مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



ما لم تخطئ فيه القيادات الكردية السورية
دار الخليج الإماراتية
2019/02/11

عبد الإله بلقزيز

بين قادة كُرد سوريّا وسلطتهم المركزيّة في دمشق حوار. خبر سارّ، من غير شكّ، وبأكثر من معنى؛ فهو، من وجْهٍ أوّل، يبدّد الهواجس والمخاوف المتبادلة التي تنشّأت في سنوات الأزمة السوريّة بين حركةٍ أهليّة، قادها الصدام مع «داعش» وتركيا إلى محالفة الولايات المتحدة، ودولةٍ اصطدمت سياساتُها بإدارات أمريكا المتعاقبة، ولم تكن علاقاتُها بالقيادات الكرديّة جيّدة فيما مضى من زمنٍ قبل اندلاع الأحداث (وبالتحديد، قبل إقرار مرسوم التجنيس الذي استفادت منه أعداد هائلة من كرد سوريّا)؛ وهو، من وجْهٍ ثان، مقدّمة لحوارٍ وطنيّ - ينبغي أن يلتئم لاحقًا - حول البحث في تسويّةٍ سياسيّة للأزمة وفي برنامجٍ للإصلاحات السياسيّة؛ ثم إنّه، من وجهٍ ثالث، تعبير عن مسْلك سياسيّ عاقل ومختلف سلكتْه القيادات الكرديّة السوريّة تجاه وطنها (سوريّا)، وتميّزت به عن مألوفٍ دارجٍ لقيادات الكرد في العراق في مختلف العهود السياسيّة. لنسلّط الضوء، قليلاً، على هذا الوجه الثالث من إيجابيات الحوار بين قادة الكرد والنظام، من حيث هو قرينةٌ على متغيّرٍ إيجابيّ في مشهد العلاقة بين الدولة وقسمٍ من مواطنيها من محْتِدٍ أقواميّ «مختلف» ولنقرأْه في تجارب كرديّة أخرى أخطأتِ السبيل.
تأرجحت العلاقة بين قيادات الحركة الكرديّة والسلطة المركزيّة، في البلدان العربيّة التي تعيش فيها كتلة سكَّانيّة كرديّة كبيرة (العراق، سوريّا)، بين التعايش والصّدام؛ التعايش الذي ظلّ، دائما، هشًّا وباردًا ومغشوشًا، والصدام الذي أُفْصِح فيه عن النيّات والمشاعر. كان ذلك في العراق، على نحوٍ خاصّ، حيث تقيم أضخم كتلة كرديّة - في البلاد العربيّة - في مناطقها (محافظات دهوك، وأربيل، والسليمانيّة) كما في مجموع التراب العراقيّ، والذي تميّزت فيه العلاقة بالتوتّر وبالقليل القليل من الثقة المتبادلة. وإذا كان يجوز - ضمن حدودٍ معقولة - تفهُّم أسباب حرص السلطة المركزيّة على حمْل قيادات الحركة الكرديّة المسلّحة على احترام وحدة الدولة وسيادتها والذهاب، لذلك السبب، إلى الاصطدام بها الاصطدامَ الذي كان يمكن، دائمًا، تجنُّبُه فإنّ مسؤوليّة القيادات تلك، فيما جرى من مواجهات عسكريّةٍ موسَّعة، مسؤوليّة لا غبار عليها، وخاصةً في الأوقات التي أُجيبتْ فيها مطالبُ كثيرة لها من طرف النظام، ووَقَعَ النصُّ الرسميّ عليها في اتفاقات أو في قوانين أُقٍرّت على قاعدة الاتفاقات تلك.
منذ قاد المُلاّ مصطفى البرازاني التمرّد المسلّح ضدّ السلطة المركزيّة في بغداد - بدعمٍ من شاه إيران ومن الغرب - دخلتِ العلاقة في نفقٍ كالح. ومع ذلك أمكن مغالبةُ الأزمة بتنازلٍ من نظام «حزب البعث» الحاكم آنذاك، قضى بالاعتراف للكرد بالحق في «حكمٍ ذاتيّ» والاعتراف بهم - دستوريًّا - بوصفهم قوميّةً ثانية في العراق. في وقتٍ لم يكن شاه إيران وبعده، رجال الدين في إيران يعترفون للكرد بحقّ، وفي وقتٍ كانت تركيا تسميهم «أتراك الجبل» وتحظِر عليهم الحقّ في استخدام اللغة الكرديّة ! مع ذلك، ورغم ما تَحَصَّله الكرد من حقوق في العراق، انخرطت قياداتهم في ائتلافات داخليّة وأحلاف خارجيّة معادية للسلطة المركزيّة.
أخطأتِ القياداتُ الكرديّة خطأيْن فاحشيْن: حين تعاونت مع قوى الاحتلال الأمريكيّ وفتحت مناطقها للنفوذ الأمنيّ والاستخباراتيّ الصهيونيّ (في أربيل خاصّةً)، وحين ذهبت بفكرة «إقليم كردستان» من المأسسة الكيانيّة (برلمان خاصّ وحكومة خاصّة وجيش خاصّ) إلى الاستفتاء على الانفصال عن الوطن الأمّ (قبل العدول عنه تحت ضغط القوّة الاقتصاديّة). وفي الحاليْن، أساءت إلى العراق الوطن والكيان، ووضعت نفسَها في خدمة مشاريع التقسيم الاستعماريّة والصهيونيّة، وكشفت عن هشاشة انتمائها الوطنيّ العراقيّ.
من حسن الحظّ أنّ القيادات الكرديّة السوريّة لم تقترف هذه الارتكابات في حق الوطن، حتى حينما تباعدتِ الشقّة بينها والسلطة المركزيّة. نعم، هي كادت أن تخطوَ في السبيل الغَلَط مرّتيْن: حين توسّعت في الإدارة الذاتيّة إلى الحدود التي تولّدت معها أسئلة وهواجس عن نيّاتها الحقيقيّة تجاه وحدة سوريّا، وهي الهواجس التي فاقَمها حديثُها المسهب عن الحلّ الفيدراليّ؛ وحين تحالفت مع القوّات الأمريكيّة مع علمها بما يبيّتُه وجودُ تلك القوات في شمال البلاد من نيّات سيّئة تجاه سوريّا. غير أنّ ما يُحْسَب لها أنّها تراجعت في الوقت المناسب: حين أدركت خذلان أمريكا لها، وما يتهدّدها من مصيرٍ كالح من تركيا. ولكنّ أحدًا لا يملك، مع ذلك، أن ينسى لها أنّها قاتلت، بشجاعة وبتضحيات عالية، لحماية شمال البلاد من سيطرة الجماعات المسلّحة ومن الاحتلال التركيّ؛ وليس ذلك بقليل، إنْ هي لم تَعُد عن هذا الخيار السديد في أيّ لحظةٍ تَنْجرُّ فيها إلى متاهات وعودٍ جديدة.

abbelkeziz@menara.ma