بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 98
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة مريم آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كهيعص

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كهيعص

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة مريم 1 - (كهيعص) الله أعلم بمراده بذلك

تفسير القرطبي
قوله تعالى {كهيعص} تقدم الكلام في أوائل السور.
وقال ابن عباس في {كهيعص} : أن الكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق، ذكره ابن عزيز القشيري عن ابن عباس؛ معناه كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق في وعده؛ ذكره الثعلبي عن الكلبي والسدي ومجاهد والضحاك.
وقال الكلبي أيضا : الكاف من كريم وكبير وكاف، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق؛ والمعنى واحد.
وعن ابن عباس أيضا : هو اسم من أسماء الله تعالى؛ وعن علي رضي الله عنه هو اسم الله عز وجل وكان يقول : يا كهيعص اغفر لي؛ ذكره الغزنوي.
السدي : هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب.
وقتادة : هو اسم من أسماء القرآن؛ ذكره عبدالرزاق.
عن معمر عنه.
وقيل : هو اسم للسورة؛ وهو اختيار القشيري في أوائل الحروف؛ وعلى هذا قيل : تمام الكلام عند قوله{كهيعص} كأنه إعلام بأسم السورة، كما تقول : كتاب كذا أو باب كذا ثم تشرع في المقصود.
وقرأ ابن جعفر هذه الحروف متقطعة، ووصلها الباقون، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء، وابن عامر وحمزة بالعكس، وأمالهما جميعا الكسائي وأبو بكر وخلف.
وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة نافع وغيره.
وفتحهما الباقون.
وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف، وحكى غيره أنه كان يضم ها، وحكى إسماعيل بن إسحاق أنه كان يضم يا.
قال أبو حاتم : ولا يجوز ضم الكاف والهاء والياء؛ قال النحاس : قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا، والإمالة جائزة في هاويا.
وأما قراءة الحسن فأشكلت على جماعة حتى قالوا : لا تجوز؛ منهم أبو حاتم.
والقول فيها ما بيّنه هارون القارئ؛ قال : كان الحسن يشم الرفع؛ فمعنى هذا أنه كان يومئ؛ كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول : الصلاة والزكاة يومئ إلى الواو، ولهذا كتبها في المصحف بالواو.
وأظهر الدال من هجاء {ص} نافع وابن كثير وعاصم ويعقوب، وهو اختيار أبي عبيد؛ وأدغمها الباقون.

تفسير ابن كثير
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.
وقوله: {ذكر رحمت ربك} أي هذا ذكر رحمة اللّه عبده زكريا، وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري، أنه كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة، وقوله: {إذ نادى ربه نداء خفيا} قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال الآخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى اللّه، كما قال قتادة في هذه الآية {إذ نادى ربه نداء خفيا}: إن اللّه يعلم القلب التقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب يا رب يا رب، فقال اللّه له: لبيك لبيك لبيك {قال رب إني وهن العظم مني} أي ضعفت وخارت القوى {واشتعل الرأس شيبا} أي اضطرم المشيب في السواد.
والمراد من هذا الإخبارُ عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة، وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك، وقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي}، قال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة، ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل اللّه ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.
الثاني أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا نورث، ما تركناه صدقة).
وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: (نحن معشر الأنبياء لا نورث).
وعلى هذا فتعين حمل قوله: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} على ميراث النبوة، ولهذا قال: {ويرث من آل يعقوب} كقوله: {وورث سليمان داود} أي في النبوة.
إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)، قال مجاهد: كان وراثته علماً وقال الحسن: يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، وعن أبي صالح في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقوله: {واجعله رب رضيا} أي مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

الترجمة الانجليزية:

KAF HA YA ´AIN SAD.


سورة مريم آية 2
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - هذا (ذكر رحمة ربك عبده) مفعول لرحمة (زكريا) بيان له

تفسير القرطبي
قوله تعالى:{ذكر رحمة ربك عبده زكريا.
إذ نادى ربه نداء خفيا}.
فيه ثلاث مسائل: الأولى:قوله تعالى:{ذكر رحمة ربك} في رفع {ذكر} ثلاثة أقوال؛ قال الفراء : هو مرفوع بـ {كهيعص} ؛ قال الزجاج : هذا محال؛ لأن {كهيعص} ليس هو مما أنبأنا الله عز وجل به عن زكريا، وقد خبر الله تعالى عنه وعن ما بشر به، وليس {كهيعص} من قصته.
وقال الأخفش : التقدير؛ فيما يقص عليكم ذكر رحمة ربك.
والقول الثالث : أن المعنى هذا الذي يتلوه عليكم ذكر رحمة ربك.
وقيل{ذكر رحمة ربك} رفع بإضمار مبتدأ؛ أي هذا ذكر رحمة ربك؛ وقرأ الحسن {ذكر رحمة ربك} أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك.
وقرئ {ذكر} على الأمر.
{ورحمة} تكتب ويوقف عليها بالهاء، وكذلك كل ما كان مثلها، لا اختلاف فيها بين النحويين واعتلوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء فرقا بينها وبين الأفعال.
الثانية:قوله تعالى:{عبده} قال الأخفش : هو منصوب بـ {رحمة}.
{زكريا} بدل منه، كما تقول : هذا ذكر ضرب زيد عمرا؛ فعمرا منصوب بالضرب، كما أن {عبده} منصوب بالرحمة.
وقيل : هو على التقديم والتأخير؛ معناه : ذكر ربك عبده زكريا برحمة؛ فـ {عبده} منصوب بالذكر؛ ذكره الزجاج والفراء.
وقرأ بعضهم {عبده زكريا} بالرفع؛ وهي قراءة أبي العالية.
وقرأ يحيى بن يعمر {ذكر} بالنصب على معنى هذا القرآن ذكر رحمة عبده زكريا.
وتقدمت اللغات والقراءة في {زكريا} في [آل عمران].

تفسير ابن كثير
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.
وقوله: {ذكر رحمت ربك} أي هذا ذكر رحمة اللّه عبده زكريا، وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري، أنه كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة، وقوله: {إذ نادى ربه نداء خفيا} قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال الآخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى اللّه، كما قال قتادة في هذه الآية {إذ نادى ربه نداء خفيا}: إن اللّه يعلم القلب التقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب يا رب يا رب، فقال اللّه له: لبيك لبيك لبيك {قال رب إني وهن العظم مني} أي ضعفت وخارت القوى {واشتعل الرأس شيبا} أي اضطرم المشيب في السواد.
والمراد من هذا الإخبارُ عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة، وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك، وقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي}، قال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة، ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل اللّه ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.
الثاني أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا نورث، ما تركناه صدقة).
وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: (نحن معشر الأنبياء لا نورث).
وعلى هذا فتعين حمل قوله: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} على ميراث النبوة، ولهذا قال: {ويرث من آل يعقوب} كقوله: {وورث سليمان داود} أي في النبوة.
إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)، قال مجاهد: كان وراثته علماً وقال الحسن: يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، وعن أبي صالح في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقوله: {واجعله رب رضيا} أي مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

الترجمة الانجليزية:

Commemorate the beneficence of your Lord on Zachariah, His devotee,


سورة مريم آية 3
إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا

إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (إذ) متعلق برحمة (نادى ربه نداء) مشتملا على دعاء (خفيا) سرا جوف الليل لأنه أسرع للإجابة

تفسير القرطبي
الثالثة: قوله تعالى:{إذ نادى ربه نداء خفيا} مثل قوله{ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}[الأعراف : 55] وقد تقدم.
والنداء الدعاء والرغبة؛ أي ناجى ربه بذلك في محرابه.
دليله قوله{فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب}[آل عمران : 39] فبين أنه استجاب له في صلاته، كما نادى في الصلاة.
واختلف في إخفائه هذا النداء؛ فقيل : أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن؛ ولأنه أمر دنيوي، فإن أجيب فيه نال بغيته، وإن لم يجب لم يعرف بذلك أحد.
وقيل : مخلصا فيه لم يطلع عليه إلا الله تعالى.
وقيل : لما كانت الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه.
وقيل{خفيا} سرا من قومه في جوف الليل؛ والكل محتمل والأول أظهر؛ والله أعلم.
وقد تقدم أن المستحب من الدعاء الإخفاء في سورة [الأعراف] وهذه الآية نص في ذلك؛ لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا.
وروى إسماعيل قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبدالرحمن وهو ابن أبي كبشة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي) وهذا عام.
قال يونس بن عبيد : كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت، وتلا يونس {إذ نادى ربه نداء خفيا}.
قال ابن العربي : وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي، والجهر به أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو به جهرا.

تفسير ابن كثير
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.
وقوله: {ذكر رحمت ربك} أي هذا ذكر رحمة اللّه عبده زكريا، وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري، أنه كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة، وقوله: {إذ نادى ربه نداء خفيا} قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال الآخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى اللّه، كما قال قتادة في هذه الآية {إذ نادى ربه نداء خفيا}: إن اللّه يعلم القلب التقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب يا رب يا رب، فقال اللّه له: لبيك لبيك لبيك {قال رب إني وهن العظم مني} أي ضعفت وخارت القوى {واشتعل الرأس شيبا} أي اضطرم المشيب في السواد.
والمراد من هذا الإخبارُ عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة، وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك، وقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي}، قال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة، ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل اللّه ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.
الثاني أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا نورث، ما تركناه صدقة).
وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: (نحن معشر الأنبياء لا نورث).
وعلى هذا فتعين حمل قوله: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} على ميراث النبوة، ولهذا قال: {ويرث من آل يعقوب} كقوله: {وورث سليمان داود} أي في النبوة.
إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)، قال مجاهد: كان وراثته علماً وقال الحسن: يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، وعن أبي صالح في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقوله: {واجعله رب رضيا} أي مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

الترجمة الانجليزية:

When he called to his Lord inwardly,


سورة مريم آية 4
قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (قال رب إني وهن) ضعف (العظم) جميعه (مني واشتعل الرأس) مني (شيبا) تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في شعره كما ينتشر النار في الحطب وإني أريد أن ادعوك (ولم أكن بدعائك) أي بدعائي إياك (رب شقيا) أي خائبا فيما مضى فلا تخيبني فيما يأتي

تفسير القرطبي
قوله تعالى{قال رب إني وهن العظم مني}فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى:{قال رب إني وهن} قرئ {وهن} بالحركات الثلاث أي ضعف.
يقال : وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن.
وقال أبو زيد يقال : وهن يهن ووهن يوهن.
وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته؛ ولأنه أشد ما فيه وأصلبه؛ فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه.
ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصد إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها.
الثانية: قوله تعالى{واشتعل الرأس شيبا} أدغم السين في الشين أبو عمرو.
وهذا من أحسن الاستعارة في كلام العرب.
والاشتعال انتشار شعاع النار؛ شبه به انتشار الشيب في الرأس؛ يقول : شخت وضعفت؛ وأضاف الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس.
ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا عليه السلام.
{وشيبا} في نصبه وجهان : أحدهما : أنه مصدر لأن معنى اشتعل شاب؛ وهذا قول الأخفش.
وقال الزجاج : وهو منصوب على التمييز.
النحاس : قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل فالمصدر أولى به.
والشيب مخالطة الشعر الأبيض الأسود.
قال العلماء : يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع؛ لأن قوله تعالى{وهن العظم مني} إظهار للخضوع.
وقوله{ولم أكن بدعائك رب شقيا} إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته؛ أي لم أكن بدعائي إياك شقيا؛ أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك؛ أي إنك عودتني الإجابة فيما مضى.
يقال : شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده.
وعن بعضهم أن محتاجا سأله وقال : أنا الذي أحسنت إليه في وقت كذا؛ فقال : مرحبا بمن توسل بنا إلينا؛ وقضى حاجته.

تفسير ابن كثير
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.
وقوله: {ذكر رحمت ربك} أي هذا ذكر رحمة اللّه عبده زكريا، وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري، أنه كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة، وقوله: {إذ نادى ربه نداء خفيا} قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال الآخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى اللّه، كما قال قتادة في هذه الآية {إذ نادى ربه نداء خفيا}: إن اللّه يعلم القلب التقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب يا رب يا رب، فقال اللّه له: لبيك لبيك لبيك {قال رب إني وهن العظم مني} أي ضعفت وخارت القوى {واشتعل الرأس شيبا} أي اضطرم المشيب في السواد.
والمراد من هذا الإخبارُ عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة، وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك، وقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي}، قال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة، ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل اللّه ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.
الثاني أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا نورث، ما تركناه صدقة).
وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: (نحن معشر الأنبياء لا نورث).
وعلى هذا فتعين حمل قوله: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} على ميراث النبوة، ولهذا قال: {ويرث من آل يعقوب} كقوله: {وورث سليمان داود} أي في النبوة.
إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)، قال مجاهد: كان وراثته علماً وقال الحسن: يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، وعن أبي صالح في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقوله: {واجعله رب رضيا} أي مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

الترجمة الانجليزية:

And said: "O my Lord, my bones decay, my head is white and hoary, yet in calling You, O Lord, I have never been deprived.


سورة مريم آية 5
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (وإني خفت الموالي) أي الذين يلوني في النسب كبني العم (من ورائي) أي بعد موتي على الدين أن يضيعوه كما شاهدته في بني إسرائيل من تبديل الدين (وكانت امرأتي عاقرا) لا تلد (فهب لي من لدنك) من عندك (وليا) ابنا

تفسير القرطبي
قوله تعالى{وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امراتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا} فيه سبع مسائل: الأولى:قوله تعالى{وإني خفت الموالي} قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ويحيى بن يعمر {خفت} بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء وسكون الياء من {الموالي} لأنه في رفع {بخفت} ومعناه انقطعت بالموت.
وقرأ الباقون {خفت} بكسر الخاء وسكون الفاء وضم التاء ونصب الياء من {الموالي} لأنه في موضع نصب بـ {خفت} و{الموالي} هنا الأقارب بنو العم والعصبة الذين يلونه في النسب.
والعرب تسمي بني العم الموالي.
قال الشاعر : مهلا بني عمنا مهلا موالينا ** لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق أن يرثه غير الولد.
وقالت طائفة : إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وليا يقوم بالدين بعده؛ حكى هذا القول الزجاج، وعليه فلم يسل من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا تورث.
وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل الآية، وأنه عليه الصلاة والسلام أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة) وفي كتاب أبي داود : (إن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم).
وسيأتي في هذا مزيد بيان عند قوله{يرثني}.
الثانية: هذا الحديث يدخل في التفسير المسند؛ لقوله تعالى{وورث سليمان داود} وعبارة عن قول زكريا{فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} وتخصيص للعموم في ذلك، وأن سليمان لم يرث من داود مالاً خلفه داود بعده؛ وإنما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب؛ هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض، وإلا ما روي عن الحسن أنه قال{يرثني} مالا {ويرث من آل يعقوب} النبوة والحكمة؛ وكل قول يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع مهجور؛ قال أبو عمر.
قال ابن عطية : والأكثر من المفسرين على أن زكريا إنما أراد وراثة المال؛ ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنا معشر الأنبياء لا نورث) ألا يريد به العموم، بل على أنه غالب أمرهم؛ فتأمله.
والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة.
ألا ترى أنه لما طلب وليا ولم يخصص ولدا بلغه الله تعالى أمله على أكمل الوجوه.
وقال أبو صالح وغيره : قوله {من آل يعقوب} يريد العلم والنبوة.
الثالثة :قوله تعالى{من ورائي} قرأ ابن كثير بالمد والهمز وفتح الياء.
وعنه أنه قرأ أيضا مقصورا مفتوح الياء مثل عصاي.
الباقون بالهمز والمد وسكون الياء.
والقراء على قراءة {خفت} مثل نمت إلا ما ذكرنا عن عثمان.
وهي قراءة شاذة بعيدة جدا؛ حتى زعم بعض العلماء أنها لا تجوز.
قال كيف يقول : خفت الموالي من بعدي أي من بعد موتي وهو حي؟ !.
النحاس : والتأويل لها ألا يعني بقوله{من ورائي} أي من بعد موتى، ولكن من ورائي في ذلك الوقت؛ وهذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنهم خفوا في ذلك الوقت وقلوا، وقد أخبر الله تعالى بما يدل على الكثرة حين قالوا {أيهم يكفل مريم}.
ابن عطية{من ورائي} من بعدي في الزمن، فهو الوراء على ما تقدم في [الكهف].
الرابعة:قوله تعالى:{وكانت امرأتي عاقرا} امرأته هي إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، وهي أخت حنة بنت فاقوذا؛ قاله الطبري.
وحنة هي أم مريم حسب ما تقدم في {آل عمران} بيانه.
وقال القتبي : امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران، فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة.
وعلى القول الآخر يكون ابن خالة أمه.
وفي حديث الإسراء قال عليه الصلاة والسلام : (فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى) شاهدا للقول الأول.
والله أعلم.
والعاقر التي لا تلد لكبر سنها؛ وقد مضى بيانه في [آل عمران].
والعاقر من النساء أيضا التي لا تلد من غير كبر.
ومنه قوله تعالى{ويجعل من يشاء عقيما}[الشورى : 50].
وكذلك العاقر من الرجال؛ ومنه قول عامر بن الطفيل : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ** جبانا فما عذري لدى كل محضر الخامسة:قوله تعالى{فهب لي من لدنك وليا} سؤال ودعاء.
ولم يصرح بولد لما علم من حال وبعده عنه بسبب المرأة.
قال قتادة : جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة.
مقاتل : خمس وتسعين سنة؛ وهو أشبه؛ فقد كان غلب على ظنه انه لا يولد له لكبره؛ ولذلك قال{وقد بلغت من الكبر عتيا}.
وقالت طائفة : بل طلب الولد، ثم طلب أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه، تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد ولكن يحترم، ولا يتحصل منه الغرض.
السادسة: قال العلماء : دعاء زكريا عليه السلام في الولد إنما كان لإظهار دينه، وإحياء نبوته، ومضاعفة لأجره لا للدنيا، وكان ربه قد عوده الإجابة، ولذلك قال{ولم أكن بدعائك رب شقيا}، أي بدعائي إياك.
وهذه وسيلة حسنة؛ أن يتشفع إليه بنعمه، يستدر فضله بفضله؛ يروى أن حاتم الجود لقيه رجل فسأله؛ فقال له حاتم : من أنت؟ قال : أنا الذي أحسنت إليه عام أول؛ فقال : مرحبا بمن تشفع إلينا بنا.
فإن قيل كيف أقدم زكريا على مسألة ما يخرق العادة دون إذن؟ فالجواب أن ذلك جائز في زمان الأنبياء وفي القرآن ما يكشف عن هذا المعنى؛ فإنه تعالى قال{كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}[آل عمران : 37] فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته؛ فقال تعالى{هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة}[آل عمران : 38] الآية.
السابعة: إن قال قائل : هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد، والله سبحانه وتعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبه على المفاسد الناشئة من ذلك؛ فقال{إنما أموالكم وأولادكم فتنة}[التغابن : 15].
قال{إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم}[التغابن : 14].
فالجواب أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما تقدم في [آل عمران] بيانه.
ثم إن زكريا عليه السلام تحرز فقال : (ذرية طيبة) وقال{واجعله رب رضيا}.
والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة، وخرج من حد العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة.
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس خادمه فقال : (اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته) فدعا له بالبركة تحرزا مما يؤدي إليه الإكثار من الهلكة.
وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده، ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء؛ وقد تقدم في [آل عمران] بيانه.

تفسير ابن كثير
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.
وقوله: {ذكر رحمت ربك} أي هذا ذكر رحمة اللّه عبده زكريا، وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري، أنه كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة، وقوله: {إذ نادى ربه نداء خفيا} قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال الآخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى اللّه، كما قال قتادة في هذه الآية {إذ نادى ربه نداء خفيا}: إن اللّه يعلم القلب التقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب يا رب يا رب، فقال اللّه له: لبيك لبيك لبيك {قال رب إني وهن العظم مني} أي ضعفت وخارت القوى {واشتعل الرأس شيبا} أي اضطرم المشيب في السواد.
والمراد من هذا الإخبارُ عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة، وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك، وقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي}، قال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة، ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل اللّه ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.
الثاني أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا نورث، ما تركناه صدقة).
وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: (نحن معشر الأنبياء لا نورث).
وعلى هذا فتعين حمل قوله: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} على ميراث النبوة، ولهذا قال: {ويرث من آل يعقوب} كقوله: {وورث سليمان داود} أي في النبوة.
إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)، قال مجاهد: كان وراثته علماً وقال الحسن: يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، وعن أبي صالح في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقوله: {واجعله رب رضيا} أي مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

الترجمة الانجليزية:

But I fear my relatives after me; and my wife is barren. So grant me a successor as a favour from You