مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



التكنولوجيا وثمن خصوصيتنا
دار الخليج الإماراتية
2019/02/12

عانت شركات التقنية الكبرى خلال الفترة الماضية العديد من المشكلات، التي ترتبط أغلبها بممارساتها الاحتكارية وسوء استغلالها للبيانات، إذ واجه العمالقة الكثير من الاتهامات التي تتضمن احتكار البيانات والمساعدة في انتشار الأخبار الزائفة، والتقليل من شأن المنافسين، وهو ما دفع البعض إلى وصفها بأنها كيانات لا تستطيع حتى البلدان التي تحتضنها التعامل معها بشكل مناسب، وطالب كثيرون حكومات تلك الدول باستخدام قوانين مكافحة الاحتكار ضد تلك الشركات.

الولايات المتحدة انتهجت منذ عدة عقود أفضل ما توصل إليه العالم في الاقتصاد والسياسة والقوانين الاجتماعية، إلا أن دورها في تنظيم الأسواق تراجع كثيراً بعدما أقدمت الشركات التكنولوجية العملاقة على تحديد أسعار منتجاتها وخدماتها، بدءاً بتقليص الدور المنوط بالحكومة في ذلك ولو كان جزئياً، حتى أن خبراء أشاروا إلى أن تلك الشركات استفادت من التطور التكنولوجي الكبير، وهو المستوى الذي لم تتمكن الحكومات من الوصول إليه.

وتعد إمكانية سيطرة تلك الكيانات العملاقة على التوجهات المالية والاقتصادية للمجتمعات، بل وحتى التوجهات السياسية، واحدة من المخاطر الكبيرة التي طالما حذر منها الخبراء، وأنها أعادت وضع معايير جديدة تناسب توجهاتها التجارية، إلا أن فوائد تلك الخدمات والمنتجات تبدو واضحة جداً، خصوصاً أنها حسنت من حياتنا ودمجتنا بشكل أسرع في التكنولوجيا الرقمية.

بعض الخدمات التي وفرتها شركات مثل «جوجل»، وهي خدمة البريد الالكتروني، يستخدمها مئات الملايين من الناس بدون أي مقابل، إضافة إلى وسيط مثل «أمازون» التي جعلت أسعار المنتجات المعروضة بموقعها أقل بكثير مما هي عليه في الواقع، وهو ما يقودنا إلى التركيز على زاوية رفاهية المستهلك، فهي بالفعل أحدثت الأثر الأكبر في حياتنا، بغض النظر عن مساوئ تلك الشركات والاتهامات الموجهة لها، فالعديد من المنتجات والخدمات التي كانت سابقاً بمقابل، أصبحت اليوم مجانية بفضل تلك الشركات.

البعض يقول إن الأهداف المرسومة لتلك الشركات تجارية بحتة، وهو قول صحيح إلى درجة كبيرة، على الرغم من الأبحاث والدراسات التي تجريها، والتي سينتج عنها وجود منتجات ذات أسعار متناقصة بمرور الوقت. فقبل سنوات قليلة، كانت الأخبار التي يمكن أن يحصل عليها الشخص موجودة في الصحف والقنوات التلفزيونية فقط، أما اليوم فهي متوفرة في تلك المنصات، لذلك فإن المستهلك هو المستفيد الأكبر من هذه الثورة، من المنظور الاستهلاكي على الأقل، بغض النظر عن الثمن الذي ندفعه في بعض الأحيان، ممثلاً في خصوصيتنا ومعلوماتنا الشخصية.

* واشنطن بوست