مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



الأنهار والشعراء
دار الخليج الإماراتية
2019/01/12

يوسف أبولوز

للشاعر والمسرحي الألماني «برتولت بريخت= 1898 1956=» قصيدة كونية تتحدث عن الأنهار، فنهر المسيسبي (ترجمة: د. ممتاز كريدي) نهر عجوز يجرف المواشي والأرض، ويذهب بمن سماهم «بريخت» حثالة الملاكين إلى الجحيم، ونهر «الغانغيس» في الهند وحيث يجري يعم الخصب وتعم المجاعة، أما نهر النيل، كما رآه صاحب «الشحاذ أو اليد الميتة» فتطل عليه معابد وقصور.. و«.. العبودية عمرها ستة آلاف عام، لكن عمرها لن يطول أكثر..»، ونهر «اليانغستي» في الصين يعمل جذلاً، وفي نهر «الفولغا».. «.. لم تعد تسمع أهزوجة الملاحين الأرقاء..» أما «الأمازون» فهو نهر هائل، كما يقول، وقوي ويعمل للسادة الذين ما رآهم أبداً.

عمر قصيدة «نشيد الأنهار» هذه لبريخت حوالي السبعين عاماً، والأنهار التي تحدث عنها آنذاك، ليست أنهار اليوم، فالنهر يشبه الرجل أو يشبه المرأة.. له طفولة وصبا وفتوة وشباب وشيخوخة، ومع ذلك ما زالت أنهار العالم هذه تجري وتجري من منابعها إلى مصابها ولو أصاب بعضها رهق المشيب.

هل تتقدم الأنهار في العمر؟.. نعم، والبحار أيضاً، لكن شغف النهر بالجريان، واكتفاء البحر بالزرقة والموج والكتمان يجعل الزمن مثل الماء.. شفافاً، ليناً، أنثوياً كما لو قصيدة.

تقدم بردى، الذي لم يتحدث عنه «بريخت» في العمر، أو إنه أعطى بقية عمره لثلاثة شعراء سوريين.. اثنين منهم: علي الجندي، وممدوح عدوان كانا يملآن دمشق من الغوطة وحتى ساحة المرجة بالضحك والشعر والرائحة الياسمينية للحياة.. والثالث: محمد الماغوط تساقطت دموعه الزرقاء في الماء، وتحولت إلى محارة من النثر الموجع.

وكان الجواهري شاعراً نهرياً هو الآخر، بل، تبدو القصيدة العراقية ناقصة «عقلاً وديناً وقلباً» إذا لم تمر على ماء دجلة والفرات وتتعمد فيهما كما هي قصيدة مولودة من زرد الماء.

السيّاب، الملائكة، البياتي، حسب الشيخ جعفر، بلند الحيدري شعراء ماء، أو شعراء أنهار، ولكن أين هؤلاء؟؟، وأين دجلة والفرات؟.. هل تقدما في العمر حتى ضاقت عليهما الضفاف؟.. أم أرهقهما الجريان منذ جلجامش الأسطوري الأول، وحتى جلجامش العراقي الأخير.

.. والنيل أيضاً له شعراؤه:.. أمل دنقل، محمد عفيفي مطر، حلمي سالم، أحمد فؤاد نجم، صلاح جاهين، صلاح عبدالصبور.. وعشرات بل مئات من شعراء البحر والنهر.. شعراء الشغف بالجريان، والشغف بالكتمان.. وما زال «برتولت بريخت» يروض الأنهار، لكنه، لم يعرف كيف يروض الماء.. أهزوجة البحارة.. الذين خبأوا اللؤلؤ في القيعان.

yabolouz@gmail.com