مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



حرب باردة جديدة
دار الخليج الإماراتية
2019/02/12

د. فايز رشيد

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة «ستعلّق التزاماتها في إطار معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى وستبدأ آلية الانسحاب». وأضاف: إن هذا الأمر «سينتهي في غضون ستة أشهر إلا إذا وفت روسيا بالتزاماتها عبر تدمير كل صواريخها وقاذفات الصواريخ والمعدات التي تنتهك النص». من جانبه رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلاً: إن «شركاءنا الأمريكيين أعلنوا تعليق مشاركتهم في الاتفاق وسنعلق نحن كذلك مشاركتنا». وأكد بوتين خلال لقاء متلفز جمعه بوزيري الخارجية والدفاع سيرجي لافروف وسيرجي شويجو «أن روسيا لن تباشر أي محادثات جديدة مع الولايات المتحدة بشأن مسألة نزع الأسلحة». وتبادلت موسكو وواشنطن لفترة طويلة الاتهامات بخرق المعاهدة التي وقعت عند انتهاء الحرب الباردة في 1987 والتي تمنع استخدام صواريخ يراوح مداها ما بين 500 و5500 كلم.
مباشرة، وعدت موسكو بتطوير أنواع جديدة من الصواريخ، فقد صرّح رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف على «تويتر» بأنه سيتم تخصيص أموال «لتمويل الأبحاث وتطوير أنواع جديدة من الأسلحة». وأضاف أن الانسحاب الأحادي الجانب للولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى ومهما كان سببه يفاقم الوضع في مجال الأمن الدولي والاستقرار الاستراتيجي، مشيراً إلى أن هذا الأمر لن يبقى بدون رد.
وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد أكد في وقت سابق «أن الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة التباحث مع روسيا حول موضوع نزع الأسلحة شريطة أن تكون النتائج قابلة للتطبيق والتحقق منها». لقد أغلقت المعاهدة التي وقعها الرئيس الأمريكي رونالد ريجان والزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشيف عام 1987 سباقاً للتسلح بالرؤوس النووية، كانت تتسبب بالهلع في أوروبا والعالم. وشكّل الاتفاق حلاً لأزمة الصواريخ السوفييتية البالستية الموجهة إلى العواصم الغربية، والصواريخ البالستية الأمريكية المتواجدة في أوروبا، غير أنه لم يضع قيوداً على قوى أساسية أخرى مثل الصين.
من الواضح، أن أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا قد عادت من جديد! فالرئيس ترامب إضافة إلى طبيعته التي تميل إلى توتير الأجواء الدولية وتسخينه للأوضاع مع دول كثيرة وتهديداته المتلاحقة، كما طاقم إدارته من الصقور ذوي الرؤوس الحامية، ممن يستحقون أن يسموا ب «حزب الحرب» في البيت الأبيض كلهم يسعون ويحاولون جرّ روسيا إلى سباق تسلّح جديد، يستنزف الميزانية الروسية، تماماً كالذي شهدناه في أواسط ثمانينيات القرن الماضي عندما أطلق الرئيس الأمريكي رونالد ريجان برنامج «حرب النجوم» الهادف لإحباط أي هجوم قد تتعرض له الولايات المتحدة أو إحدى حليفاتها بالصواريخ البالستية، حيث جاء هذا البرنامج في إطار سياسة كاملة وضعها الرئيس ريجان لجر الاتحاد السوفييتي حينها إلى سباق تسلح مهلك، وهو ما نجح به إلى حدّ ما، بحيث يعتبر أحد عوامل( بالإضافة إلى عوامل أخرى) تفكيك الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية.
في رد فعل مباشر على الرئيس ترامب أعلنت روسيا أنها ستنشر صواريخ متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا وفي أماكن أخرى من العالم. من جانبها لم تؤد المحادثات التي جرت بين البلدين خلال الشهرين الماضيين إلى أي تقدم! كما أن قلة من المراقبين تتوقع تحقيق اختراق بحلول موعد الانسحاب النهائي لواشنطن في مطلع آب/أغسطس القادم. فقد صرّح مايك بومبيو بأن «روسيا عرّضت للخطر أمن ملايين الأوروبيين والأمريكيين ولم يعد بالإمكان أن تعرقلنا معاهدة فيما روسيا تنتهكها».
من جهتها، فإن روسيا تدرك أبعاد اللعبة الأمريكية، فقد صرح ناطق روسي قائلاً: «تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاكنا اقتصادياً عبر سباق جديد للتسلح». ورد مسؤول أمريكي على ذلك بالقول: «إذا كان هناك من سباق تسلح فإن روسيا هي التي أطلقته». من جهته أعرب حلف شمال الأطلسي عن دعمه الكامل للتحرك الأمريكي. في حين أعلنت بكين معارضتها الشديدة للانسحاب الآحادي الجانب لواشنطن من المعاهدة الموقعة مع موسكو، واعتبرت ذلك دعوة لسباق تسلح نووي جديد، داعيةً البلدين إلى حوار بناء لتفادي نتائج سلبية. بالطبع، فإن الصين تولي اهتماماً خاصاً لتطور الوضع بين أمريكا وروسيا، وبخاصة في ظلّ مراقبة الولايات المتحدة لتنامي قدرات الصين غير الموقعة على معاهدة الصواريخ النووية. ويقول مسؤولون أمريكيون: إن 95% من صواريخ الصين البالستية الأرضية كانت ستعد مخالفة لمعاهدة الصواريخ النووية فيما لو كانت الصين طرفاً فيها.
جملة القول: إن إلغاء معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، هو خسارة للجانبين الأمريكي والروسي، وهو دعوة لسباق تسلح نووي جديد، لن يستطيع أحد تقدير مدى خطورته! لذا، قد تنجح محادثات بين الجانبين إن أجريت قبل آب/ أغسطس القادم من أجل إعادة العمل بالاتفاقية. لكن في كلّ الأحوال فإن أجواء الحرب الباردة قد عادت من جديد.

Fayez_Rashid@hotmail.com