكة مستبشرة} وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه.
قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر، وقالت عائشة رضي اللّه عنها: (دخل عليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسروراً تبرق أسارير وجهه) الحديث.
وقوله تعالى: {وجزاهم بما صبروا} أي بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم {جنة وحريراً} أي منزلاً رحباً، وعيشاً رغداً، ولباساً حسناً.

الترجمة الانجليزية Surely the devotees will drink cups flavoured with palm blossoms

الإبلاغ عن محتوى مخالف أو مسيء

عند الإبلاغ عن مخالفة مثل محتوى مخالف لشروط الاستخدام أو حقوق الملكية أو مسيء، إلخ، نرجو إعطائنا اكبر قدر ممكن من المعلومات  حيث أن ذلك سيساعدنا للوصول بسرعة للمحتوى أو المستخدم المخالف، و عمل اللازم نحوه،
المدينة و البلد حيث تعيش الأن
صفة البلاغ:
       شخصي، أو
إذا كان البلاغ نيابة عن جهة أخرى، ما إسم هذه الجهة أو الشخص
Image CAPTCHA
أدخل الرموز التي تظهر في الصورة