مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



الإعلام لا يصنع قرارات
دار الخليج الإماراتية
2019/02/11

عبدالله السويجي

تكرار الفكرة في وسائل الإعلام لن يؤدي إلى خلق واقع على الأرض، ولا يغير سياسات ولا يقود إلى قرارات واتفاقيات. والتوصل إلى صفقات حقيقية يجب أن يتم من خلال مفاوضات شاقة خاصة حين يتعلق الأمر بتغيير جذري في التوجهات، والانتقال من المواقف التقليدية إلى مواقف جريئة جداً.
لكن السياسيين «الإسرائيليين» لم يكلوا ولم يتعبوا عن ترديد أحلامهم وطموحاتهم من خلال تصريحات يوهمون الناس بها بأنها في طريقها إلى التنفيذ، بينما هي مجرد خطط يريدون تحقيقها. وهذا التكرار كما يبدو يهدف إلى أمرين؛ إما إلى تهيئة الرأي العام لقبول ما يشاع، وإما إلى تحريض الرأي العام ضد السياسيين والقادة، وخاصة في الدول التي يسمونها معتدلة، وهي الدول التي يحلو لهم تسميتها بالتحالف السني، وهو مصطلح مقحم وخيالي أكثر مما هو حقيقي، فهذه الدول لم تعلن تحالفاً سنياً، وإنما أعلنت تحالفاً إقليمياً سياسياً في وجه السياسات الإيرانية لمعالجة الوضع غير الطبيعي في اليمن، ولا نعتقد أن هذا التحالف سيكون رأس حربة في إملاء حلول إقليمية.
السياسيون «الإسرائيليون» منذ سنوات قليلة وهم يروجون لخطط في الإعلام من دون أن يكون لها أي وجود في الواقع، والدليل أن هذه الدول لم تؤيد صحة التصريحات ولم تعقب عليها، ومن بين هذه الترويجات حديث لرئيس الموساد «الإسرائيلي» الأسبق، شفتاي شافيط، الذي أدعى وجود صفقة أمريكية-«إسرائيلية»، معدة مع الأنظمة العربية المعتدلة، وأن وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) يجب إغلاقها (نلاحظ هنا الخلط بين الصفقة المعدة والطموحات..)، وقال: «يجب إقفال الأونروا من أجل تصفية قضية اللاجئين، وأن على الفلسطينيين القبول بأبو ديس عاصمة لهم، ويجب العمل على خلق شقاق بين «حماس» وسكان غزة».
وأشار إلى أنّ «الشرق الأوسط الجديد، لن يكون له صلة باتفاقية «سايكس بيكو»، لكن شيئاً آخر». مضيفاً: «نحن أمام فرصة تاريخيّة واحدة لتغيير الحدود في الشرق الأوسط، فالعراق لن يكون العراق نفسه، وسوريا لن تكون هي سوريا نفسها، و الأكراد لديهم فرصة جيدة للحصول على الاستقلال الوطنيّ».
وأوضح أنّ «عملية إعادة ترتيب الشرق الأوسط الجديد ستستغرق ما بين خمس إلى عشر سنوات، وعلى الأرجح أقرب إلى عشرة أعوام، وهذه أيضاً نافذة الوقت لحلّ الصراع «الإسرائيلي»- الفلسطينيّ».
مرة أخرى، هناك خلط بين (الخطة المعدة مسبقاً) وبين الآمال والأحلام التي يترجمها بلغة (يجب على الفلسطينيين..)، وهذا من قبيل تكرار الطموحات والترويج للرؤى «الإسرائيلية» لصيغة الحل الذي يريدون فرضه في المنطقة. لكن الإعلام «الإسرائيلي» رد على رئيس الاستخبارات الأسبق في نهاية الأسبوع الماضي؛ حيث كشفت القناة «الإسرائيلية» العاشرة عن «وثيقة سرية مسربة»، تؤكد أن العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، حسم موضوع العلاقات مع «إسرائيل»، مؤكداً رفض المملكة التطبيع معها.
ونقلت القناة في تقرير نشرته الجمعة الماضي عن دبلوماسي «إسرائيلي» رفيع أن وزارة الخارجية «الإسرائيلية»، أعدت وثيقة قدمت فيها تقديراتها لموضوع العلاقات مع السعودية، موضحة أن الأخيرة غير مستعدة حالياً للتطبيق أو الموافقة على «صفقة القرن» الخاصة بحل الصراع بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين» والتي تعمل عليها إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من دون تقديم تنازلات سياسية ملموسة للطرف الفلسطيني.
ولفتت القناة إلى أن هذه «الوثيقة تعتبر استثنائية كذلك، لأنها تتناقض مع سياسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي صرح مراراً بأن «إسرائيل» تتجه نحو التطبيع مع دول الخليج». ويشير التقرير إلى أنه بعد أسابيع قليلة من توزيع الوثيقة على سفارات محددة، زار وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الرياض؛ حيث عقد لقاء مع الملك سلمان، وطلب دعم خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط بعد أن يتم نشرها، إلا أن الملك سلمان، أبلغ بومبيو، أن المملكة لن تقدم الدعم لهذه المبادرة في حال عدم تلبيتها لمطالب الفلسطينيين، وخصوصاً فيما يتعلق بالاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.
التسريبات تناقض نفسها بنفسها، ويبدو أن الأمر مقصود لإحداث بلبلة في الأوساط الشعبية العربية والخليجية على وجه الدقة، وتواصل الترويج لهذه المساعي.
المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج، لن تقدم على خطوة كبيرة لتأييد «صفقة القرن» (التي لم تتضح معالمها بعد)، إذا لم تحقق طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، وتقدم حلاً عادلاً للاجئين الفلسطينيين. ولا نعتقد أن أي دولة عربية، ستمارس الضغوط على الفلسطينيين لتقديم المزيد من التنازلات، لأن العرب باتوا يعلمون، وإن لم يصرحوا، أن ثمة مؤامرة يتم إعدادها لخلق المزيد من الفوضى في الشرق الأوسط، ولهذا ليس من الوطنية في شيء أن تنبري بعض الأقلام للترويج لسياسات لم يتم إقرارها، ولا نعتقد أنها ستُقر.

suwaiji@emirates.net.ae