مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



ماكرون ومخاطرة الاستفتاء
دار الخليج الإماراتية
2019/02/11

مفتاح شعيب

لم تنجح محاولات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إخماد احتجاجات «السترات الصفراء» المستمرة منذ ثلاثة أشهر، بعدما بينت التطورات أن هذه الظاهرة آخذة في الاتساع وفجرت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين فرنسا وجارتها إيطاليا بعد اصطفاف الشعبويين الحاكمين في روما إلى جانب المحتجين في باريس، ما بعث الحماس في صفوف اليمين الفرنسي المتطرف ودفع زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان إلى اغتنام الفرصة للثأر من ماكرون ولجمع الأصوات لانتخابات البرلمان الأوروبي في مايو المقبل.
بعد أن فتح ماكرون «النقاش الوطني الكبير» للاستماع إلى شكاوى السكان، اقترح إجراء استفتاء شعبي حول ما يجب على الجميع فعله للخروج من هذا المأزق، لكن بعض الخبراء يعتبرون الدعوة إلى الاستفتاء تأكيداً لعدم توصل «النقاش الكبير» إلى نتائج مريحة لساكن الإليزيه، وأن الاستفتاء في هذا الظرف السياسي المتقلب في فرنسا وأوروبا عموماً، قد يغرق ماكرون في أزمة أكثر خطورة، إذا فشل في كسب النصاب لمشروعه، وحتى إذا حقق نتيجة لصالحه فمن غير الممكن أن تنتهي الأزمة التي أصبحت مغذياتها عديدة وروافدها السياسية تتنامى من داخل فرنسا وخارجها. وبالنسبة إلى فرنسا، فإن الاستفتاء في هذا الظرف قد يدخلها في مأزق شبيه بالمأزق البريطاني بعد استفتاء «بريكست»، إذ ظلت النخبة تائهة لا تعرف على أي الخيارات ترسو.
الحديث عن استفتاء يستدعي تجارب سيئة لأكثر من رئيس فرنسي كانت خيبته مضاعفة، ففي عام 1969، خسر شارل ديجول استفتاء برفض اقتراحه إصلاح مجلس الشيوخ، وهو ما أدى به إلى الاستقالة ومغادرة المشهد السياسي بعد تاريخ حافل بالنصر في الحرب العالمية الثانية وتأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958. وعلى خطى ديجول لم يكن حظ جاك شيراك أفضل حين مني بهزيمة ساحقة بعد رفض الفرنسيين مسودة الدستور الأوروبي عام 2005، ليكمل عامين من ولايته في شبه عزلة حتى خلفه نيكولا ساركوزي.
بناء على هذه الذاكرة غير المشجعة، ليس من السهل على ماكرون أن يخاطر باستفتاء، لأن التوجهات لا تبدو في صالحه، وفي الأيام الماضية، ظهرت بوادر تحالف بين حركة «السترات الصفراء» وبعض المنظمات النقابية، وفي ذلك تهديد باتساع الاحتجاجات، وتعدد مطالبها وقد تتمكن في لحظة ما من شل بعض المرافق الحيوية، في ظل اقتصاد فرنسي يعاني ويواجه تحديات خارجية على أكثر من جانب. وهناك من يرى أن الاحتجاجات المتواصلة إذا توقفت شعاراتها على المطالب الاقتصادية والاجتماعية فيمكن السيطرة عليها بعد عناء، بيد أن تحقيق هذا الهدف صعب في الوقت الحالي لأن الأزمة بدأت تتحول إلى معركة سياسية يكاد يكون فيها ماكرون وحيداً بلا حلفاء، بينما تبدو شريكته ألمانيا بزعامة أنجيلا ميركل في موقف أضعف من السابق، في حين تدخل إيطاليا في «تصفية حساب» مع فرنسا بشأن قضايا عدة أهمها النظرة إلى الاتحاد الأوروبي والموقف من المهاجرين القادمين عبر البحر الأبيض المتوسط.

chouaibmeftah@gmail.com