بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 13
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة الممتحنة آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة الممتحنة 1 - (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم) أي كفار مكة (أولياء تلقون) توصلون (إليهم) قصد النبي صلى الله عليه وسلم غزوهم الذي أسره إليكم وورى بحنين (بالمودة) بينكم وبينهم كتب حاطب بن أبي بلتعة إليهم كتابا بذلك لما له عندهم من الأولاد والأهل المشركين فاسترده النبي صلى الله عليه وسلم ممن أرسله معه بإعلام الله تعالى له بذلك وقبل عذر حاطب فيه (وقد كفروا بما جاءكم من الحق) أي دين الإسلام والقرآن (يخرجون الرسول وإياكم) من مكة بتضييقهم عليكم (أن تؤمنوا) أي لأجل أن آمنتم (بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا) للجهاد (في سبيلي وابتغاء مرضاتي) وجواب الشرط دل عليه ما قبله أي فلا تتخذوهم أولياء (تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم) أي إسرار خبر النبي إليهم (فقد ضل سواء السبيل) أخطأ طريق الهدى والسواء لإي الأصل الوسط

تفسير القرطبي
قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} عدَّى اتخذ إلى مفعولين وهما {عدوكم أولياء}.
والعدو فَعُول من عدا، كعفو من عفا.
ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد.
وفي هذه الآية سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم} ""روى الأئمة - واللفظ لمسلم - عن علي رضي الله عنه"" قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال : (ائتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها) فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا : أخرجي الكتاب، فقالت : ما معي كتاب.
فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها.
فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا حاطب ما هذا؟ قال لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت أمرأ ملصقا في قريش قال سفيان : كان حليفا لهم، ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (صدق).
فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.
فقال : (إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}.
قيل : اسم المرأة سارة من موالي قريش.
وكان في الكتاب (أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه وناصره.
ذكره بعض المفسرين.
وذكر القشيري والثعلبي : أن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلا من أهل اليمن، وكان له حلف بمكة في بني أسد بن عبدالعزى رهط الزبير بن العوام.
وقيل : كان حليفا للزبير بن العوام، فقدمت من مكة سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة.
وقيل : كان هذا في زمن الحديبية؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أمهاجرة جئت يا سارة).
فقالت لا.
قال : (أمسلمة جئت) قالت لا.
قال : (فما جاء بك) قالت : كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهب الموالي - تعني قتلوا يوم بدر - وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني؛ فقال عليه الصلاة والسلام : (فأين أنت عن شباب أهل مكة) وكانت مغنية، قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر.
فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبدالمطلب وبني المطلب على إعطائها؛ فكسوها وأعطوها وحملوها فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب فقال : أعطيك عشرة دنانير وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل مكة.
وكتب في الكتاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم.
فخرجت سارة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي.
وفي رواية : عليا والزبير والمقداد.
وفي رواية : أرسل عليا وعمار بن ياسر.
وفي رواية : عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد - وكانوا كلهم فرسانا - وقال لهم : (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فان لم تدفعه لكم فأضربوا عنقها) فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها : أين الكتاب؟ فحلفت ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع فقال علي : والله ما كذبنا ولا كذبنا! وسل سيفه وقال : أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها - وفي رواية من حجزتها - فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأرسل إلى حاطب فقال : (هل تعرف الكتاب؟) قال نعم.
وذكر الحديث بنحو ما تقدم.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم.
الثانية: السورة أصل في النهي عن مولاة الكفار.
وقد مضى ذلك في غير موضع.
من ذلك قوله تعالى {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} [آل عمران : 28].
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} [آل عمران : 118].
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} [المائدة : 51].
ومثله كثير.
وذكر أن حاطبا لما سمع {يا أيها الذين آمنوا} غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان.
الثالثة: قوله تعالى {تلقون إليهم بالمودة} يعني بالظاهر؛ لأن قلب حاطب كان سليما؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : (أما صاحبكم فقد صدق) وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده.
والباء في {بالمودة} زائدة؛ كما تقول : قرأت السورة وقرأت بالسورة، ورميت إليه ما في نفسي وبما في نفسي.
ويجوز أن تكون ثابتة على أن مفعول {تلقون} محذوف؛ معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم.
وكذلك {تسرون إليهم بالمودة} أي بسبب المودة.
وقال الفراء {تلقون إليهم بالمودة} من صلة {أولياء} ودخول الباء في المودة وخروجها سواء.
ويجوز أن تتعلق بـ {لا تتخذوا} حالا من ضميره.
و {أولياء} صفة له، ويجوز أن تكون استئنافا.
ومعنى {تلقون إليهم بالمودة} تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم؛ وقاله الزجاج.
الرابعة : من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم؛ كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين.
الخامسة: إذا قلنا لا يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا؟ اختلف الناس فيه؛ فقال مالك وابن القاسم وأشهب : يجتهد في ذلك الإمام.
وقال عبدالملك : إذا كانت عادته تلك قتل، لأنه جاسوس، وقد قال مالك بقتل الجاسوس - وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض.
ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطبا أخذ في أول فعله.
السادسة: فإن كان الجاسوس كافرا فقال الأوزاعي : يكون نقضا لعهده.
وقال أصبغ : الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان.
وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بعين للمشركين اسمه فرات بن حيان، فأمر به أن يقتل؛ فصاح : يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فخلى سبيله.
ثم قال : (إن منكم من أَكلِهُ إلى إيمانه منهم فرات بن حيان).
وقوله{وقد كفروا} حال، إما من {لا تتخذوا} وإما من {تلقون} أي لا تتولوهم أو توادوهم، وهذه حالهم.
وقرأ الجحدري {لما جاءكم} أي كفروا لأجل ما جاءكم من الحق.
السابعة: قوله تعالى {يخرجون الرسول} استئناف كلام كالتفسير لكفرهم وعتوهم، أو حال من {كفروا}.
{وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} تعليل لـ {يخرجون} المعنى يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لأن تؤمنوا بالله أي لأجل إيمانكم بالله.
قال ابن عباس : وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي.
وقيل : في الكلام حذف، والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، فلا تلقوا إليهم بالمودة.
وقيل {إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي} شرط وجوابه مقدم.
والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء.
ونصب {جهادا} و {ابتغاء} لأنه مفعول.
وقوله : تسرون إليهم بالمودة بدل من {تلقون} ومبين عنه.
والأفعال تبدل من الأفعال، كما قال تعالى {ومن يفعل ذلك يلق أثاما.
يضاعف له العذاب} [الفرقان : 68].
وأنشد سيبويه : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ** تجد حطبا جزلا ونارا تأججا وقيل : هو على تقدير أنتم تسرون إليهم بالمودة، فيكون استئنافا.
وهذا كله معاتبة لحاطب.
وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيبه.
كما قال : أعاتب ذا المودة من صديق ** إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العتاب فليس ود ** ويبقى الود ما بقي العتاب ومعنى {بالمودة} أي بالنصيحة في الكتاب إليهم.
والباء زائدة كما ذكرنا، أو ثابتة غير زائدة.
قوله تعالى {وأنا أعلم بما أخفيتم} أضمرتم {وما أعلنتم} أظهرتم.
والباء في {بما} زائدة؛ يقال : علمت كذا وعلمت بكذا.
وقيل : وأنا اعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون، فحذف من كل أحد.
كما يقال : فلان أعلم وأفضل من غيره.
وقال ابن عباس : وأنا اعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد.
{ومن يفعله منكم} أي من يسر إليهم ويكاتبهم منكم {فقد ضل سواء السبيل} أي أخطأ قصد الطريق.

تفسير ابن كثير
كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة ""حاطب بن أبي بلتعة""، وذلك أن حاطباً هذا كان رجلاً من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضاً، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، فلما عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على فتح مكّة لما نقض أهلها العهد، أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال: (اللهم عمِّ عليهم خبرَنا)، فعمد حاطب هذا فكتب كتاباً، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يداً.
روى الإمام أحمد، عن علي رضي اللّه عنه قال: بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها)، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب، فأتينا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين، بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يا حاطب ما هذا؟) قال: لا تعجل عليّ، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنه صدقكم)، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل اللّه اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
ونزلت فيه:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} ""أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه"".
وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة.
فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} يعني المشركون والكفّار الذين هم محاربون للّه ولرسوله، نهى اللّه أن يتخذوهم أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقوله تعالى: {لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً} الآية.
وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} ولهذا قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عذر حاطب، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.
وقوله تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم} هذا مع ما قبله من التهييج على عدواتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة للّه وحده، ولهذا قال تعالى: {أن تؤمنوا باللّه ربكم} أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم باللّه رب العالمين، كقوله تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد}، وكقوله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللّه}، وقوله تعالى: {إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي} أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنت خرجتم مجاهدين في سبيلي فلا توالوا أعدائي، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم، حنقاً عليكم وسخطاً لدينكم، وقوله تعالى: {تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل .
إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} أي لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالوكم به بالمقال والفعال، {وودوا لو تكفرون} أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيراً، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عدواتهم أيضاً، وقوله تعالى: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم واللّه بما تعملون بصير} أي قراباتكم لا تنفعكم عند اللّه، إذا أراد اللّه بكم سوءاً، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط اللّه، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند اللّه قرابته من أحد.

الترجمة الانجليزية:

O YOU WHO BELIEVE, do not take My enemies and your enemies as friends. You show kindness to them, but they reject the true way that has come to you. They expelled the Prophet and you, for you believe in God your Lord. If you have come out to struggle in My cause having sought My acceptance, (do not be) friendly with them in secret. I know what you hide and what you disclose. Whoever of you does this will have gone astray from the right path.


سورة الممتحنة آية 2
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ

إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (إن يثقفوكم) يظفروا بكم (يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم) بالقتل والضرب (وألسنتهم بالسوء) بالسب والشتم (وودوا) تمنوا (لو تكفرون)

تفسير القرطبي
قوله تعالى {إن يثقفوكم} يلقوكم ويصادفوكم؛ ومنه المثاقفة؛ أي طلب مصادفة الغرة في المسايفة وشبهها.
وقيل {يثقفوكم} يظفروا بكم ويتمكنوا منكم {يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} أي أيديهم بالضرب والقتل، وألسنتهم بالشتم.
{وودوا لو تكفرون} بمحمد؛ فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم.

تفسير ابن كثير
كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة ""حاطب بن أبي بلتعة""، وذلك أن حاطباً هذا كان رجلاً من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضاً، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، فلما عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على فتح مكّة لما نقض أهلها العهد، أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال: (اللهم عمِّ عليهم خبرَنا)، فعمد حاطب هذا فكتب كتاباً، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يداً.
روى الإمام أحمد، عن علي رضي اللّه عنه قال: بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها)، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب، فأتينا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين، بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يا حاطب ما هذا؟) قال: لا تعجل عليّ، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنه صدقكم)، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل اللّه اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
ونزلت فيه:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} ""أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه"".
وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة.
فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} يعني المشركون والكفّار الذين هم محاربون للّه ولرسوله، نهى اللّه أن يتخذوهم أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقوله تعالى: {لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً} الآية.
وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} ولهذا قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عذر حاطب، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.
وقوله تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم} هذا مع ما قبله من التهييج على عدواتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة للّه وحده، ولهذا قال تعالى: {أن تؤمنوا باللّه ربكم} أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم باللّه رب العالمين، كقوله تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد}، وكقوله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللّه}، وقوله تعالى: {إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي} أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنت خرجتم مجاهدين في سبيلي فلا توالوا أعدائي، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم، حنقاً عليكم وسخطاً لدينكم، وقوله تعالى: {تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل .
إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} أي لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالوكم به بالمقال والفعال، {وودوا لو تكفرون} أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيراً، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عدواتهم أيضاً، وقوله تعالى: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم واللّه بما تعملون بصير} أي قراباتكم لا تنفعكم عند اللّه، إذا أراد اللّه بكم سوءاً، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط اللّه، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند اللّه قرابته من أحد.

الترجمة الانجليزية:

If they gain ascendancy over you, they will become your enemies, and employ their hands and tongues with evil designs, and wish that you also became disbelievers.


سورة الممتحنة آية 3
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (لن تنفعكم أرحامكم) قرابتكم (ولا أولادكم) المشركون الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة (يوم القيامة يفصل) بالبناء للمفعول والفاعل (بينكم) وبينهم فتكونوا في الجنة وهم في جملة الكفار في النار (والله بما تعملون بصير)

تفسير القرطبي
قوله تعالى {لن تنفعكم أرحامكم} لما اعتذر حاطب بأن له أولادا وأرحاما فيما بينهم، بين الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئا يوم القيامة إن عصي من أجل ذلك.
{يفصل بينكم} فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار.
وفي {يفصل} قراءات سبع : قرأ عاصم {يفصل} بفتح الياء وكسر الصاد مخففا.
وقرأ حمزة والكسائي مشددا إلا أنه على ما لم يسم فاعله.
وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد مشددة.
وروي عن علقمة كذلك بالنون مخففة.
وقرأ قتادة وأبو حيوة {يفصل} بضم الياء وكسر الصاد مخففة من أفصل.
وقرأ الباقون {يفصل} بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد على الفعل المجهول، واختاره أبو عبيد.
فمن خفف فلقوله {وهو خير الفاصلين} [الأنعام : 57] وقوله {إن يوم الفصل} [الدخان : 40].
ومن شدد فلأن ذلك أبين في الفعل الكثير المكرر المتردد.
ومن أتى به على ما لم يسم فاعله فلأن الفاعل معروف.
ومن أتى به مسمى الفاعل رد الضمير إلى الله تعالى.
ومن قرأ بالنون فعلى التعظيم.
{والله بما تعملون بصير}.

تفسير ابن كثير
كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة ""حاطب بن أبي بلتعة""، وذلك أن حاطباً هذا كان رجلاً من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضاً، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، فلما عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على فتح مكّة لما نقض أهلها العهد، أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال: (اللهم عمِّ عليهم خبرَنا)، فعمد حاطب هذا فكتب كتاباً، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يداً.
روى الإمام أحمد، عن علي رضي اللّه عنه قال: بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها)، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب، فأتينا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين، بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يا حاطب ما هذا؟) قال: لا تعجل عليّ، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنه صدقكم)، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل اللّه اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
ونزلت فيه:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} ""أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه"".
وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة.
فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} يعني المشركون والكفّار الذين هم محاربون للّه ولرسوله، نهى اللّه أن يتخذوهم أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقوله تعالى: {لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً} الآية.
وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} ولهذا قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عذر حاطب، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.
وقوله تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم} هذا مع ما قبله من التهييج على عدواتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة للّه وحده، ولهذا قال تعالى: {أن تؤمنوا باللّه ربكم} أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم باللّه رب العالمين، كقوله تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد}، وكقوله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللّه}، وقوله تعالى: {إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي} أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنت خرجتم مجاهدين في سبيلي فلا توالوا أعدائي، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم، حنقاً عليكم وسخطاً لدينكم، وقوله تعالى: {تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل .
إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} أي لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالوكم به بالمقال والفعال، {وودوا لو تكفرون} أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيراً، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عدواتهم أيضاً، وقوله تعالى: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم واللّه بما تعملون بصير} أي قراباتكم لا تنفعكم عند اللّه، إذا أراد اللّه بكم سوءاً، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط اللّه، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند اللّه قرابته من أحد.

الترجمة الانجليزية:

Neither your blood relations nor your children will be of any avail to you on the Day of Resurrection. He will judge between you, for God sees what you do.


سورة الممتحنة آية 4
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (قد كانت لكم أسوة) بكسر الهمزة وضمها في الموضعين قدوة (حسنة في إبراهيم) أي به قولا وفعلا (والذين معه) من المؤمنين (إذ قالوا لقومهم إنا برآء) جمع بريء كظريف (منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم) أنكرناكم (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا) بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية واوا (حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) مستثنى من أسوة فليس لكم التأسي به في ذلك بأن تستغفروا للكفار وقوله (وما أملك لك من الله) أي من عذابه وثوابه (من شيء) كنى به عن أنه لا يملك له غير الاستغفار فهو مبني عليه مستثنى من حيث المراد منه وإن كان من حيث ظاهره مما يتأسى فيه قل فمن يملك لكم من الله شيئا واستغفاره له قبل أن يتبين له أنه عدو الله كما ذكره في براءة (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) من منقول الخليل ومن معه أي قالوا

تفسير القرطبي
قوله تعالى {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم} لما نهى عز وجل عن مولاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار؛ أي فاقتدوا به وأتموا؛ إلا في استغفاره لأبيه.
والأسوة ما يتأسى به، مثل القدوة والقدوة.
ويقال : هو أسوتك؛ أي مثلك وأنت مثله.
وقرأ عاصم {أسوة} بضم الهمزة لغتان.
{والذين معه} يعني أصحاب إبراهيم من المؤمنين.
وقال ابن زيد : هم الأنبياء {إذ قالوا لقومهم} الكفار {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} أي الأصنام.
وبرآء جمع بريء؛ مثل شريك وشركاء، وظريف وظرفاء.
وقراءة العامة على وزن فعلاء.
وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق {براء} بكسر الباء على وزن فعال؛ مثل قصير وقصار، وطويل وطوال، وظريف وظراف.
ويجوز ترك الهمزة حتى تقول : براً؛ وتنون.
وقرئ {براء} على الوصف بالمصدر.
وقرئ {براء} على إبدال الضم من الكسر؛ كرخال ورباب.
والآية نص في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في فعله.
وذلك يصحح أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله.
{كفرنا بكم} أي بما آمنتم به من الأوثان.
وقيل : أي بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق.
{وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم {حتى تؤمنوا بالله وحده} فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين؛ فإنه كان عن موعدة منه له قاله قتادة ومجاهد وغيرهما.
وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه، ثم بين عذره في سورة التوبة .
وفي هذا دلالة على تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء؛ لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر : 7] وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض أفعاله.
وقيل : هو استثناء منقطع؛ أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم، فلما بان له أنه لم يسلم تبرأ منه.
وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم؛ وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن، فلم توالوهم.
{وما أملك لك من الله من شيء} هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه؛ أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به.
{ربنا عليك توكلنا} هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه.
وقيل : علم المؤمنين أن يقولوا هذا.
أي تبرءوا من الكفار وتوكلوا على الله وقولوا {ربنا عليك توكلنا} أي اعتمدنا {وإليك أنبنا} أي رجعنا {وإليك المصير} لك الرجوع في الآخرة {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} أي لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك.
وقيل : لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا.
{واغفر لنا} ذنوبنا {ربنا إنك أنت العزيز الحكيم}.

تفسير ابن كثير
يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين والتبري منهم: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} أي وأتباعه الذين آمنوا معه، {إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم} أي تبرأنا منكم {ومما تعبدون من دون اللّه كفرنا بكم} أي بدينكم وطريقكم {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً} يعني وقد شرعت العدواة والبغضاء بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم {حتى تؤمنوا باللّه وحده} أي إلى أن توحدوا اللّه فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد، وقوله تعالى: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} أي لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة، تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه؛ فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم}.
وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من اللّه من شيء} أي ليس لكم في ذلك أسوة أي في الاستغفار للمشركين، هكذا قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد.
ثم قال تعالى مخبراً عن قول إبراهيم والذين معه، حين فارقوا قومهم وتبرأوا منهم، فقالوا: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} أي توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك، وإليك المصير أي المعاد في الدار الآخرة {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه، واختاره ابن جرير.
وقال ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، وقوله تعالى: {واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} أي واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك {إنك أنت العزيز} أي الذي لا يضام من لاذ بجنابك، {الحكيم} في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك، ثم قال تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر}، وهذا تأكيد لما تقدم، وقوله تعالى: {لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر} تهييج إلى ذلك لكل مؤمن باللّه والمعاد، وقوله تعالى {ومن يتول} أي عما أمر اللّه به، {فإن اللّه هو الغني الحميد}، كقوله تعالى {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد}، وقال ابن عباس: {الغني} الذي قد كمل في غناه، وهو اللّه ليس كمثله شيء، و{الحميد} المستحمد إلى خلقه، أي هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله، لا إله غيره ولا رب سواه.

الترجمة الانجليزية:

You have an excellent model in Abraham and those who were with him, when he said to his people: "We are through with you, and those you worship other than God. We reject you. Enmity and hate have come between you and us for ever, unless you believe in God the One," -- except for what he said to his father: "I shall ask forgiveness for you, but I have no power to prevail with God for you." "O Lord, we place our trust in You, and turn to You in penitence, and to You is our returning.


سورة الممتحنة آية 5
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) أي لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتنوا أي تذهب عقولهم بنا (واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم) في ملكك وصنعك

تفسير القرطبي
قوله تعالى {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم} لما نهى عز وجل عن مولاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار؛ أي فاقتدوا به وأتموا؛ إلا في استغفاره لأبيه.
والأسوة ما يتأسى به، مثل القدوة والقدوة.
ويقال : هو أسوتك؛ أي مثلك وأنت مثله.
وقرأ عاصم {أسوة} بضم الهمزة لغتان.
{والذين معه} يعني أصحاب إبراهيم من المؤمنين.
وقال ابن زيد : هم الأنبياء {إذ قالوا لقومهم} الكفار {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} أي الأصنام.
وبرآء جمع بريء؛ مثل شريك وشركاء، وظريف وظرفاء.
وقراءة العامة على وزن فعلاء.
وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق {براء} بكسر الباء على وزن فعال؛ مثل قصير وقصار، وطويل وطوال، وظريف وظراف.
ويجوز ترك الهمزة حتى تقول : براً؛ وتنون.
وقرئ {براء} على الوصف بالمصدر.
وقرئ {براء} على إبدال الضم من الكسر؛ كرخال ورباب.
والآية نص في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في فعله.
وذلك يصحح أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله.
{كفرنا بكم} أي بما آمنتم به من الأوثان.
وقيل : أي بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق.
{وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم {حتى تؤمنوا بالله وحده} فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين؛ فإنه كان عن موعدة منه له قاله قتادة ومجاهد وغيرهما.
وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه، ثم بين عذره في سورة التوبة .
وفي هذا دلالة على تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء؛ لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر : 7] وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض أفعاله.
وقيل : هو استثناء منقطع؛ أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم، فلما بان له أنه لم يسلم تبرأ منه.
وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم؛ وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن، فلم توالوهم.
{وما أملك لك من الله من شيء} هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه؛ أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به.
{ربنا عليك توكلنا} هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه.
وقيل : علم المؤمنين أن يقولوا هذا.
أي تبرءوا من الكفار وتوكلوا على الله وقولوا {ربنا عليك توكلنا} أي اعتمدنا {وإليك أنبنا} أي رجعنا {وإليك المصير} لك الرجوع في الآخرة {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} أي لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك.
وقيل : لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا.
{واغفر لنا} ذنوبنا {ربنا إنك أنت العزيز الحكيم}.

تفسير ابن كثير
يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين والتبري منهم: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} أي وأتباعه الذين آمنوا معه، {إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم} أي تبرأنا منكم {ومما تعبدون من دون اللّه كفرنا بكم} أي بدينكم وطريقكم {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً} يعني وقد شرعت العدواة والبغضاء بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم {حتى تؤمنوا باللّه وحده} أي إلى أن توحدوا اللّه فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد، وقوله تعالى: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} أي لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة، تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه؛ فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم}.
وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من اللّه من شيء} أي ليس لكم في ذلك أسوة أي في الاستغفار للمشركين، هكذا قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد.
ثم قال تعالى مخبراً عن قول إبراهيم والذين معه، حين فارقوا قومهم وتبرأوا منهم، فقالوا: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} أي توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك، وإليك المصير أي المعاد في الدار الآخرة {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه، واختاره ابن جرير.
وقال ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، وقوله تعالى: {واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} أي واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك {إنك أنت العزيز} أي الذي لا يضام من لاذ بجنابك، {الحكيم} في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك، ثم قال تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر}، وهذا تأكيد لما تقدم، وقوله تعالى: {لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر} تهييج إلى ذلك لكل مؤمن باللّه والمعاد، وقوله تعالى {ومن يتول} أي عما أمر اللّه به، {فإن اللّه هو الغني الحميد}، كقوله تعالى {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد}، وقال ابن عباس: {الغني} الذي قد كمل في غناه، وهو اللّه ليس كمثله شيء، و{الحميد} المستحمد إلى خلقه، أي هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله، لا إله غيره ولا رب سواه.

الترجمة الانجليزية:

O Lord, make us not an example of punishment for infidels, and forgive us, O Lord. You are all-mighty and all-wise."