مقالات و آراء و افتتاحيات من الاعلام العربي



من هو الملتزم الحقيقي؟!
الرياض السعودية
2018/09/13

كتبت أكثر من مقال عن ماهية الملتزم الحقيقي.. ووجدت لوماً من البعض «هداهم الله» يصل في بعضه إلى التجهيل.. وفي آخر إلى الوصف بعبارات غير لائقة، وكأن المعلومة محتكرة على صاحب هذا النقد، وعلى الباقين أن ينقادوا لما يملكه هو من معلومات.

أعود إلى الملتزم الحقيقي لأسأل: هل هو من تتصف هيئته الخارجية بالسمة الدينية ملابساً وتحدثاً.. أم أن هناك متطلبات أخرى؟!.. أشير إلى ذلك بعدما كنت وسط مجموعة، كثير من أفرادها فسروا الالتزام بأنه يخص الدين فقط والقيام بواجباته دون تأخير أو نقص وما يتبع ذلك من هيئة ملابس معينة اختصها المتدينون.. بل إن بعضهم يرون أن الالتزام بالنظام الإداري والقانوني كاحترام نظام المرور حري بأن لا يدخل في تعريف الالتزام.

المشكلة الأكبر أن يرفض أحدهم وصف من يتجاوز إشارة المرور مخالفاً بـ»غير الملتزم»؛ لأن أخلاقيات قيادة المركبة مختلفة عن الالتزام الحقيقي المطلوب ذلك الذي يفضي إلى التدين الكامل.. «على حد قوله».. الجدل لم يتوقف، حيث رأى آخر أن الأخلاقيات العامة كاحترام النظام والانضواء تحت القانون الذي يقره النظام هو جزء أهم في الالتزام..

بين هذا وذاك كان مفهوم الالتزام يعود من جديد وأنا أشاهد ما يحدث من عبث، خارج مسجد الراجحي شرق العاصمة الرياض.. وحين صلاة العصر من كل يوم أو صلاة الجمعة، حيث يؤلمك قبل أن يقطع عليك طريقك منظر السيارات المتناثرة متبعثرة بطريقة مخلة تدل على عدم التزام بالآداب العامة قبل النظام والقانون ومن ثم النظام المروري.. منظر مخجل.. لا نجد له تفسيراً إلا العبث.. ومن أشخاص يريدون رضا الله والتقرب منه بعبادات ونوافل في هذا المسجد العظيم.. لكنهم يفسدون الالتزام بالإخلال بكل ما هو حضاري ويدعوا إلى السلامة والتسهيل على الآخرين.. وليت الأمر كذلك بل إن بعضهم قد رمى مركبته على أحد جانبي الطريق الرئيس السريع وبما يعرضها والآخرين للخطر، وفق مخالفات مرورية واضحة ظاهرة.. وبما يشير إلى أن ربعنا هؤلاء يخالفون مبادئ الالتزام بالنظام، بل يخترقونه ويعبثون به، فهل من عبثَ بالنظام يستحق أن نقول عنه بمفهوم عام أنه لا ينتمي للالتزام؟.

إجابتي على هذا التساؤل تنطلق من التوجيه الرباني العظيم «وإنك لعلى خلق عظيم»، وبما يشير إلى أن العبادة والأخلاق كل لا يتجزأ، وفي ظل أن ديننا الإسلامي هو مشروع أخلاقي إنساني.. لا عبادة ومواصفات شكلية فقط، فهو مشروع لسلوكيات تنظم علاقات الناس فيما بينهم وفق معايير ينظمها الإسلام وتحتويها القوانين المجتمعية، ورسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

فإذا التزمت فيما بينك وبين ربك فحري أن ينعكس ذلك على سلوكياتك تجاه مجتمعك باحترام أنظمته وأوامره ونواهيه؛ لأن المسؤولية الأخلاقية هي أمام الله وأمام الآخرين، كذلك أمام الضمير، لأن تحقيق هذه المعادلة يؤكد المعنى الحقيقي للالتزام الذي لا أشك أنه الالتزام بالإيمان الصادق بالله تعالى، وحسن علاقته به سبحانه، مع التحلي بالأخلاق الفاضلة، المبنية على الاحترام لكل ما يحتاج الاحترام في حياتنا الدنيوية.

أقول: إننا في حاجة إلى إعادة صياغة مفهوم الالتزام، ومن يستحق أن نطلق عليه صفة ملتزم، ومن.. لا يستحق؟!




http://www.alriyadh.com/1704266