مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



أحاديث يناير.. عودة إلى نظرية الـ «ستين سنة»
دار الخليج الإماراتية
2019/01/13

عبد الله السناوي

تقول رواية متواترة إن الطالب جمال عبد الناصر لعب دور «يوليوس قيصر» في مسرحية «وليام شكسبير» التي تحمل الاسم نفسه، على مسرح مدرسته الثانوية.
لم يكن ممكناً لمن شاهدوا ذلك العرض المسرحي أن يخطر ببالهم أن الطالب الذي يُمثل دور «يوليوس قيصر»، أو يصرخ متألماً بعبارته الشهيرة: «حتى أنت يا بروتس» سيلقى مصيراً مماثلاً في مقبل الأيام، حين يتنكر له بعض رجاله ويطعنون فيه، أو يجري الانقلاب على مشروعه من داخل نظامه.
وعلى الرغم من انقضاء الأزمان والرجال، تتأكد قوة حضور عبد الناصر في السجال العام، وهذه بذاتها شهادة على عمق أثره وإرثه. لا يصح لأحد أن يتحدث عن استنساخ تاريخ، أو استعادة تجربة، فالاستنساخ فعل انقلاب على جوهر تجربته، وهو وهم كامل؛ إذ يستحيل أن تقيس تحديات عصر على عصر آخر.
أمام عالم جديد تتبقى من التاريخ دروسه الأساسية، وأفكاره وقيمه التي صاغت مشروعات بعينها، فالمشروعات التاريخية الكبرى ليست نصوصاً ولا دراسات أكاديمية، وإنما تفاعل بين الفكر والواقع. استوعب عبد الناصر في مشروعه أفضل ما كان مطروحاً من خيارات عصره؛ دمج التحرر الوطني بالالتزام القومي العربي وبفكرة التغيير الاجتماعي والانحياز إلى الطبقات الفقيرة.
كانت العدالة الاجتماعية صلب قاعدة شرعيته، حيث تعلقت باحتياجات البشر في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وقبل ذلك الحق في العمل وفي عائد الناتج القومي، وأن يكون إنساناً كريماً في وطنه وآمناً على مستقبله، وكانت توجهاته العروبية أفق حركته في محيطه.
«يوليو» لا تمثل نظرية يقاس على نصوصها، بقدر ما تلخص مشروعاً يقاس على قيمه، وبصورة أو أخرى، فإن هناك سؤالين متداخلين، كل منهما ينتمي إلى ثورة. الأول «يوليو» وسؤالها في العدالة الاجتماعية، وهذه مسألة شرعية في بلد أُنهك شعبه. والثاني «يناير» وسؤالها في الحرية السياسية، وهذه مسألة قواعد، الخروج عنها صدام مع العصر.
إنكار العدالة الاجتماعية انتقاص من فكرة الحرية نفسها، والكلام المرسل عن العدالة الاجتماعية أثناء ثورة «يناير» سهل على الأيدي الخفيفة أن تلتقطه، وتذهب به إلى حيث تريد. عندما افتقدنا تراكم التاريخ خسرت فكرة الثورة اتصالها بحقائق مجتمعها وتاريخها، وأفقدت نفسها مرجعيات ترشد دعوتها إلى العدالة الاجتماعية، من واقع تجربة مصرية معاصرة.
وفي بداية عهد حسني مبارك بعد اغتيال سلفه أنور السادات، نجح في وضع كمادات ثلج الرأس المحموم، لكنه مال مع الوقت إلى جمود طويل لا صلة له بدعاوى «الخمسين سنة»، حسب التعبير الذي تردد مطلع القرن.
وبعد ثورة يناير بما تمثله من تطلع للالتحاق بالعصر، عاد الكلام مجدداً عن «يوليو» من منظور جديد. فهناك من حاول أن يصور «يناير» كأنها ثورة على الستين سنة التي تلت «يوليو»، بزعم لا يمكن إثباته، وهو أنها حقبة سياسية متصلة.. شرعية واحدة ونظام واحد. كان ذلك استخفافاً بحقائق التاريخ وهزلًا في مقام الجد. وبحيثيات جديدة أضيفت سنوات أخرى، إلى تلك الدعاوى، من بينها تحميله مسؤولية ما أطلق عليه «حكم العسكر».
بحركة الزمن يمكن توقع إضافات جديدة تمنع التعرف إلى مناطق القوة والضعف وفرص التصحيح والتجديد، كأن يحمّل عبد الناصر مسؤولية «السبعين سنة»، ثم «الثمانين سنة».
بقوة التاريخ المشترك، ثورة «يوليو» إرث عام لا يخص تياراً سياسياً من دون آخر، ولا جيلًا من دون آخر، ومن حق جميع الأطراف الوطنية أن تُبدي وجهة نظرها فيها، وأن تختلف معها في موضع أو آخر، لكن بشرط ألا تزيّف التاريخ وحقائقه الأساسية، أو أن تقول كلاماً عاماً مرسلاً لا يستند إلى دليل أو منطق.
ثورة «يوليو» انتهت تماماً في السبعينات، والرئيس السابق أنور السادات يعلن نهاية «الشرعية الثورية» والانتقال إلى «الشرعية الدستورية». لم يكن السادات جاداً في الالتزام بالدستور وقواعده الملزمة، وكان اعتقاده أن الدستور يحكم من بعده، وأنه آخر الفراعين الذين لا يحكمهم دستور! أُنهيت الشرعية الثورية من دون أن تتأسس شرعية دستورية، وجرى التلاعب بالدستور على نحو أفقده احترامه، وكان ذلك من علامات النهاية. إرث «يوليو» الوطني والاجتماعي تقوّض تماماً، وإرثها في إدارة الدولة وتأكيد سطوتها امتد بعدها.
كأي نظام ثوري فهو فعل استثنائي انتقالي، قاد أوسع عملية تغيير في البنية الاجتماعية، وأخرج طبقات رئيسية إلى الحياة وتطلعاتها في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وحقوق العمل وتكافؤ الفرص، وخاض في الوقت نفسه معارك مفتوحة في إقليمه وعالمه، ودخل حروباً طاحنة في الصراع على المنطقة.
لا يصح أن نحاسب الثورات بغير قوانين حركتها، أو بأهداف غير التي تبنّتها، أو خارج السياق الذي عملت فيه، والعصر الذي احتضن تفاعلاتها. هذه هي الأصول العلمية في النقاش العام، أما إهدارها واعتبار كل ما جرى بعدها يدخل في مسؤوليتها، ففيه اعتداء صارخ على الحقائق الرئيسية، وفيه تحميل للثورة بأكثر مما تطيقه الحقائق. فالثورة انتهت منذ عقود طويلة.
بعض الكلام ينطوي على تعميم عشوائي دمج بين نظم وعصور متناقضة، وأغلبه استهدف التشهير بالتاريخ لإغلاق صفحة عبد الناصر، وما تمثله من قيم أُهدرت وأحلام أُجهضت.