حصاد «التحالف» المدمر

المصدر: 
دار الخليج الإماراتية
تاريخ المقال: 
06/19/2017 - 05:00
تظهر تجربة علاقة النظام الرسمي العربي مع تنظيمات «الإسلام السياسي»، في كافة صوره، وأكاد أقول دون استثناء، أن التعويل على هذه التنظيمات كحليف، حتى لو كان بصورة مؤقتة ولأغراض براجماتية صرفة، سرعان ما يرتد على هذه الأنظمة بالضرر الشديد، التي تصحو، بعد غفلة أو شبه غفلة، على حقيقة أن هذه التنظيمات قد نالت، بحكم هذا التحالف أو الممالأة، درجات من التمكين لا في المجتمع وحده، وإنما في أجهزة الدولة ذاتها، وبشكل خاص في مرافق شديدة الأهمية والخطورة كوزارات التربية والجامعات مثلاً، لتكييف أدمغة الناشئة والشباب وفي منهج هذه الجماعات وفكرها.

في الأغلب الأعم، أن الحكومات تختار طريق التحالف مع هذه التنظيمات لأغراض تعتقد أنها خاصة بها، أي بالحكومات، لمواجهة نفوذ تيارات أخرى يسارية أو قومية، أو حتى لمواجهة تيارات إسلامية تجدها أكثر خطورة عليها من تنظيمات نظيرة لها، كالاستعانة ب «الإخوان المسلمين» في مواجهة السلفيين، أو بالعكس، أو الاستعانة ب «الإسلام السياسي السنّي» في مواجهة مقابلهِ الشيعي، أو العكس أيضاً.
وهذا ليس خافياً على من يجري الاستعانة بهم، فهم يدركون الطابع البراجماتي، والمؤقت، لهذا النوع من «التحالف» حتى وإن طال، لذلك فإنهم يسعون لجني أكثر ما يستطيعون من مكاسب، وبسرعة، تسهم في تمكين أنفسهم.
ليس هناك درس أكثر بلاغة من ذاك المستخلص من تجربة أنور السادات، حين استعان بالإسلاميين لمواجهة المد اليساري - الناصري في ذلك الحين، وفي حلقات برنامج وثائقي مطوّل بثته شبكة «بي بي سي» قبل شهور، استمعنا إلى شهادات مسؤولين أمنيين في عهد السادات عن تلك الخطة بالتفصيل، ولم يجر الاكتفاء باستخدامهم لأغراض الصراع الداخلي، وإنما وظّفوا أيضاً، بالتفاهم مع الأمريكان، فيما توصف بحرب «المجاهدين» في أفغانستان، حيث رفع الحظر من السفر عن المئات منهم، وسهلت مهمة وصولهم إلى هناك.
وبقية الحكاية معروفة، ومن عناوينها أيمن الظواهري وتنظيم «القاعدة» وما فرّخه من تنظيمات أشد تطرفاً منها، وفي النتيجة فإن اغتيال السادات نفسه تمَّ على أيديهم.
للأسف الشديد، فإن بعض النظام الرسمي العربي ما زال يثق في قدراته في التوظيف البراجماتي لمثل هذه الجماعات، إن في أغراض داخلية في البلد المعني أو في وظائف خارج الحدود، عبر تقديم الدعم المالي واللوجستي وتوفير المنصات الإعلامية والأذرع «الخيرية» وسواها لها، معتقداً أنه قادر على الإمساك بخيوط إدارتها في يده.
النتائج ظاهرة: انهيار دول كانت على درجة كافية من الاستقرار، وتصدّع وحدة الموقف العربي، واستشراء التطرّف والإرهاب، منهجاً وسلوكاً، وبلوغه مراحل خطرة تهدّد جميع من في المركب العربي بالغرق.
د. حسن مدن
madanbahrain@gmail.com