مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



العلاقات الإماراتية الهندية.. المستقبل الآن
دار الخليج الإماراتية
2019/01/13

حبيب الصايغ
 
تجشمت أجيال الآباء والأجداد في الإمارات عناء السفر إلى الهند بحراً عبر الوسائل التقليدية، وكانت أغراض السفر للتجارة والسياحة والعلاج والدراسة، وأحياناً للإقامة في ظل الظروف المشاكسة في بعض المراحل، وذلك قبل أن تطل الإمارات على الدنيا من عل، وقبل حكم القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وقبل تأسيس الدولة وقيام الاتحاد، وقبل الواقع الحالي بسنوات طويلة وعقود، الواقع الذي يشير إلى 1068 رحلة أسبوعياً بين مطارات الإمارات والهند، تقوم بها من الجانب الإماراتي شركاتنا الوطنية، الإمارات والاتحاد والعربية وفلاي دبي، وبين الطرفين الإماراتي والهندي مراسلات وطلبات نحو المزيد.
  
لم تبدأ العلاقات بين المنطقة والهند في القرن الماضي أو الذي قبله، وفي محاضرته في معرض نيودلهي للكتاب يثبت الدكتور حمد بن صراي أستاذ التاريخ القديم في جامعة الإمارات أن هذه العلاقة بدأت منذ نحو 1500عام.
 
تلك هي العلاقة في مسارها التاريخي وربما الثقافي الذي يجدد اليوم عبر مبادرة الشارقة، لكننا، إلى ذلك، بصدد علاقات سياسية واقتصادية بدأت منذ فجر نهضة الإمارات وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الهند، وشهدت فترات فتور أو تراجع، وذروة أو نمو متسارع، ويمكن تسجيل السنوات الثلاث الماضية كفترة ذهبية للعلاقات الإماراتية الهندية، فما هي الحكاية؟
  لا يمكن اعتبار أول الحكاية محطة منبتة عن جذورها القريبة والبعيدة، كأن يزور القائد الرمز الشيخ زايد الهند، مدينة مومباي بالتحديد، منذ ثلاثينات القرن العشرين، أو أن يعود لها بعد ذلك في رحلة علاج مرافقاً لشقيقه الشيخ هزاع، ولا يمكن نسيان الزيارة الرسمية الأولى للشيخ زايد في العام 1974، فكل ذلك أسس، بمعنى من المعاني أو أثر، لكن المحطة المعاصرة نحو تعميق وتطوير العلاقات بدأت في أغسطس 2015، مع زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي لدولة الإمارات، ولقائه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وأخاه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ثم توقيع الكثير من الاتفاقيات في خلال تلك الزيارة التاريخية. المحطة التاريخية المكملة زيارة محمد بن زايد الهند في فبراير / شباط 2016، وفي خلالها تم توقيع 18 اتفاقية، على رأسها اتفاقيات حماية الاستثمار والازدواج الضريبي والطيران، فيما تم تفعيل التعاون في المجالات الفنية والأمنية والدفاعية، ومجالات الفضاء والطاقة المتجددة وتقنية المعلومات والصناعات الحربية وصناعة السيارات.
  أما انطلاقة العلاقة إلى أفقها الأرحب المستدام، فقد تأكدت في يناير/ كانون الثاني 2017، حين تلقت دولة الإمارات دعوة لأن يكون صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ضيف الشرف في يوم الجمهورية الهندية، وقد قدر محمد بن زايد وأركان القيادة السياسية وشعب الإمارات هذا الاختيار بدلالاته الواضحة التي تشير إلى قوة شخصية الإمارات وشخصية الشيخ محمد بن زايد في آن معاً، خصوصاً لدى معرفة أن الهند تدعو المميزين من رؤساء الدول ليكونوا ضيوف الشرف في يوم الجمهورية عاماً بعد عام، وقد لبى سموه الدعوة على رأس وفد رفيع ضم خمسة من إخوانه، ما دل على علاقة خاصة، قائمة على مبدأ الصداقة، وعلى مبدأ تحقيق مصالح الشعبين الشقيقين.
  
توطدت العلاقات في ذلك اللقاء أبعد، وتم توقيع عدد من الاتفاقيات، أهمها ما اتصل بمشروع التخزين الاستراتيجي النفطي بين «أدنوك» وشركة النفط الهندية.
هناك استثمارات رئيسة للإمارات في الهند، ومن المؤسسات والشركات المستثمرة جهاز أبوظبي للاستثمار، و«أدنوك»، وموانئ دبي العالمية، و«اتصالات»، و«إعمار»، و«طاقة»، ويبلغ إجمالي التجارة الخارجية بين الإمارات والهند 57 مليار دولار، فيما تبلغ قيمة التجارة الخارجية غير النفطية 38 ملياراً، ومن أبرز المواد المصدرة أو المعاد تصديرها الماس، والذهب، والذهب المشغول من حلي ومجوهرات.، والأسلاك. 
  ولأنه لا فصل في عالم اليوم بين العلاقة الاقتصادية الرسمية والعلاقة السياسية، فقد أثر كل منهما إيجابياً في الآخر، وتم تشكيل لجنة العلاقات الاستراتيجية، حيث الهند أول دولة توقع معها الإمارات اتفاقاً استراتيجياً ثم كان التوقيع مع روسيا وغيرها. مودي أيضا كان ضيف شرف القمة الحكومية في الإمارات، حيث ألقى كلمة رئيسة.
  اليوم، الهند هي الشريك التجاري الأكبر لدولة الإمارات، كما أن دولة الإمارات هي الشريك التجاري العالمي الثالث للهند بعد الولايات المتحدة والصين، ويعمل الجانبان على تطوير العلاقات عبر ثلاث منصات: اللجنة العليا المشتركة، حيث يرأس الجانب الإماراتي مهندس سياستنا الخارجية، سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، ويرأسها من الجانب الهندي وزيرة الخارجية، وتجتمع مرتين سنوياً. المنصة الثانية فريق العمل الاستثماري ويترأسه من جانب الإمارات سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي، ومن الجانب الهندي وزير الاقتصاد والتجارة. المنصة الثالثة اللجنة الاستراتيجية برئاسة الدكتور أنور بن محمد قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، ومن الجانب الهندي وزير الدولة للشؤون الخارجية.
  هذه المنصات تشرف على مجمل العلاقات البينية الإماراتية الهندية، وهي قابلة للتطور، لا بسبب من رغبة الطرفين فقط، وإنما لأسباب موضوعية متصلة بالمواقع والتجاذبات والتأثيرات والتوازنات والاحتياجات المشتركة، بعيداً عن أية عاطفة أو شخصنة حتى لو وجدت.
  إن الناتج الإجمالي للهند يصل الآن إلى حوالي تريليونين ونصف التريليون دولار، ولدى الهند خطة ليصل ناتجها المحلي إلى عشرة تريليونات بحلول العام 2025، يقابل ذلك طموح الإمارات المعلن، وهو ما يتحقق خصوصاً عبر استراتيجيتي الإمارات (2021)، و(2071)، واستراتيجية أبوظبي (2030).
  
تطوير العلاقة مطلب حيوي من الجانبين، تفرضه حاجة المستقبل كما الحاضر، وبعيداً عن الشخصنة، فكل الاحترام لمودي الذي أسهم في وصول العلاقة إلى هذه الذروة، لكنها رغبة الهند التي تستشرف المستقبل كما الإمارات، وفي زيارة راهوول غاندي رئيس حزب المؤتمر الوطني والمنافس على رئاسة الوزراء في الانتخابات القريبة المقبلة مؤشر ودليل، فليعمل العاملون على المزيد من العلاقة الإيجابية بين دولتين عرفتا بالانتصار للعلم والتقدم والتسامح والسلام.
   لقد حققنا بعض المستقبل المشترك الآن، وبيننا من المشتركات ما يجعل العلاقات السياسية، حيث تطابق الرأي على معظم الملفات، والعلاقات الاقتصادية وشواهدها ملء السمع والنظر، والعلاقات الثقافية، حيث في الذاكرة أهلنا من أمثال سالم بن علي العويس، وسلطان بن علي العويس، وأحمد بن سلطان بن سليم، بين مدونات تجارة الذهب واللؤلؤ ودفاتر الكتابة والشعر، والعلاقات الاجتماعية، حيث الجالية الهندية في الإمارات تعيش وتتعايش وتسهم في العمل والبناء، تمضي، وعذرًا على طول العبارة وإن كانت في محلها، في أفق دفء «الصلة» والمشاعر، تمضي أشواطاً بعيدة نحو مستقبل نلمسه ونحسه ويغمر مطره الخفيف وجوهنا وقلوبنا الآن.