مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



مصر والسعودية على ضفتَي البحر الأحمر
دار الخليج الإماراتية
2019/02/12

د.مصطفى الفقي

يحدوني تفاؤل بأن تأخذ العلاقات المصرية -السعودية مساراً جاداً في التعاون المشترك الذي يحقق المنافع المتبادلة بين الدولتين الشقيقتين، وأظن أن البحر الأحمر يمكن أن يكون هو مجال ذلك التعاون، فالدولتان لا تتنافسان ولكن تتكاملان، إذ إن ذلك البحر هو بحيرة عربية بالدرجة الأولى خصوصاً من (باب المندب) إلى (قناة السويس). ومصر والسعودية هما أكبر دولتين متشاطئتين عليه، لذلك فإن الأبعاد الاستراتيجية توحي للوهلة الأولى بضرورة التعاون المصري -السعودي في البحر الأحمر بما يحمله من قيمة استراتيجية وأهمية (جيوبلوتيكية). لذلك فإنه يكون من الطبيعي توظيف ذلك المجرى المائي الحيوي لخدمة الأهداف القومية العليا وتأكيد الدلالات التي تتصل بالتجانس الثقافي والتقارب البشري والامتداد الحضاري.
وقد كنت أظن دائماً أن بلاد الشام والجزيرة العربية ومصر، يمكن أن تكون وحدة سياسية متكاملة في غرب آسيا تمد ذراعها إلى دول شقيقة في الشمال الإفريقي وتلتقي معها في الهوية العربية الواحدة والقيم الروحية المشتركة، ولعلي أطرح هنا - في حياد كامل - التصورات التالية:
* أولاً: إن جزءاً كبيراً من التاريخ العربي في هذه المنطقة قد نشأ على ضفتي هذا البحر الممتد الذي كان طريقاً للهجرات ومعبراً للغزوات خصوصاً قبل حفر قناة السويس عندما كان الامتداد الأرضي يتلاحم مع المجرى المائي ويسمح بالحركة البرية بين القارتين الآسيوية والإفريقية.
* ثانياً: لقد تابعت - مثل غيري - الدراسات التي تشير إلى عقد مؤتمرات للدول المتشاطئة على ذلك البحر بغية التنسيق بينها واحترام المصالح المتبادلة فيها، بل إن الحديث الذي تردد عن إمكانية إنشاء منظمة تضم دول البحر الأحمر ويكون التعاون السعودي- المصري نواة لها قد لقيت اهتماماً كبيراً من الباحثين السياسيين والجغرافيين والمؤرخين.
* ثالثاً: إن المشروعات السياحية الكبرى والمنتجعات الرائعة تلتقي مع عدد من الدراسات الواعدة التي تجعل السياحة في منطقة البحر الأحمر أملًا يراود كل ذي بصيرة، ويكفي أن نتذكر أن قاع ذلك البحر هو بمثابة حدائق يفوق جمالها الخيال فضلاً عن أنواع من الكائنات البحرية النادرة التي يتميز بها ذلك البحر عبر تاريخه الطويل.
* رابعاً: إن وجود مهبط الوحي ومبعث الرسالة قرب ضفته الشرقية وطور سيناء الذي تحدث فيه موسى كليم الله لربه قرب ضفته الغربية تجعل ذلك البحر مصدر إلهام روحي، فهو بحق بحر الأنبياء كما يقولون، ولقد عكفت الكثير من الدراسات على إظهار أهمية ذلك البعد الثقافي الذي تتميز به مجموعة الدول المطلة على ذلك البحر في القارتين الآسيوية والإفريقية.
* خامساً: إن التعددية التي تتميز بها الشعوب المطلة على شواطئ البحر الأحمر تقدم ميزة التنوع رغم اعترافنا بالتشابه في الأصول والاشتراك في التراث الإنساني الثري الذي تتمتع به بعض دول البحر الأحمر من بيئات متعددة ومجتمعات متنوعة لا تفرقها الجغرافيا بل يجمعها التاريخ.
* سادساً: إن ثروات البحر الأحمر هي حق لشعوبه، لذلك يجب أن يظل ذلك البحر آمناً بحيث تكون هناك قوات دفاعية مشتركة تحميه وتحول دون تمكين القراصنة ومن يحاولون ممارسة الإرهاب خصوصاً في المناطق الجنوبية منه، كما أن الأهمية الاستراتيجية في مضايق (تيران) إلى جانب الأهمية الكبرى لقناة السويس هي أمور تضيف هي الأخرى بعداً استثنائياً لأهمية ذلك البحر المفتوح.
* سابعاً: إن البحرية المصرية صاحبة البطولات الكبرى في البحر الأبيض المتوسط تلتقي مع القوات البحرية للدول الشقيقة في البحر الأحمر، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية محتوية أيضاً الإمكانات المتاحة لدول أخرى مثل السودان واليمن وصولاً إلى جيبوتي بموقعها الاستراتيجي الفريد، حتى لاحظنا في السنوات الأخيرة تكالباً واضحاً للحصول على ميزات عسكرية في جنوب ذلك البحر.
إن الملاحظات الواردة في النقاط التي أشرنا إليها تدعو الدولتين - مصر والسعودية - إلى مزيد من التعاون في نطاق البحر المشترك الذي يجمعهما بدول عربية وإفريقية ويدعو إلى مزيد من الدراسة والفهم المتبادل، والوعي بأن الأمن القومي لدول ذلك البحر يحتاج إلى رؤية لا تقبل التجزئة وإدراك عميق يتجاوز الخلافات الطارئة والمنافسات العابرة والنزاعات الوقتية، وليس المهم أن تكون المبادرة مصرية أو سعودية بل الأهم أن تصب في مصلحة الدولتين المهمتين سياسياً واقتصادياً وبشرياً، وسوف نتطلع دائماً إلى يوم نرى فيه منظمة إقليمية لدول البحر الأحمر تستطيع التنسيق بين الأطراف المتصارعة فوق مياهه أو المتباعدة بين شماله وجنوبه.
فالبحر يمثل وحدة شاملة لا تقبل التجزئة ولا تعرف الانقسام ولا تقبل الفرقة، وسوف نتطلع جميعاً إلى أن يتحول البحر الأحمر إلى ركيزة استقرار وبحيرة سلام تنعم الدول المطلة عليه بقواسم مشتركة تدفع نحو التعاون وتمنع المحاولات الأجنبية لاستغلاله وبناء القواعد العسكرية على شواطئه، حتى يبقى البحر الأحمر رمزاً للتعاون الآسيوي الإفريقي تحت مظلة العروبة، بحيث تكون حمايته هي مسؤولية دوله بعيداً عن الضغوط الخارجية والأطماع الدخيلة، فالبحر الأحمر هو بحق بحيرة تاريخية مفتوحة عبر الأزمنة وعلى امتداد العصور.