بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 120
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة المائدة آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة المائدة [مدنية وآياتها 120 أو 122 أو 123 آية نزلت بعد الفتح] 1 - (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) العهود المؤكدة التي بينكم وبين الله والناس (أحلت لكم بهيمة الأنعام) الإبل والبقر والغنم أكلاً بعد الذبح (إلا ما يتلى عليكم) تحريمه في {حرمت عليكم الميتة} الآية ، فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلاً والتحريم لما عرض من الموت ونحوه (غير محلي الصيد وأنتم حرم) أي مُحرِمون ونصب غير على الحال من ضمير لكم (إن الله يحكم ما يريد) من التحليل وغيره لا اعتراض عليه

تفسير القرطبي
فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا} قال علقمة : كل ما في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فهو مدني و{يا أيها الناس} [النساء : 1] فهو مكي؛ وهذا خرج على الأكثر، وقد تقدم.
وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام؛ فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود؛ الثاني : تحليل بهيمة الأنعام؛ الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك؛ الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد؛ الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.
وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه؛ فأحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد؛ إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد.
الثانية: قوله تعالى {أوفوا} يقال : وفى وأوفى لغتان : قال الله تعالى {ومن أوفى بعهده من الله}[التوبة : 111] ، وقال تعالى {وإبراهيم الذي وفى} [النجم : 37] وقال الشاعر : أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ** كما وفى بقلاص النجم حاديها فجمع بين اللغتين {بالعقود} العقود الربوط، واحدها عقد؛ يقال : عقدت العهد والحبل، وعقدت العسل فهو يستعمل في المعاني والأجسام؛ قال الحطيئة : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ** شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود؛ قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه؛ من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة؛ وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام.
وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة؛ قال ابن العربي.
ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب؛ لقوله تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران : 187].
قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت.
وقيل : هي عامة وهو الصحيح؛ فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب؛ لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم مأمورون بذلك في قوله {أوفوا بالعقود} وغير موضع.
قال ابن عباس {أوفوا بالعقود} معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء؛ وكذلك قال مجاهد وغيره.
وقال ابن شهاب : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : (هذا بيان للناس من الله ورسوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} فكتب الآيات فيها إلى قوله {إن الله سريع الحساب} [المائدة : 4] ).
وقال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض.
وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب؛ قال صلى الله عليه وسلم : (المؤمنون عند شروطهم) وقال : (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله؛ فإن ظهر فيها ما يخالف رد؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
ذكر ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبدالله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته؛ فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : (لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعي به في الإسلام لأجبت).
وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام : (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم؛ فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله.
قال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد؛ فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول.
قال عبدالله بن الزبير : وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا؛ وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك؛ وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمي فقال مثل ذلك؛ فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه.
الثالثة: قوله تعالى {أحلت لكم بهيمة الأنعام} الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله؛ وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، يأتي بيانها؛ فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية، والآراء الفاسدة الباطلة.
واختلف في معنى {بهيمة الأنعام} والبهيمة اسم لكل ذي أربع؛ سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها؛ ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له.
و {الأنعام} : الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك للين مشيها؛ قال الله تعالى {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع} [النحل : 5] إلى قوله {وتحمل أثقالكم} [النحل : 7] ، وقال تعالى {ومن الأنعام حمولة وفرشا} [الأنعام : 142] يعني كبارا وصغارا؛ ثم بينها فقال {ثمانية أزواج} [الأنعام : 143] إلى قوله {أم كنتم شهداء} [البقرة : 133] وقال تعالى {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها} [النحل : 80] يعني الغنم {وأوبارها} يعني الإبل {وأشعارها} يعني المعز؛ فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الأنعام لهذه الأجناس؛ الإبل والبقر والغنم؛ وهو قول ابن عباس والحسن.
قال الهروي : وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة.
وقال الطبري : وقال قوم {بهيمة الأنعام} وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك.
وذكره غير الطبري والربيع وقتادة والضحاك، كأنه قال : أحلت لكم الأنعام، فأضيف الجنس إلى أخص منه.
قال ابن عطية : وهذا قول حسن؛ وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام؛ فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع.
قلت : فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك؛ لأن الله تعالى قال {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع} [النحل : 5] ثم عطف عليها قوله{والخيل والبغال والحمير} [النحل : 8] فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها؛ والله أعلم.
وقيل {بهيمة الأنعام} ما لم يكن صيدا؛ لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة، وهذا راجع إلى القول الأول.
وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال {بهيمة الأنعام} الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات؛ فهي تؤكل دون ذكاة، وقاله ابن عباس وفيه بعد؛ لأن الله تعالى قال {إلا ما يتلى عليكم} وليس في الأجنة ما يستثنى؛ قال مالك : ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه؛ فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى، وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه، فقيل : هو ذكي.
وقيل : ليس بذكي؛ وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
الرابعة: قوله تعالى {إلا ما يتلى عليكم} أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى{حرمت عليكم الميتة} [المائدة : 3] وقوله عليه الصلاة والسلام : (وكل ذي ناب من السباع حرام).
فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة؛ قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله؛ والدليل عليه أمران : أحدهما : حديث العسيف (لأقضين بينكما بكتاب الله) والرجم ليس منصوصا في كتاب الله.
الثاني : حديث ابن مسعود : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؛ الحديث.
وسيأتي في سورة الحشر.
ويحتمل {إلا ما يتلى عليكم} الآن أو {ما يتلى عليكم} فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة.
الخامسة: قوله تعالى {غير محلي الصيد} أي ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين.
واختلف النحاة في {إلا ما يتلى} هل هو استثناء أو لا ؟ فقال البصريون : هو استثناء من {بهيمة الأنعام} و {غير محلي الصيد} استثناء آخر أيضا منه؛ فالاستثناءان جميعا من قوله {بهيمة الأنعام} وهي المستثنى منها؛ التقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون؛ بخلاف قوله {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين.
إلا آل لوط} [الحجر : 58 - 59] على ما يأتي.
وقيل : هو مستثنى مما يليه من الاستثناء؛ فيصير بمنزلة قوله عز وجل {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام؛ لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى {إلا ما يتلى عليكم} مستثنى من الإباحة؛ وهذا وجه ساقط؛ فإذاً معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد.
ويجوز أن يكون معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم.
وأجاز الفراء أن يكون {إلا ما يتلى عليكم} في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا؛ ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد.
والنصب عنده بأن {غير محلي الصيد} نصب على الحال مما في {أوفوا}؛ قال الأخفش : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد.
وقال غيره : حال من الكاف والميم في {لكم} والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد.
ثم قيل : يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس، أي لا تحلوا الصيد في حال الإحرام، ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيدا في وقت الإحرام؛ كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة.
فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى : غير محلين الصيد، فحذفت النون تخفيفا.
السادسة: قوله تعالى {وأنتم حرم} يعني الإحرام بالحج والعمرة؛ يقال : رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج؛ ومنه قول الشاعر : فقلت لها فيئي إليك فإنني ** حرام وإني بعد ذاك لبيب أي ملبّ، وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما.
ويقال : أحرم دخل في الحرم؛ فيحرم صيد الحرم أيضا.
وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب {حرم} بسكون الراء؛ وهي لغة تميمية يقولون في رسل : رسل وفي كتب كتب ونحوه.
السابعة: قوله تعالى {إن الله يحكم ما يريد} تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب؛ أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبه، فإن الذي هو مالك الكل {يحكم ما يريد} {لا معقب لحكمه} [الرعد : 41] يشرع ما يشاء كما يشاء.

تفسير ابن كثير
قال ابن أبي حاتم عن معن وعوف، أو أحدهما: أن رجلا أتى عبد اللّه بن مسعود، فقال: اعهد إليّ، فقال: إذا سمعت اللّه يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
وعن خيثمة قال: كل شيء في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فهو في التوراة يا أيها المساكين.
وكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتابا لعمرو بن حزام، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنّة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب: (بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من اللّه ورسوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} عهد من محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمرو بن حزام حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلهن فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) ""رواه ابن أبي حاتم وأخرج مثله ابن جرير""وقوله تعالى: {أوفوا بالعقود}، قال ابن عباس يعني بالعقود: العهود؛ قال: والعهود: ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره؛ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس العهود: يعني ما أحل اللّه وما حرم، وما فرض وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال تعالى: {والذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل}، إلى قوله: {سوء الدار} وقال الضحاك: {أوفوا العقود} قال: ما أحل اللّه وحرم وما أخذ اللّه من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ اللّه عليهم من الفرائض من الحلال والحرام، وقال زيد بن أسلم: {أوفوا بالعقود} قال: هي ستة، عهد اللّه، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد اليمين.
وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في البيع بهذه الآية {أوفوا بالعقود}، قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، ويقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وفي لفظ آخر للبخاري؛(إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا)، وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود.
وقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} هي الإبل والبقر والغنم، قاله قتادة وغير واحد، قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن.
عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول اللّه ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة، في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: (كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه)، وقال أبو داود عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) وقوله: {إلا ما يتلى عليكم} قال ابن عباس: يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير، وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم اللّه عليه، والظاهر - واللّه أعلم - أن المراد بذلك قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع}، فإن هذه وإن كانت من الأنعام، إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: {إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب} يعني منها، فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} أي إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال، والمراد بالأنعام ما تعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثني من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام: وقيل المراد، أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، لقوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن اللّه غفور رحيم}، أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد، وهكذا هنا، أي كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن اللّه قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال اللّه تعالى: {إن اللّه يحكم ما يريد}.
ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر اللّه} قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج، وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر اللّه، وقيل: شعائر اللّه محارمه، أي لا تحلوا محارم اللّه التي حرمها اللّه تعالى، ولهذا قال تعالى: {ولا الشهر الحرام} يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى اللّه عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير}، وقال تعالى: {إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا} الآية، وفي صحيح البخاري: عن أبي بكرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في حجة الوداع: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض.
السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)، وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: {ولا الشهر الحرام} يعني لا تستحلوا القتال فيه، واختاره ابن جرير أيضا، وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن اللّه قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة.
وقوله تعالى: {ولا الهدي ولا القلائد} يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر اللّه، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعا، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهلَّ للحج والعمرة، وكان هديه إبلا كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان؛ كما قال تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب} وقال بعض السلف: إعظامها استحسانها واستسمانها، قال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن.
رواه أهل السنن ، وقال مقاتل بن حيان قوله: {ولا القلائد} فلا تستحلوها، وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به.
وقوله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام يتبغون فضلا من ربهم ورضوانا } أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت اللّه الحرام الذي من دخله كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل اللّه، وراغبا في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه، قال مجاهد وعطاء في قوله: {يبتغون فضلا من ربهم} يعني بذلك التجارة وهذا كما تقدم في قوله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} وقوله: {ورضوانا } قال ابن عباس: يترضون اللّه بحجهم، وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن هذه الآية نزلت في الحطيم بن هند البكري ، كان قد أغار على سرح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، فأنزل اللّه عز وجلَّ: {ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } ""أخرج ابن جرير: أن الحطيم قدم المدينة في عير له يحمل طعاما فباعه ثم دخل على النبي صلى اللّه عليه وسلم فبايعه واسلم، فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام، وخرج في عير له يريد مكة، فتهيأ له نفر من المهاجرين والأنصار ليقطعوه في عيره، فأنزل اللّه هذه الآية"" وقد حكى ابن جرير بالإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس، وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم، واللّه أعلم، فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، ولهذا بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام تسع لما أمَّر الصديقُ على الحجيج علياً، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وقال ابن عباس قوله {ولا آمين البيت الحرام}: يعني من توجه قِبَل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون، فنهى اللّه المؤمنين أن يمنعوا أحداً من مؤمن أو كافر، ثم أنزل اللّه بعدها: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} الآية، وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه} وقال: {إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر} فنفى المشركين من المسجد الحرام.
وقال قتادة في قوله {ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} قال: منسوخ.
كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر، فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة من شعر، فلم يعرض له أحد ونقل: أن الآية نزلت في الحطيم البكري، وشريح بن ضبيعة القيسي وكانا معتمرين، والحطيم: هو الذي قال فيه الرسول (دخل بوجه كافر، وخرج بقنا غادر) وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
وقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} أي إذا فرغتم من أحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر، وقوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم اللّه فيهم فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى اللّه فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه، والعدل به قامت السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل اللّه هذه الآية.
والشنآن: هو البغض، قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآنا بالتحريك، وقال ابن جرير: من العرب من يسقط بالتحريك في شنآن فيقول: شنان، ولم أعلم أحدا قرأ بها، ومنه قول الشاعر: وما العيش إلا ما تحب وتشتهي * وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا وقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير الإثم: ترك ما أمر اللّه بفعله، والعدوان مجاوزة ما حد اللّه في دينكم ومجاوزة ما فرض اللّه عليكم في أنفسكم وفي غيركم.
وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما) قيل: يارسول الله هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما! قال: (تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره)،""رواه البخاري وأحمد عن أنَس بن مالك""، وقال أحمد عن يحيى بن وثاب - رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم - قال: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم أعظم أجرا ) وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(الدال على الخير كفاعله)، وفي الصحيح:(من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)

الترجمة الانجليزية:

O YOU WHO believe, fulfil your obligations. Made lawful (as food) for you are animals except those mentioned (here); but unlawful during Pilgrimage is game. God ordains whatsoever He wills.


سورة المائدة آية 2
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) جمع شعيرة ، أي معالم دينه بالصيد في الإحرام (ولا الشهر الحرام) بالقتال فيه (ولا الهدي) ما أهدي إلى الحرم من النعم بالتعرض له (ولا القلائد) جمع قلادة وهي ما كان يقلد به من شجر الحرم ليأمن أي فلا تتعرضوا لها ولا لأصحابها (ولا) تحلوا (آمين) قاصدين (البيت الحرام) بأن تقاتلوهم (يبتغون فضلا) رزقا (من ربهم) بالتجارة (ورضوانا) منه بقصده بزعمهم الفاسد ، وهذا منسوخ بآية براءة (وإذا حللتم) من الإحرام (فاصطادوا) أمر إباحة (ولا يجرمنكم) يكسبنكم (شنآن) بفتح النون وسكونها ، بغض (قوم) لأجل (أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا) عليهم بالقتل وغيره (وتعاونوا على البر) بفعل ما أُمرتم به (والتقوى) بترك ما نهيتم عنه (ولا تعاونوا) فيه حذف إحدى التاءين في الأصل (على الإثم) المعاصي (والعدوان) التعدي في حدود الله (واتقوا الله) خافوا عقابه بأن تطيعوه (إن الله شديد العقاب) لمن خالفه

تفسير القرطبي
فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى {لا تحلوا شعائر الله} خطاب للمؤمنين حقا؛ أي لا تتعدوا حدود الله في أمر من الأمور.
والشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة.
وقال ابن فارس : ويقال للواحدة شعارة؛ وهو أحسن.
والشعيرة البدنة تهدى، وإشعارها أن يجز سنامها حتى يسيل منه الدم فيعلم أنها هدي.
والإشعار الإعلام من طريق الإحساس؛ يقال : أشعر هديه أي جعل له علامة ليعرف أنه هدي؛ ومنه المشاعر المعالم، واحدها مشعر وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات.
ومنه الشعر، لأنه يكون بحيث يقع الشعور؛ ومنه الشاعر؛ لأنه يشعر بفطنته لما لا يفطن له غيره؛ ومنه الشعير لشعرته التي في رأسه؛ فالشعائر على قول ما أشعر من الحيوانات لتهدى إلى بيت الله، وعلى قول جميع مناسك الحج؛ قال ابن عباس.
وقال مجاهد : الصفا والمروة والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر.
وقال الشاعر : نقتلهم جيلا فجيلا تراهم ** شعائر قربان بها يتقرب وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم؛ فأنزل الله تعالى {لا تحلوا شعائر الله}.
وقال عطاء بن أبي رباح : شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه.
وقال الحسن : دين الله كله؛ كقوله {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج : 32] أي دين الله.
قلت : وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره لعمومه.
وقد اختلف العلماء في إشعار الهدي وهي: الثانية: فأجازه الجمهور؛ ثم اختلفوا في أي جهة يشعر؛ فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور : يكون في الجانب الأيمن؛ وروي عن ابن عمر.
وثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن؛ أخرجه مسلم وغيره وهو الصحيح.
وروي أنه أشعر بدنه من الجانب الأيسر؛ قال أبو عمر بن عبدالبر : هذا عندي حديث منكر من حديث ابن عباس؛ والصحيح حديث مسلم عن ابن عباس، قال : ولا يصح عنه غيره.
وصفحة السنام جانبه، والسنام أعلى الظهر.
وقالت طائفة : يكون في الجانب الأيسر؛ وهو قول مالك، وقال : لا بأس به في الجانب الأيمن.
وقال مجاهد : من أي الجانبين شاء؛ وبه قال أحمد في أحد قوليه.
ومنع من هذا كله أبو حنيفة وقال : إنه تعذيب للحيوان، والحديث يرد عليه؛ وأيضا فذلك يجري مجرى الوسم الذي يعرف به الملك كما تقدم؛ وقد أوغل ابن العربي على أبي حنيفة في الرد والإنكار حين لم ير الإشعار فقال : كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة في الشريعة ! لهي أشهر منه في العلماء.
قلت : والذي رأيته منصوصا في كتب علماء الحنفية الإشعار مكروه من قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سنة بل هو مباح؛ لأن الإشعار لما كان إعلاما كان سنة بمنزلة التقليد، ومن حيث أنه جرح ومثلة كان حراما، فكان مشتملا على السنة والبدعة فجعل مباحا.
ولأبي حنيفة أن الإشعار مثلة وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان فكان مكروها، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في أول الابتداء حين كانت العرب تنتهب كل مال إلا ما جعل هديا، وكانوا لا يعرفون الهدي إلا بالإشعار ثم زال لزوال العذر؛ هكذا روي عن ابن عباس.
وحكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى أنه قال : يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في البضع على وجه يخاف منه السراية، أما ما لم يجاوز الحد فعل كما كان يفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حسن؛ وهكذا ذكر أبو جعفر الطحاوي.
فهذا اعتذار علماء الحنفية لأبي حنيفة عن الحديث الذي ورد في الإشعار، فقد سمعوه ووصل إليهم وعلموه؛ قالوا : وعلى القول بأنه مكروه لا يصير به أحد محرما؛ لأن مباشرة المكروه لا تعد من المناسك.
الثالثة: قوله تعالى {ولا الشهر الحرام} اسم مفرد يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي أربعة : واحد فرد وثلاثة سرد، يأتي بيانها في {براءة}؛ والمعنى : لا تستحلوها للقتال ولا للغارة ولا تبدلوها؛ فإن استبدالها استحلال، وذلك ما كانوا يفعلونه من النسيء؛ وكذلك قوله {ولا الهدي ولا القلائد} أي لا تستحلوه، وهو على حذف مضاف أي ولا ذوات القلائد جمع قلادة.
فنهى سبحانه عن استحلال الهدي جملة، ثم ذكر المقلد منه تأكيدا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد.
الرابعة: قوله تعالى {ولا الهدي ولا القلائد} الهدي ما أهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة؛ الواحدة هَدْية وهَدِيَّة وهدي.
فمن قال : أراد بالشعائر المناسك قال : ذكر الهدي تنبيها على تخصيصها.
ومن قال : الشعائر الهدي قال : إن الشعائر ما كان مشعرا أي معلما بإسالة الدم من سنامه، والهدي ما لم يشعر، اكتفى فيه بالتقليد.
وقيل : الفرق أن الشعائر هي البدن من الأنعام.
والهدي البقر والغنم والثياب وكل ما يهدى.
وقال الجمهور : الهدي عاما في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : (المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة) إلى أن قال : (كالمهدي بيضة) فسماها هديا؛ وتسمية البيضة هديا لا محمل له إلا أنه أراد به الصدقة؛ وكذلك قال العلماء : إذا قال جعلت ثوبي هديا فعليه أن يتصدق به؛ إلا أن الإطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه، وهذا إنما تلقي من عرف الشرع في قوله تعالى {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة : 196] وأراد به الشاة؛ وقال تعالى {يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة}[المائدة : 95] وقال تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة : 196] وأقله شاة عند الفقهاء.
وقال مالك : إذا قال ثوبي هدي يجعل ثمنه في هدي.
{والقلائد} ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم؛ فهو على حذف مضاف، أي ولا أصحاب القلائد ثم نسخ.
قال ابن عباس : آيتان نسختا من المائدة آية القلائد وقوله {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة : 42] فأما القلائد فنسخها الأمر بقتل المشركين حيث كانوا وفي أي شهر كانوا.
وأما الأخرى فنسخها قوله تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة : 49] على ما يأتي.
وقيل : أراد بالقلائد نفس القلائد؛ فهو نهي عن أخذ لحاء شجر الحرم حتى يتقلد به طلبا للأمن؛ قاله مجاهد وعطاء ومطرف بن الشخير.
والله أعلم.
وحقيقة الهدي كل معطى لم يذكر معه عوض.
واتفق الفقهاء على أن من قال : لله علي هدي أنه يبعث بثمنه إلى مكة.
وأما القلائد فهي كل ما علق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة أنه لله سبحانه؛ من نعل أو غيره، وهي سنة إبراهيمية بقيت في الجاهلية وأقرها الإسلام، وهي سنة البقر والغنم.
قالت عائشة رضي الله عنها : أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها؛ أخرجه البخاري ومسلم؛ وإلى هذا صار جماعة من العلماء : الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب؛ وأنكره مالك وأصحاب الرأي وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم، أو بلغ لكنهم ردوه لانفراد الأسود به عن عائشة رضي الله عنها؛ فالقول به أولى.
والله أعلم.
وأما البقر فإن كانت لها أسنمة أشعرت كالبدن؛ قال ابن عمر؛ وبه قال مالك.
وقال الشافعي : تقلد وتشعر مطلقا ولم يفرقوا.
وقال سعيد بن جبير : تقلد ولا تشعر؛ وهذا القول أصح إذ ليس لها سنام، وهي أشبه بالغنم منها بالإبل.
والله أعلم.
الخامسة: واتفقوا فيمن قلد بدنة على نية الإحرام وساقها أنه يصير محرما؛ قال الله تعالى {لا تحلوا شعائر الله} إلى أن قال {فاصطادوا} ولم يذكر الإحرام لكن لما ذكر التقليد عرف أنه بمنزلة الإحرام.
السادسة: فإن بعث بالهدي ولم يسق بنفسه لم يكن محرما؛ لحديث عائشة قالت : أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي؛ ثم قلدها بيديه، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي؛ أخرجه البخاري، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء.
وروي عن ابن عباس أنه قال : يصير محرما؛ قال ابن عباس : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي؛ رواه البخاري؛ وهذا مذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي؛ واحتجوا بحديث جابر بن عبدالله قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فقد قميصه من جيبه ثم أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي) وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة.
في إسناده عبدالرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة وهو ضعيف.
فإن قلد شاة وتوجه معها فقال الكوفيون : لا يصير محرما؛ لأن تقليد الشاة ليس بمسنون ولا من الشعائر؛ لأنه يخاف عليها الذئب فلا تصل إلى الحرم بخلاف البدن؛ فإنها تترك حتى ترد الماء وترعى الشجر وتصل إلى الحرم.
وفي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت : فتلت قلائدها من عهن كان عندي.
العهن الصوف المصبوغ؛ ومنه قوله تعالى {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة : 5].
السابعة: ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قلد أو أشعر؛ لأنه قد وجب، وإن مات موجبه لم يورث عنه ونفذ لوجهه؛ بخلاف الأضحية فإنها لا تجب إلا بالذبح خاصة عند مالك إلا أن يوجبها بالقول؛ فإن أوجبها بالقول قبل الذبح فقال : جعلت هذه الشاة أضحية تعينت؛ وعليه؛ إن تلفت ثم وجدها أيام الذبح أو بعدها ذبحها ولم يجز له بيعها؛ فإن كان اشترى أضحية غيرها ذبحهما جميعا في قول أحمد وإسحاق.
وقال الشافعي : لا بدل عليه إذا ضلت أو سرقت، إنما الإبدال في الواجب.
وروي عن ابن عباس أنه قال : إذا ضلت فقد أجزأت.
ومن مات يوم النحر قبل أن يضحي كانت ضحيته موروثة عنه كسائر ماله بخلاف الهدي.
وقال أحمد وأبو ثور : تذبح بكل حال.
وقال الأوزاعي : تذبح إلا أن يكون عليه دين لا وفاء له إلا من تلك الأضحية فتباع في دينه.
ولو مات بعد ذبحها لم يرثها عنه ورثته، وصنعوا بها من الأكل والصدقة ما كان له أن يصنع بها، ولا يقتسمون لحمها على سبيل الميراث.
وما أصاب الأضحية قبل الذبح من العيوب كان على صاحبها بدلها بخلاف الهدي، هذا تحصيل مذهب مالك.
وقد قيل في الهدي على صاحبه البدل؛ والأول أصوب.
والله أعلم.
الثامنة: قوله تعالى {ولا آمين البيت الحرام} يعني القاصدين له؛ من قولهم أممت كذا أي قصدته.
وقرأ الأعمش {ولا آمي البيت الحرام} بالإضافة كقوله {غير محلي الصيد} والمعنى : لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبد والقربة؛ وعليه فقيل : ما في هذه الآيات من نهي عن مشرك، أو مراعاة حرمة له بقلادة، أو أم البيت فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة : 5] وقوله {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة : 28] فلا يمكن المشرك من الحج، ولا يؤمن في الأشهر الحرم وإن أهدى وقلد وحج؛ روي عن ابن عباس وقاله ابن زيد على ما يأتي ذكره.
وقال قوم : الآية محكمة لم تنسخ وهي في المسلمين، وقد نهى الله عن إخافة من يقصد بيته من المسلمين.
والنهي عام في الشهر الحرام وغيره؛ ولكنه خص الشهر الحرام بالذكر تعظيما وتفضيلا؛ وهذا يتمشى على قول عطاء؛ فإن المعنى لا تحلوا معالم الله، وهي أمره ونهيه وما أعلمه الناس فلا تحلوه؛ ولذلك قال أبو ميسرة : هي محكمة.
وقال مجاهد : لم ينسخ منها إلا {القلائد} وكان الرجل يتقلد بشيء من لحاء الحرم فلا يقرب فنسخ ذلك.
وقال ابن جريج : هذه الآية نهي عن الحجاج أن تقطع سبلهم.
وقال ابن زيد : نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة؛ جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون فقال المسلمون : يا رسول الله إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم؛ فنزل القرآن {ولا آمين البيت الحرام}.
وقيل : كان هذا لأمر شريح بن ضبيعة البكري - ويلقب بالحطم - أخذته جند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في عمرته فنزلت هذه الآية، ثم نسخ هذا الحكم كما.
ذكرنا.
وأدرك الحطم هذا ردة اليمامة فقتل مرتدا وقد روي من خبره أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وخلف خيله خارج المدينة فقال : إلام تدعو الناس ؟ فقال : (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) فقال : حسن، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : (يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان) ثم خرج من عنده فقال عليه الصلاة والسلام : (لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم).
فمر بسرح المدينة فاستاقه؛ فطلبوه فعجزوا عنه، فانطلق وهو يقول : قد لفها الليل بسوّاق حطم ** ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم ** باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم ** خدلج الساقين خفاق القدم فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام القضة سمع تلبية حجاج اليمامة فقال : (هذا الحطم وأصحابه).
وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى مكة، فتوجهوا في طلبه؛ فنزلت الآية، أي لا تحلوا ما أشعر لله وإن كانوا مشركين؛ ذكره ابن عباس.
التاسعة: وعلى أن الآية محكمة قوله تعالى {لا تحلوا شعائر الله} يوجب إتمام أمور المناسك؛ ولهذا قال العلماء : إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك شيئا منها وإن فسد حجه؛ ثم عليه القضاء في السنة الثانية.
العاشرة: قوله تعالى {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} قال فيه جمهور المفسرين : معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم.
وقيل : كان منهم من يبتغي التجارة، ومنهم من يطلب بالحج رضوان الله وإن كان لا يناله؛ وكان من العرب من يعتقد جزاء بعد الموت، وأنه يبعث، ولا يبعد أن يحصل له نوع تخفيف في النار.
قال ابن عطية : هذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم؛ لتنبسط النفوس، وتتداخل الناس، ويردون الموسم فيستمعون القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي كان.
وهذه الآية نزلت عام الفتح فنسخ الله ذلك كله بعد عام سنة تسع؛ إذ حج أبو بكر ونودي الناس بسورة {براءة}.
الحادية عشرة: قوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} أمر إباحة - بإجماع الناس - رفع ما كان محظورا بالإحرام؛ حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح، بل صيغة [أفعل] الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب؛ وهو مذهب القاضي أبي الطيب وغيره؛ لأن المقتضي للوجوب قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعا؛ دليله قوله تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة : 5] فهذه [أفعل] على الوجوب؛ لأن المراد بها الجهاد، وإنما فهمت الإباحة هناك وما كان مثله من قوله {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا}[الجمعة : 10] {فإذا تطهرن فأتوهن} من النظر إلى المعنى والإجماع، لا من صيغة الأمر.
والله أعلم.
الثانية عشرة: قوله تعالى {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام} أي لا يحملنكم؛ عن ابن عباس وقتادة، وهو قول الكسائي وأبي العباس.
وهو يتعدى إلى مفعولين؛ يقال : جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه؛ قال الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ** جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا وقال الأخفش : أي ولا يحقنكم.
وقال أبو عبيدة والفراء : معنى {لا يجرمنكم} أي لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم، قال عليه السلام : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) وقد مضى القول في هذا.
ونظير هذه الآية {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة : 194] وقد تقدم مستوفى.
ويقال : فلان جريمة أهله أي كاسبهم، فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب وأجرم فلان أي اكتسب الإثم.
ومنه قول الشاعر : جريمة ناهض في رأس نيق ** ترى لعظام ما جمعت صليبا معناه كاسب قوت، والصليب الودك، وهذا هو الأصل في بناء ج ر م.
قال ابن فارس : يقال جرم وأجرم، ولا جرم بمنزلة قولك : لا بد ولا محالة؛ وأصلها من جرم أي اكتسب، قال : جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا وقال آخر : يا أيها المشتكي عكلا وما جرمت ** إلى القبائل من قتل وإباس ويقال : جرَم يجرِم جرما إذا قطع؛ قال الرماني علي بن عيسى : وهو الأصل؛ فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب، وجرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه.
وقال الخليل {لا جرم أن لهم النار} [النحل : 62] لقد حق أن لهم العذاب.
وقال الكسائي : جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد، أي اكتسب.
وقرأ ابن مسعود {يجرمنكم} بضم الياء، والمعنى أيضا لا يكسبنكم؛ ولا يعرف البصريون الضم، وإنما يقولون : جرم لا غير.
والشنآن البغض.
وقرئ بفتح النون وإسكانها؛ يقال : شنئت الرجل أشنؤه شنْأ وشنأة وشنْآنا وشنَآنا بجزم النون، كل ذلك إذا أبغضته؛ أي لا يكسبنكم بغض قوم بصدهم إياكم أن تعتدوا؛ والمراد بغضكم قوما، فأضاف المصدر إلى المفعول.
قال ابن زيد : لما صد المسلمون عن البيت عام الحديبية مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة؛ فقال المسلمون : نصدهم كما صدنا أصحابهم، فنزلت هذه الآية؛ أي لا تعتدوا على هؤلاء، ولا تصدوهم {أن صدوكم} أصحابهم، بفتح الهمزة مفعول من أجله؛ أي لأن صدوكم.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة {إن صدوكم} وهو اختيار أبي عبيد.
وروي عن الأعمش {إن يصدوكم}.
قال ابن عطية : فإن للجزاء؛ أي إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل.
والقراءة الأولى أمكن في المعنى.
وقال النحاس : وأما {إن صدوكم} بكسر {إن} فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء : منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المسلمين عام الحديبية سنة ست، فالصد كان قبل الآية؛ وإذا قرئ بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده؛ كما تقول : لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك؛ فهذا لا يكون إلا للمستقبل، وإن فتحت كان للماضي، فوجب على هذا ألا يجوز إلا {أن صدوكم}.
وأيضا فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجبا؛ لأن قوله {لا تحلوا شعائر الله} إلى آخر الآية يدل على أن مكة كانت في أيديهم، وأنهم لا ينهون عن هذا إلا وهم قادرون على الصد عن البيت الحرام، فوجب من هذا فتح {أن} لأنه لما مضى.
قوله تعالى {أن تعتدوا} في موضع نصب؛ لأنه مفعول به، أي لا يجرمنكم شنآن قوم الاعتداء.
وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد {شنْآن} بإسكان النون؛ لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة؛ وخالفهما غيرهما وقال : ليس هذا مصدرا ولكنه اسم الفاعل على وزن كسلان وغضبان.
الثالثة عشرة: قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} قال الأخفش : هو مقطوع من أول الكلام، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى؛ أي ليعن بعضكم بعضا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه؛ وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (الدال على الخير كفاعله).
وقد قيل : الدال على الشر كصانعه.
ثم قيل : البر والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة، إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر.
قال ابن عطية : وفي هذا تسامح ما، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز.
وقال الماوردي : ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته.
وقال ابن خويز منداد في أحكامه : والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه؛ فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم).
ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه.
ثم نهى فقال {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن {العدوان} وهو ظلم الناس.
ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا فقال {واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.

تفسير ابن كثير
.
.
.

الترجمة الانجليزية:

O you who believe, do not violate the (sanctity of) offerings to God, nor the rites of the holy month, nor sacrificial cattle with garlands (that are brought to the Ka´bah), nor of the people who flock to the Holy House seeking the bounties of their Lord, and His pleasure. Hunt when you have laid aside the robe of the pilgrim. And do not let your hatred of a people who had barred you from the Holy Mosque lead you to aggression. But help one another in goodness and piety, and do not assist in crime and rebellion, and fear God. Surely God is severe in punishment.


سورة المائدة آية 3
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (حرمت عليكم الميتة) أي أكلها (والدم) أي المسفوح كما في الأنعام (ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) بأن ذبح على اسم غيره (والمنخنقة) الميتة خنقاً (والموقوذة) المقتولة ضرباً (والمتردية) الساقطة من علو إلى أسفل فماتت (والنطيحة) المقتولة بنطح أخرى لها (وما أكل السبع) منه (إلا ما ذكيتم) أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه (وما ذبح على) اسم (النصب) جمع نصاب وهي الأصنام (وأن تستقسموا) تطلبوا القسم والحكم (بالأزلام) جمع زَلَم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام ، قِدح بكسر القاف صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا (ذلكم فسق) خروج عن الطاعة ، ونزل يوم عرفة عام حجة الوداع: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته (فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم) أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام (وأتممت عليكم نعمتي) بإكماله وقيل بدخول مكة آمنين (ورضيت) أي اخترت (لكم الإسلام ديناً فمن اضطر في مخمصة) مجاعة إلى أي أكل شيء مما حرم عليه فأكله (غير متجانف) مائل (لإثم) معصية (فإن الله غفور) له ما أكل (رحيم) به في إباحته بخلاف المائل لإثم أي المتلبس به كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل

تفسير القرطبي
فيه سبع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} تقدم القول فيه في البقرة.
الثانية: قوله تعالى {والمنخنقة} هي التي تموت خنقا، وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدمي أو اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه.
وذكر قتادة : أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها؛ وذكر نحوه ابن عباس.
الثالثة: قوله تعالى {والموقوذة} الموقوذة هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية؛ عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي؛ يقال منه : وقذه يقذه وقذا وهو وقيذ.
والوقذ شدة الضرب، وفلان وقيذ أي مثخن ضربا.
قال قتادة : كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه.
وقال الضحاك : كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها، ومنه المقتولة بقوس البندق.
وقال الفرزدق : شغارة تقذ الفصيل برجلها ** فطّارة لقوادم الأبكار وفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال : قلت يا رسول الله فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؛ فقال : (إذا رميت بالمعراض فخَزَق فكُلْه وإن أصابه بعَرضه فلا تأكله) وفي رواية (فإنه وقيذ).
قال أبو عمر : اختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر والمعراض؛ فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته؛ على ما روي عن ابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي.
وخالفهم الشاميون في ذلك؛ قال الأوزاعي في المعراض؛ كله خزق أو لم يخزق؛ فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبدالله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا؛ قال أبو عمر : هكذا ذكر الأوزاعي عن عبدالله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكره مالك عن نافع عنه.
والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة لمن لجأ إليه حديث عدي بن حاتم وفيه (وما أصاب بعرضه فلا تأكله فإنما هو وقيذ).
الرابعة: قوله تعالى {والمتردية} المتردية هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت؛ كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه؛ وهي متفعلة من الردى وهو الهلاك؛ وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها.
وإذا أصاب السهم الصيد فتردى من جبل إلى الأرض حرم أيضا؛ لأنه ربما مات بالصدمة والتردي لا بالسهم؛ ومنه الحديث (وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك) أخرجه مسلم.
وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف؛ فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة؛ فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة على ما يأتي بيانها، وبقيت هذه كلها ميتة، وهذا كله من المحكم المتفق عليه.
وكذلك النطيحة وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والأكل.
الخامسة: قوله تعالى {والنطيحة} النطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن تذكى.
وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة؛ لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان.
وقيل : نطيحة ولم يقل نطيح، وحق فعيل لا يذكر فيه الهاء كما يقال : كف خضيب ولحية دهين؛ لكن ذكر الهاء هاهنا لأن الهاء إنما تحذف من الفعيلة إذا كانت صفة لموصوف منطوق به؛ يقال : شاة نطيح وامرأة قتيل، فإن لم تذكر الموصوف أثبت الهاء فتقول : رأيت قتيلة بني فلان وهذه نطيحة الغنم؛ لأنك لو لم تذكر الهاء فقلت : رأيت قتيل بني فلان لم يعرف أرجل هو أم امرأة.
وقرأ أبو ميسرة {والمنطوحة}.
السادسة: قوله تعالى {وما أكل السبع} يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوها، هذه كلها سباع.
يقال : سبع فلان فلانا أي عضه بسنه، وسبعه أي عابه ووقع فيه.
وفي الكلام إضمار، أي وما أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع فقد فني.
ومن العرب من يوقف اسم السبع على الأسد، وكانت العرب إذا أخذ السبع شاة ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل بعضها؛ قاله قتادة وغيره وقرأ الحسن وأبو حيوة {السبْع} بسكون الباء، وهي لغة لأهل نجد.
وقال حسان في عتبة بن أبي لهب : من يرجع العام إلى أهله ** فما أكيل السبْع بالراجع وقرأ ابن مسعود {وأكيلة السَّبُع} وقرأ عبدالله بن عباس {وأكيلِ السبُع}.
السابعة: قوله تعالى {إلا ما ذكيتم} نصب على الاستثناء المتصل، عند الجمهور من العلماء والفقهاء.
وهو راجع على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة؛ فإن الذكاة عاملة فيه؛ لأن حق الاستثناء أن يكون مصروفا إلى ما تقدم من الكلام، ولا يجعل منقطعا إلا بدليل يجب التسليم له.
روى ابن عيينة وشريك وجرير عن الركين بن الربيع عن أبي طلحة الأسدي قال : سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها حتى انتثر قُصْبها فأدركت ذكاتها فذكيتها فقال : كل وما انتثر من قُصْبها فلا تأكل.
قال إسحاق بن راهويه : السنة في الشاة على ما وصف ابن عباس؛ فإنها وإن خرجت مصارينها فإنها حية بعد، وموضع الذكاة منها سالم؛ وإنما ينظر عند الذبح أحية هي أم ميتة، ولا ينظر إلى فعل هل يعيش مثلها ؟ فكذلك المريضة؛ قال إسحاق : ومن خالف هذا فقد خالف السنة من جمهور الصحابة وعامة العلماء.
قلت : وإليه ذهب ابن حبيب وذكر عن أصحاب مالك؛ وهو قول ابن وهب والأشهر من مذهب الشافعي.
قال المزني : وأحفظ للشافعي قولا آخر أنها لا تؤكل إذا بلغ منها السبع أو التردي إلى ما لا حياة معه؛ وهو قول المدنيين، والمشهور من قول مالك، وهو الذي ذكره عبدالوهاب في تلقينه، وروي عن زيد بن ثابت؛ ذكره مالك في موطئه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وجماعة المالكيين البغداديين.
والاستثناء على هذا القول منقطع؛ أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي لم يحرم.
قال ابن العربي : اختلف قول مالك في هذه الأشياء؛ فروي عنه أنه لا يؤكل إلا ما ذكي بذكاة صحيحة؛ والذي في الموطأ أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري، وهي تضطرب فليأكل؛ وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره؛ فهو أولى من الروايات النادرة.
وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها ولو أشرفت على الموت إذا كانت فيها بقية حياة؛ وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرض، وبقية حياة من سبع لو اتسق النظر، وسلمت من الشبهة الفكر !.
وقال أبو عمرو : قد أجمعوا في المريضة التي لا ترجى حياتها أن ذبحها ذكاة لها إذا كانت فيها الحياة في حين ذبحها، وعلم ذلك منها بما ذكروا من حركة يدها أو رجلها أو ذنبها أو نحو ذلك؛ وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النزع ولم تحرك يدا ولا رجلا أنه لا ذكاة فيها؛ وكذلك ينبغي في القياس أن يكون حكم المتردية وما ذكر معها في الآية.
والله أعلم.
الثامنة: قوله تعالى {ذكيتم} الذكاة في كلام العرب الذبح؛ قاله قطرب.
وقال ابن سيده في [المحكم] والعرب تقول (ذكاة الجنين ذكاة أمه)؛ قال ابن عطية : وهذا إنما هو حديث.
وذكى الحيوان ذبحه؛ ومنه قول الشاعر : يذكيها الأسل قلت : الحديث الذي أشار إليه أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ذكاة الجنين ذكاة أمه).
وبه يقول جماعة أهل العلم، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال : إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتا لم يحل أكله؛ لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين.
قال ابن المنذر : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : (ذكاة الجنين ذكاة أمه) دليل على أن الجنين غير الأم، وهو يقول : لو أعتقت أمة حامل أن عتقه عتق أمه؛ وهذا يلزمه أن ذكاته ذكاة أمه؛ لأنه إذا أجاز أن يكون عتق واحد عتق اثنين جاز أن يكون ذكاة واحد ذكاة اثنين؛ على أن الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن أصحابه، وما عليه جل الناس مستغنى به عن قول كل قائل.
وأجمع أهل العلم على أن الجنين إذا خرج حيا أن ذكاة أمه ليست بذكاة له، واختلفوا إذا ذكيت الأم وفي بطنها جنين؛ فقال مالك وجميع أصحابه : ذكاته ذكاة أمه إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره، وذلك إذا خرج ميتا أو خرج به رمق من الحياة، غير أنه يستحب أن يذبح إن خرج يتحرك، فإن سبقهم بنفسه أكل.
وقال ابن القاسم : ضحيت بنعجة فلما ذبحتها جعل يركض ولدها في بطنها فأمرتهم أن يتركوها حتى يموت في بطنها، ثم أمرتهم فشقوا جوفها فأخرج منه فذبحته فسال منه دم؛ فأمرت أهلي أن يشووه.
وقال عبدالله بن كعب بن مالك.
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه.
قال ابن المنذر : وممن قال ذكاته ذكاة أمه ولم يذكر أشعر أو لم يشعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعيد بن المسيب والشافعي وأحمد وإسحاق.
قال القاضي أبو الوليد الباجي : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر) إلا أنه حديث ضعيف؛ فمذهب مالك هو الصحيح من الأقوال الذي عليه عامة فقهاء الأمصار.
وبالله التوفيق.
التاسعة: قوله تعالى {ذكيتم} الذكاة في اللغة أصلها التمام، ومنه تمام السن.
والفرس المذكى الذي يأتي بعد تمام القروح بسنة، وذلك تمام استكمال القوة.
ويقال : ذكى يذكي، والعرب تقول : جري المذكيات غلاب.
والذكاء حدة القلب؛ وقال الشاعر : يفضله إذا اجتهدوا عليه ** تمام السن منه والذكاء والذكاء سرعة الفطنة، والفعل منه ذكي يذكى ذكا، والذكوة ما تذكو به النار، وأذكيت الحرب والنار أو قدتهما.
وذكاء اسم الشمس؛ وذلك أنها تذكو كالنار، والصحيح ابن ذكاء لأنه من ضوئها.
فمعنى {ذكيتم} أدركتم ذكاته على التمام.
ذكيت الذبيحة أذكيها مشتقة من التطيب؛ يقال : رائحة ذكية؛ فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب، لأنه يتسارع إليه التجفيف؛ وفي حديث محمد بن علي رضي الله عنهما (ذكاة الأرض يبسها) يريد طهارتها من النجاسة؛ فالذكاة في الذبيحة لها، وإباحة لأكلها فجعل يبس الأرض بعد النجاسة تطهيرا لها وإباحة الصلاة فيها بمنزلة الذكاة للذبيحة؛ وهو قول أهل العراق.
وإذا تقرر هذا فأعلم أنها في الشرع عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور والعقر في غير المقدور، مقرونا بنية القصد لله وذكره عليه؛ على ما يأتي بيانه.
العاشرة: واختلف العلماء فيما يقع به الذكاة؛ فالذي عليه الجمهور من العلماء أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو من آلات الذكاة ما خلا السن والعظم؛ على هذا تواترت الآثار، وقال به فقهاء الأمصار.
والسن والظفر المنهي عنهما في التذكية هما غير المنزوعين؛ لأن ذلك يصير خنقا؛ وكذلك قال ابن عباس : ذلك الخنق؛ فأما المنزوعان فإذا فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما عندهم.
وقد كره قوم السن والظفر والعظم على كل حال؛ منزوعة أو غير منزوعة؛ منهم إبراهيم والحسن والليث بن سعد، وروي عن الشافعي؛ وحجتهم ظاهر حديث رافع بن خديج قال : قلت يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدى - في رواية - فنذكي بالليط ؟.
وفي موطأ مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ : أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما له بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : (لا بأس بها وكلوها).
وفي مصنف أبي داود : أنذبح بالمروة وشقة العصا ؟ قال : (أعجل وأرن ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة) الحديث أخرجه مسلم.
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال : ما ذبح بالليطة والشطير والظرر فحل ذكي.
الليطة: فلقة القصبة ويمكن بها الذبح والنحر.
والشطير: فلقة العود، وقد يمكن بها الذبح لأن لها جانبا دقيقا.
والظُّرر: فلقة الحجر يمكن الذكاة بها ولا يمكن النحر؛ وعكسه الشظاظ ينحر به، لأنه كطرف السنان ولا يمكن به الذبح.
الحادية عشرة: قال مالك وجماعة : لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين.
وقال الشافعي : يصح بقطع الحلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودجين؛ لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغرض من الموت.
ومالك وغيره اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال - وهو اللحم - من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج وهو مذهب أبي حنيفة؛ وعليه يدل حديث رافع بن خديج في قوله : (ما أنهر الدم).
وحكى البغداديون عن مالك أنه يشترط قطع أربع : الحلقوم والودجين والمريء؛ وهو قول أبي ثور، والمشهور ما تقدم وهو قول الليث.
ثم اختلف أصحابنا في قطع أحد الودجين والحلقوم هل هو ذكاة أم لا ؟ على قولين.
الثانية عشرة: وأجمع العلماء على أن الذبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة فقد تمت الذكاة؛ واختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن هل ذلك ذكاة أم لا، على قولين : وقد روي عن مالك أنها لا تؤكل؛ وكذلك لو ذبحها من القفا واستوفى القطع وأنهر الدم وقطع الحلقوم والودجين لم تؤكل.
وقال الشافعي : تؤكل؛ لأن المقصود قد حصل.
وهذا ينبني على أصل، وهو أن الذكاة وإن كان المقصود منها إنهار الدم ففيها ضرب من التعبد؛ وقد ذبح صلى الله عليه وسلم في الحلق ونحر في اللبة وقال : (إنما الذكاة في الحلق واللبة) فبين محلها وعين موضعها، وقال مبينا لفائدتها : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل).
فإذا أهمل ذلك ولم تقع بنية ولا بشرط ولا بصفة مخصوصة زال منها حظ التعبد، فلم تؤكل لذلك.
والله أعلم.
الثالثة عشرة: واختلفوا فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع في الفور وأكمل الذكاة؛ فقيل : يجزئه.
وقيل : لا يجزئه؛ والأول أصح لأنه جرحها ثم ذكاها بعد وحياتها مستجمعة فيها.
الرابعة عشرة: ويستحب ألا يذبح إلا من ترضى حاله، وكل من أطاقه وجاء به على سنته من ذكر أو أنثى بالغ أو غير بالغ جاز ذبحه إذا كان مسلما أو كتابيا، وذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي، ولا يذبح نسكا إلا مسلم؛ فإن ذبح النسك كتابي فقد اختلف فيه؛ ولا يجوز في تحصيل المذهب، وقد أجازه أشهب.
الخامسة عشرة: وما استوحش من الإنسي لم يجز في ذكاته إلا ما يجوز في ذكاة الإنسي، في قول مالك وأصحابه وربيعة والليث بن سعد؛ وكذلك المتردي في البئر لا تكون الذكاة فيه إلا فيما بين الحلق واللبة على سنة الذكاة.
وقد خالف في هاتين المسألتين بعض أهل المدينة وغيرهم؛ وفي الباب حديث رافع بن خديج وقد تقدم، وتمامه بعد قوله : (فمدى الحبشة) قال : وأصبنا نهب إبل وغنم فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا - وفي رواية - فكلوه).
وبه قال أبو حنيفة والشافعي؛ قال الشافعي : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة؛ واحتج بما رواه أبو داود والترمذي عن أبي الشعراء عن أبيه قال : قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة ؟ قال : (لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك).
قال يزيد بن هارون : وهو حديث صحيح أعجب أحمد بن حنبل ورواه عن أبي داود، وأشار على من دخل عليه من الحفاظ أن يكتبه.
قال أبو داود : لا يصلح هذا إلا في المتردية والمستوحش.
وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة؛ وهو قول انفرد به عن مالك وأصحابه.
قال أبو عمر : قول الشافعي أظهر في أهل العلم، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشي؛ لحديث رافع بن خديج؛ وهو قول ابن عباس وابن مسعود؛ ومن جهة القياس لما كان الوحشي إذا قدر عليه لم يحل إلا بما يحل به الإنسي؛ لأنه صار مقدورا عليه؛ فكذلك ينبغي في القياس إذا توحش أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يحل بما يحل به الوحشي.
قلت : أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضى الحديث وظاهره؛ لقوله : (فحبسه) ولم يقل إن السهم قتله؛ وأيضا فإنه مقدور عليه في غالب الأحوال فلا يراعى النادر منه، وإنما يكون ذلك في الصيد.
وقد صرح الحديث بأن السهم حبسه وبعد أن صار محبوسا صار مقدورا عليه؛ فلا يؤكل إلا بالذبح والنحر.
والله أعلم.
وأما حديث أبي العشراء فقد قال فيه الترمذي (حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث.
واختلفوا في اسم أبي الشعراء؛ فقال بعضهم : اسمه أسامة بن قهطم، ويقال : اسمه يسار بن برز - ويقال : بلز - ويقال : اسمه عطارد نسب إلى جده).
فهذا سند مجهول لا حجة فيه؛ ولو سلمت صحته كما قال يزيد بن هارون لما كان فيه حجة؛ إذ مقتضاه جواز الذكاة في أي عضو كان مطلقا في المقدور وغيره، ولا قائل به في المقدور؛ فظاهره ليس بمراد قطعا.
وتأويل أبي داود وابن حبيب له غير متفق عليه؛ فلا يكون فيه حجة، والله أعلم.
قال أبو عمر : وحجة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم يند الإنسي أنه لا يذكى إلا بما يذكى به المقدور عليه، ثم اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا.
وهذا لا حجة فيه؛ لأن إجماعهم إنما انعقد على مقدور عليه، وهذا غير مقدور عليه.
السادسة عشرة: ومن تمام هذا الباب قوله عليه السلام : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم عن شداد بن أوس قال : اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله كتب) فذكره.
قال علماؤنا : إحسان الذبح في البهائم الرفق بها؛ فلا يصرعها بعنف ولا يجرها من موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وإحضار نية الإباحة والقربة وتوجيهها إلى القبلة، والإجهاز، وقطع الودجين والحلقوم، وإراحتها وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله بالمنة، والشكر له بالنعمة؛ بأنه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا.
وقال ربيعة : من إحسان الذبح ألا يذبح بهيمة وأخرى تنظر إليها؛ وحكي جوازه عن مالك؛ والأول أحسن.
وأما حسن القتلة فعام في كل شيء من التذكية والقصاص والحدود وغيرها.
وقد روى أبو داود عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان، زاد ابن عيسى في حديثه (وهي التي تذبح فتقطع ولا تفرى الأوداج ثم تترك فتموت).
السابعة عشرة: قوله تعالى {وما ذبح على النصب} قال ابن فارس {النصب} حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح، وهو النصب أيضا.
والنصائب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد، وغبار منتصب مرتفع.
وقيل {النصب} جمع، واحده نصاب كحمار وحمر.
وقيل : هو اسم مفرد والجمع أنصاب؛ وكانت ثلاثمائة وستين حجرا.
وقرأ طلحة {النصْب} بجزم الصاد.
وروي عن ابن عمر {النَّصْب} بفتح النون وجزم الصاد.
الجحدري : بفتح النون والصاد جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع أنصاب؛ كالأجمال والأجبال.
قال مجاهد : هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها.
قال ابن جريج : كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة؛ فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأنه عليه الصلاة والسلام لم يكره ذلك؛ فأنزل الله تعالى {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} [الحج : 37] ونزلت {وما ذبح على النصب} المعنى : والنية فيها تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز، وقال الأعشى : وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ** لعافية والله ربك فاعبدا وقيل {على} بمعنى اللام؛ أي لأجلها؛ قال قطرب قال ابن زيد : ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله شيء واحد.
قال ابن عطية : ما ذبح على النصب جزء مما أهل به لغير الله، ولكن خص بالذكر بعد جنسه لشهرة الأمر وتشرف الموضع وتعظيم النفوس له.
الثامنة عشرة: قوله تعالى {وأن تستقسموا بالأزلام} معطوف على ما قبله، و{أن} في محل رفع، أي وحرم عليكم الاستقسام.
والأزلام قداح الميسر، واحدها زَلَم وزُلَم؛ قال : بات يقاسيها غلام كالزَّلم وقال آخر، فجمع : فلئن جذيمة قتّلت سرواتها ** فنساؤها يضربن بالأزلام وذكر محمد بن جرير : أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها.
قال محمد بن جرير : قال لنا سفيان بن وكيع : هي الشطرنج.
فأما قول لبيد : تزل عن الثرى أزلامها فقالوا : أراد أظلاف البقرة الوحشية.
والأزلام العرب ثلاثة أنواع : منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها أفعل، وعلى الثاني لا تفعل، والثالث مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء أدخل يده - وهي متشابهة - فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب؛ وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة؛ وإنما قيل لهذا الفعل : استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون؛ كما يقال : الاستسقاء في الاستدعاء للسقي.
ونظير هذا الذي حرمه الله تعالى قول المنجم : لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل نجم كذا.
وقال جل وعز {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} الآية [لقمان : 34].
وسيأتي بيان هذا مستوفى إن شاء الله.
والنوع الثاني : سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل، كل قدح منها فيه كتاب؛ قدح فيه العقل من أم الديات، وفي آخر (منكم) وفي آخر (من غيركم)، وفي آخر (ملصق)، وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك، وهي التي ضرب بها عبدالمطلب على بنيه إذ كان نذر نحر أحدهم إذا كملوا عشرة؛ الخبر المشهور ذكره ابن إسحاق.
وهذه السبعة أيضا كانت عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم؛ على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل.
والنوع الثالث : هو قداح الميسر وهي عشرة؛ سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ولعبا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم في زمن الشتاء وكلب البرد وتعذر التحرف.
وقال مجاهد : الأزلام هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها.
وقال سفيان ووكيع : هي الشطرنج؛ فالاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب كما بينا؛ وهو من أكل المال بالباطل، وهو حرام، وكل مقامرة بحمام أو بنرد أو شطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كله؛ وهو ضرب من التكهن والتعرض لدعوى علم الغيب.
قال ابن خويز منداد : ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون على الطرقات من السهام التي معهم، ورقاع الفأل في أشباه ذلك.
وقال الكيا الطبري : وإنما نهى الله عنها فيما يتعلق بأمور الغيب؛ فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غدا، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر؛ فاستنبط بعض الجاهلين من هذا الرد على الشافعي في الإقراع بين المماليك في العتق، ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعي بني على الأخبار الصحيحة، وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام؛ فإن العتق حكم شرعي، يجوز أن يجعل الشرع خروج القرعة علما على إثبات حكم العتق قطعا للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل : إذا فعلت كذا أو قلت كذا فذلك يدلك في المستقبل على أمر من الأمور، فلا يجوز أن يجعل خروج القداح علما على شيء يتجدد في المستقبل، ويجوز أن يجعل خروج القرعة علما على العتق قطعا؛ فظهر افتراق البابين.
التاسعة عشرة: وليس من هذا الباب طلب الفأل، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه أن يسمع يا راشد يا نجيح؛ أخرجه الترمذي وقال : حديث صحيح غريب؛ وإنما كان يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل؛ فيحسن الظن بالله عز وجل، وقد قال : (أنا عند ظن عبدي بي).
وكان عليه السلام يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك؛ ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل.
قال الخطابي : الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه.
وقال الأصمعي : سألت ابن عون عن الفأل فقال : هو أن يكون مريضا فيسمع يا سالم، أو يكون باغيا فيسمع يا واجد؛ وهذا معنى حديث الترمذي، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (لا طيرة وخيرها الفأل)، قيل : يا رسول الله وما الفأل ؟ قال : (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم).
وسيأتي لمعنى الطيرة مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : (إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه، وثلاثة لا ينالون الدرجات العلا؛ من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر من طيرة).
الموفية عشرين: قوله تعالى {ذلكم فسق} إشارة إلى الاستقسام بالأزلام.
والفسق الخروج، وقد تقدم.
وقيل يرجع إلى جميع ما ذكر من الاستحلال لجميع هذه المحرمات، وكل شيء منها فسق وخروج من الحلال إلى الحرام، والانكفاف عن هذه المحرمات من الوفاء بالعقود، إذ قال {أوفوا بالعقود} [المائدة : 1].
الحادية والعشرون: قوله تعالى {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفارا.
قال الضحاك : نزلت هذه الآية حين فتح مكة؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع، ويقال : سنة ثمان، ودخلها ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم (إلا من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن).
وفي {يئس} لغتان، يئس ييأس يأسا، وأيس يأيس إياسا وإياسة؛ قاله النضر بن شميل.
{فلا تخشوهم واخشوني} أي لا تخافوهم وخافوني فإني أنا القادر على نصركم.
الثانية والعشرون: قوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام إلى أن حج؛ فلما حج وكمل الدين نزلت هذه الآية {اليوم أكملت لكم دينكم} الآية؛ على ما نبينه.
روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا؛ قال : وأي آية ؟ قال {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه؛ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة.
لفظ مسلم.
وعند النسائي ليلة جمعة.
وروي أنها لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عمر؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما يبكيك) ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (صدقت).
وروى مجاهد أن هذه الآية نزلت يوم فتح مكة.
قلت : القول الأول أصح، أنها نزلت في يوم جمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت.
و {اليوم} قد يعبر بجزء منه عن جميعه، وكذلك عن الشهر ببعضه؛ تقول : فعلنا في شهر كذا وكذا وفي سنة كذا كذا، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهر ولا السنة؛ وذلك مستعمل في لسان العرب والعجم.
والدين عبارة عن الشرائع التي شرع وفتح لنا؛ فإنها نزلت نجوما وآخر ما نزل منها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حكم، قاله ابن عباس والسدي.
وقال الجمهور : المراد معظم الفرائض والتحليل والتحريم، قالوا : وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير، ونزلت آية الربا، ونزلت آية الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج، إذا لم يطف معهم في هذه السنة مشرك، ولا طاف بالبيت عريان، ووقف الناس كلهم بعرفة.
وقيل {أكملت لكم دينكم} بأن أهلكت لكم عدوكم وأظهرت دينكم على الدين كله كما تقول : قد تم لنا ما نريد إذا كُفيت عدوك.
الثالثة والعشرون: قوله تعالى {وأتممت عليكم نعمتي} أي بإكمال الشرائع والأحكام وإظهار دين الإسلام كما وعدتكم، إذ قلت {ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة : 150] وهي دخول مكة آمنين مطمئنين وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة في رحمة الله تعالى.
الرابعة والعشرون: لعل قائلا يقول : قوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات، وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار والذين شهدوا بدرا والحديبية وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعتين جميعا، وبذلوا أنفسهم لله مع عظيم ما حل بهم من أنواع المحن ماتوا على دين ناقص، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كان يدعو الناس إلى دين ناقص، ومعلوم أن النقص عيب، ودين الله تعالى قيم، كما قال تعالى {دينا قيما} [الأنعام : 161] فالجواب أن يقال له : لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه ؟ ثم يقال له : أرأيت نقصان الشهر هل كون عيبا، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها، ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} [فاطر : 11] أهو عيب له، ونقصان أيام الحيض عن المعهود، ونقصان أيام الحمل، ونقصان المال بسرقة أو حريق أو غرق إذا لم يفتقر صاحبه، فما أنكرت أن نقصان أجزاء الدين في الشرع قبل أن تلحق به الأجزاء الباقية في علم الله تعالى هذه ليست بشين ولا عيب، وما أنكرت أن معنى قول الله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له : إنه كان ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه ملحقه به وضامه إليه؛ كالرجل يبلغه الله مائة سنة فيقال : أكمل الله عمره؛ ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان ابن ستين كان ناقصا نقص قصور وخلل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : (من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر).
ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد فيقال : كان ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه مبلغه إياه ومعمره إليه.
وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات؛ فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحا، ولا يجب عن ذلك أنها كانت حين كانت ركعتين ناقصة نقص قصور وخلل؛ ولو قيل : كانت ناقصة عما عند الله أنه ضامه إليها وزائدة عليها لكان ذلك صحيحا فهكذا، هذا في شرائع الإسلام وما كان شرع منها شيئا فشيئا إلى أن أنهى الله الدين منتهاه الذي كان له عنده.
والله أعلم.
والوجه الآخر : أنه أراد بقوله {اليوم أكملت لكم دينكم} أنه وفقهم للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره، فحجوا؛ فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه وقياما بفرائضه؛ فإنه يقول عليه السلام : (بني الإسلام على خمس) الحديث.
وقد كانوا تشهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم يكونوا حجوا؛ فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى وهم بالموقف عشية عرفة {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} فإنما أراد أكمل وضعه لهم؛ وفي ذلك دلالة على أن الطاعات كلها دين وإيمان وإسلام.
الخامسة والعشرون: قوله تعالى {ورضيت لكم الإسلام دينا} أي أعلمتكم برضاي به لكم دينا؛ فإنه تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا دينا؛ فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه على ظاهره.
و {دينا} نصب على التمييز، وإن شئت على مفعول ثان.
وقيل : المعنى ورضيت عنكم إذا أنقدتم لي بالدين الذي شرعته لكم.
ويحتمل أن يريد {رضيت لكم الإسلام دينا} أي ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم دينا باقيا بكماله إلى آخر الآية لا أنسخ منه شيئا.
والله أعلم.
و{الإسلام} في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران : 19] وهو الذي يفسر في سؤال جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام، وهو الإيمان والأعمال والشعب.
السادسة والعشرين: قوله تعالى {فمن اضطر في مخمصة} يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر المحرمات في هذه الآية.
والمخمصة الجوع وخلاء البطن من الطعام.
والخمص ضمور البطن.
ورجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة؛ ومنه أخمص القدم، ويستعمل كثيرا في الجوع والغرث؛ قال الأعشى : تبيتون في المشتى مِلاءً بطونكم ** وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا أي منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن.
وقال النابغة في خمص البطن من جهة ضمره : والبطن ذو عُكَنٍ خَمِيص لين ** والنحر تَنْفُجُه بثدي مقعد وفي الحديث : (خماص البطون خفاف الظهور).
الخماص جمع الخميص البطن، وهو الضامر.
أخبر أنهم أعفاء عن أموال الناس؛ ومنه الحديث : (إن الطير تغدو خماصا وتروح بطانا).
والخميصة أيضا ثوب؛ قال الأصمعي : الخمائص ثياب خز أو صوف معلمة، وهي سوداء، كانت من لباس الناس.
وقد تقدم معنى الاضطرار وحكمه في البقرة.
السابعة والعشرون: قوله تعالى {غير متجانف لإثم} أي غير مائل لحرام، وهو بمعنى {غير باغ ولا عاد} [البقرة : 173] وقد تقدم.
والجنف الميل، والإثم الحرام؛ ومنه قول عمر رضي الله عنه : ما تجانفنا فيه لإثم؛ أي ما ملنا ولا تعمدنا ونحن نعلمه : وكل مائل فهو متجانف وجنف.
وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي {متجنف} دون ألف، وهو أبلغ في المعني، لأن شد العين يقتضي مبالغة وتوغلا في المعنى وثبوتا لحكمه؛ وتفاعل إنما هو محاكاة الشيء والتقرب منه؛ ألا ترك أنك إذا قلت : تمايل الغصن فإن ذلك يقتضي تأودا ومقاربة ميل، وإذا قلت : تميل فقد ثبت حكم الميل، وكذلك تصاون الرجل وتصون، وتعاقل وتعقل؛ فالمعنى غير متعمد لمعصية في مقصده؛ قاله قتادة والشافعي.
{فإن الله غفور رحيم} أي فإن الله له غفور رحيم فحذف، وأنشد سيبويه : قد أصبحت أم الخيار تدعي ** علي ذنبا كله لم أصنع أراد لم أصنعه فحذف.
والله أعلم.

تفسير ابن كثير
لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة كما قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} قال بعدها: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} كما في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث.
قال ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول اللّه قد حرم اللّه الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم، وقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق.
وقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} أي أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم اللّه عليها والطيبات من الرزق وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح وهي: الكلاب والفهود والصقور وأشباهها ، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، ممن قال ذلك ابن عباس في قوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين}، وهن الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني الكلاب الضواري والفهد والصقور وأشباهها.
رواه ابن أبي حاتم، وروي عن الحسن أنه قال: البازي والصقر من الجوارح، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين}، ثم قال: أخبرنا ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البازات وغيرها من الطير فما أدركت فهو لك وإلا فلا تطعمه.
قلت: والمحكي عن الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير.
واحتج في ذلك بما رواه عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: (ما أمسك عليك فكل)، وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح: من الجرح وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرا أي كسبهم خيرا، ويقولون.
فلان لا جارح له أي لا كاسب له؛ وقال اللّه تعالى: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي ما كسبتم من خير وشر، وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، فقلت، فجاء الناس فقالوا: يا رسول اللّه ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت، فأنزل الله : {يسألونك ماذا أحل لهم قال أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أرسل الرجل كلبه وسمى فأمسك عليه فليأكل ما لم يأكل) وقوله تعالى: {مكلبين} يحتمل أن يكون حالا من الضمير في {علمتم} فيكون حالا من الفاعل، ويحتمل أين يكون حالا من المفعول وهو {الجوارح} أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته وبمخالبه وظفره أنه لا يحل له كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال: {تعلمونهن مما علمكم الله} وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا اشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر 0اسم اللّه عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع.
وقد وردت السنّة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم اللّه، فقال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه فكل ما أمسك عليك) قلت: وإن قتلن؟ قال: (وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره) قلت: قلت له: فإني ارمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: (إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله)، وفي لفظ لهما (إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته)، وفي رواية لهما: (فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه)، فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ولم يستفصلوا، كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا لا يحرم مطلقا.
وقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم اللّه عليه} أي عند إرساله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي ابن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك)، وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضاً: (إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله)، ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال.
كما قال السدي وغيره.
وقال ابن عباس في قوله: {واذكروا اسم الله عليه} يقول: إذا أرسلت جارحك فقل باسم الله وإن نسيت فلا حرج، وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علَّم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: (سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) وفي صحيح الباخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول اللّه إن قوماً يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحمان لا ندري أذكر اسم اللّه عليها أم لا؟ فقال: (سموا الله أنتم وكلوا) حديث آخر : وقال الإمام أحمد عن عائشة: أن رسول اللّه كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أما أنه لو كان ذكر السم اللّه لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعاماً فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم اللّه في أوله فليقل باسم اللّه أوله وآخره) حديث آخر : قال الإمام أحمد عن حذيفة، قال: كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول اللّه، فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعاماً فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها في الطعام، فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم اللّه عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما)، يعني الشيطان، وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
حديث آخر : روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم اللّه عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء) لفظ أبي داود حديث آخر : قال الإمام أحمد عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نأكل وما نشبع، قال: (فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه)، ورواه أبو داود وابن ماجه.

الترجمة الانجليزية:

Forbidden you is carrion and blood, and the flesh of the swine, and whatsoever has been killed in the name of some other than God, and whatever has been strangled, or killed by a blow or a fall, or by goring, or that which has been mauled by wild beasts unless slaughtered while still alive; and that which has been slaughtered at altars is forbidden, and also dividing the meat by casting lots with arrows. All this is sinful. Today the unbelievers have lost every hope of (despoiling) your creed; so do not fear them, fear Me. Today I have perfected your system of belief and bestowed My favours upon you in full, and have chosen submission (al-Islam) as the creed for you. If one of you is driven by hunger (to eat the forbidden) without the evil intent of sinning, then God is forgiving and kind.


سورة المائدة آية 4
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (يسألونك) يا محمد (ماذا أحل لهم) من الطعام (قل أحل لكم الطيبات) المستلذات (و) صيد (ما علمتم من الجوارح) الكواسب من الكلاب والسباع والطير (مكلِّبين) حال من كلَّبْتُ الكلب بالتشديد أي أرسلته على الصيد (تعلمونهن) حال من ضمير مكلبين أي تؤدبونهن (مما علمكم الله) من آداب الصيد (فكلوا مما أمسكن عليكم) وإن قتلنه إن لم يأكلن منه بخلاف غير المعلمة فلا يحل صيدها وعلامتها أن تسترسل إذا أرسلت وتنزجر إذا زجرت وتمسك الصيد ولا تأكل منه وأقل ما يعرف به ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبهن فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين وفيه أن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من الجوارح (واذكروا اسم الله عليه) عند إرساله (واتقوا الله إن الله سريع الحساب)

تفسير القرطبي
فيه تسع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى {يسألونك} الآية نزلت بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير؛ قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآية.
الثانية: قوله تعالى {ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} {ما} في موضع رفع بالابتداء، والخبر {أحل لهم} و {ذا} زائدة، وإن شئت كانت بمعنى الذي، ويكون الخبر {قل أحل لكم الطيبات} وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيب.
وقيل : ما التذه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة.
وقيل : الطيبات الذبائح، لأنها طابت بالتذكية.
الثالثة عشرة: قوله تعالى {وما علمتم} أي وصيد ما علمتم؛ ففي الكلام إضمار لا بد منه، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحل المسئول عنه متناولا للمعلم من الجوارح المكلبين، وذلك ليس مذهبا لأحد؛ فإن الذي يبيح لحم الكلب فلا يخصص الإباحة بالمعلم؛ وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في [الأنعام] إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل، وهو الأكل من الجوارح أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير؛ وكان لعدي كلاب خمسة قد سماها بأسماء أعلام، وكان أسماء أكلبه سلهب وغلاب والمختلس والمتناعس، قال السهيلي : وخامس أشك، قال فيه أخطب، أو قال فيه وثاب.
الرابعة: أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم فينشلي إذا أُشلي ويجيب إذ دعي، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر، وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده، وأثر فيه بجرح أو تنييب، وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف؛ فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف.
فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب.
يقال : جرح فلان واجترح إذا اكتسب؛ ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها، ومنه اجتراح السيئات.
وقال الأعشى : ذا جبار منضجا ميسمه ** يذكر الجارح ما كان اجترح وفي التنزيل {ويعلم ما جرحتم بالنهار} [الأنعام : 60] وقال {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} [الجاثية : 21].
الخامسة: قوله تعالى {مكلبين} معنى {مكلبين} أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب.
وقيل : معناه مضرين على الصيد كما تضرّى الكلاب؛ قال الرماني : وكلا القولين محتمل.
وليس في {مكلبين} دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة؛ لأنه بمنزلة قوله (مؤمنين) وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة.
روي عن ابن عمر فيما حكى ابن المنذر عنه قال : وأما ما يصاد به من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك حلال، وإلا فلا تطعمه.
قال ابن المنذر : وسئل أبو جعفر عن البازي يحل صيده قال : لا؛ إلا أن تدرك ذكاته.
وقال الضحاك والسدي {وما علمتم من الجوارح مكلبين} هي الكلاب خاصة؛ فإن كان الكلب أسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي.
وقال أحمد : ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما؛ وبه قال إسحاق بن راهويه؛ فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم، أما من منع صيد الكلب الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم : (الكلب الأسود شيطان)، أخرجه مسلم.
احتج الجمهور بعموم الآية، واحتجوا أيضا في جواز صيد البازي بما ذكر من سبب النزول، وبما خرجه الترمذي عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : (ما أمسك عليك فكل).
في إسناده مجالد ولا يعرف إلا من جهته وهو ضعيف.
وبالمعنى وهو أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير؛ وهذا هو القياس في معنى الأصل، كقياس السيف على المدية والأمة على العبد، وقد تقدم.
السادسة: وإذا تقرر هذا فاعلم أنه لا بد للصائد أن يقصد عند الإرسال التذكية والإباحة، وهذا لا يختلف فيه؛ لقوله عليه السلام : (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل) وهذا يقتضي النية والتسمية؛ فلو قصد مع ذلك اللهو فكرهه مالك وأجازه ابن عبدالحكم، وهو ظاهر قول الليث : ما رأيت حقا أشبه بباطل منه، يعني الصيد؛ فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام؛ لأنه من باب الفساد وإتلاف حيوان لغير منفعة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلا لمأكلة.
وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإرسال؛ لقوله : (وذكرت اسم الله) فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد؛ وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث.
وذهبت جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا؛ وحملوا الأمر بالتسمية على الندب.
وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال : لا تؤكل مع العمد وتؤكل مع السهو؛ وهو قول فقهاء الأمصار، وأحد قولي الشافعي، وستأتي هذه المسألة في الأنعام إن شاء الله تعالى.
ثم لا بد أن يكون انبعاث الكلب بإرسال من يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده.
فيخلي عنه ويغريه عليه فينبعث، أو يكون الجارح ساكنا مع رؤيته الصيد فلا يتحرك له إلا بالإغراء من الصائد، فهذا بمنزلة ما زمامه بيده فأطلقه مغريا له على أحد القولين؛ فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله عند الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي؛ لأنه إنما صاد لنفسه من غير إرسال وأمسك عليها، ولا صنع للصائد فيه، فلا ينسب إرسال إليه؛ لأنه لا يصدق عليه قوله عليه السلام : (إذا أرسلت كلبك المعلم).
وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي : يؤكل صيده إذا كان أخرجه للصيد.
السابعة: قرأ الجمهور{علمتم} بفتح العين واللام.
وابن عباس ومحمد بن الحنفية بضم العين وكسر اللام، أي من أمر الجوارح والصيد بها.
والجوارح الكواسب، وسميت أعضاء الإنسان جوارح لأنها تكسب وتتصرف.
وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح وتسيل الدم، فهو مأخوذ من الجراح، وهذا ضعيف، وأهل اللغة على خلافه، وحكاه ابن المنذر عن قوم.
و{مكلبين} قراءة الجمهور بفتح الكاف وشد اللام، والمكلِّب معلم الكلاب ومضريها.
ويقال لمن يعلم غير الكلب : مكلِّب؛ لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب؛ حكاه بعضهم.
ويقال للصائد : مكلِّب فعلى هذا معناه صائدين.
وقيل : المكلب صاحب الكلاب، يقال : كلب فهو مكلب وكلَّاب.
وقرأ الحسن {مكْلبين} بسكون الكاف وتخفيف اللام، ومعناه أصحاب كلاب، يقال : أمشى الرجل كثرت ماشيته، وأكلب كثرت كلابه، وأنشد الأصمعي : وكل فتى وإن أمشى فأثرى ** ستخلجه عن الدنيا منون الثامنة: قوله تعالى {تعلمونهن مما علمكم الله} أنث الضمير مراعاة للفظ الجوارح؛ إذ هو جمع جارحة.
ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما : أن يأتمر إذا أمر وينزجر إذا زجر؛ لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش.
واختلف فيما يصاد به من الطير؛ فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور.
وذكر ابن حبيب أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت؛ فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالبا، فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت.
وقال ربيعة : ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري؛ لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي.
وقد شرط الشافعي وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه، ولم يشترطه مالك في المشهور عنه.
وقال الشافعي : المعلم هو الذي إذا أشلاه صاحبه انشلى؛ وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه، ويمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه؛ فإذا فعل هذا مرارا وقال أهل العرف : صار معلما فهو المعلم.
وعن الشافعي أيضا والكوفيين : إذا أشلي فانشلى وإذا أخذ حبس وفعل ذلك مرة بعد مرة أكل صيده في الثالثة.
ومن العلماء من قال : يفعل ذلك ثلاث مرات ويؤكل صيده في الرابعة.
ومنهم من قال : إذا فعل ذلك مرة فهو معلم ويؤكل صيده في الثانية.
التاسعة: قوله تعالى {فكلوا مما أمسكن عليكم} أي حبسن لكم.
واختلف العلماء في تأويله؛ فقال ابن عباس وأبو هريرة والنخعي وقتادة وابن جبير وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه : المعنى ولم يأكل؛ فإن أكل لم يؤكل ما بقي، لأنه أمسك على نفسه ولم يمسك على ربه.
والفهد عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب ولم يشترطوا ذلك في الطيور بل يؤكل ما أكلت منه.
وقال سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر وسلمان الفارسي وأبو هريرة أيضا : المعنى وإن أكل؛ فإذا أكل الجارح كلبا كان أو فهدا أو طيرا أكل ما بقي من الصيد وإن لم يبق إلا بضعة؛ وهذا قول مالك وجميع أصحابه، وهو القول الثاني للشافعي، وهو القياس.
وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا أحدهما : حديث عدي في الكلب المعلم (وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه) أخرجه مسلم.
الثاني : حديث أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب : (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك) أخرجه أبو داود، وروي عن عدي ولا يصح؛ والصحيح عنه حديث مسلم؛ ولما تعارضت الروايتان رام بعض أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث النهي على التنزيه والورع، وحديث الإباحة على الجواز، وقالوا : إن عديا كان موسعا عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالكف ورعا، وأبا ثعلبة كان محتاجا فأفتاه بالجواز؛ والله أعلم.
وقد دل على صحة هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عدي : (فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) هذا تأويل علمائنا.
وقال أبو عمر في كتاب الاستذكار: وقد عارض حديث عدي هذا حديث أبي ثعلبة، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له؛ فقوله : وإن أكل يا رسول الله ؟ قال : (وإن أكل).
قلت : هذا فيه نظر؛ لأن التاريخ مجهول؛ والجمع بين الحديثين أولى ما لم يعلم التاريخ؛ والله أعلم.
وأما أصحاب الشافعي فقالوا : إن كان الأكل عن فرط جوع من الكلب أكل وإلا لم يؤكل؛ فإن ذلك من سوء تعليمه.
وقد روي عن قوم من السلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب والفهد فمنعوه، وبين ما أكل منه البازي فأجازوه، قاله النخعي والثوري وأصحاب الرأي وحماد بن أبي سليمان، وحكي عن ابن عباس وقالوا : الكلب والفهد يمكن ضربه وزجره، والطير لا يمكن ذلك فيه، وحد تعليمه أن يدعى فيجيب، وأن يشلى فينشلي؛ لا يمكن فيه أكثر من ذلك، والضرب يؤذيه.
العاشرة: والجمهور من العلماء على أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن الصيد يؤكل؛ قال عطاء : ليس شرب الدم بأكل؛ وكره أكل ذلك الصيد الشعبي وسفيان الثوري، ولا خلاف بينهم أن سبب إباحة الصيد الذي هو عقر الجارح له لا بد أن يكون متحققا غير مشكوك فيه، ومع الشك لا يجوز الأكل، وهي : الحادية عشرة: فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر فهو محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه، ولا يختلف في هذا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل - في رواية - فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره).
فأما لو أرسله صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين يكونان شريكين فيه.
فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله، وكذلك لا يؤكل ما رمي بسهم فتردى من جبل أو غرق في ماء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي : (وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك).
وهذا نص.
الثانية عشرة: لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع لم يؤكل؛ لأنه مات خنقا فأشبه أن يذبح بسكين كالة فيموت في الذبح قبل أن يفرى حلقه.
ولو أمكنه أخذه من الجوارح وذبحه فلم يفعل حتى مات لم يؤكل، وكان مقصرا في الذكاة؛ لأنه قد صار مقدورا على ذبحه، وذكاة المقدور عليه تخالف ذكاة غير المقدور عليه.
ولو أخذه ثم مات قبل أن يخرج السكين، أو تناولها وهي معه جاز أكله؛ ولو لم تكن السكين معه فتشاغل بطلبها لم تؤكل.
وقال الشافعي : فيما نالته الجوارح ولم تدمه قولان أحدهما : ألا يؤكل حتى يجرح؛ لقوله تعالى {من الجوارح} وهو قول ابن القاسم؛ والآخر : أنه حر وهو قول أشهب، قال أشهب : إن مات من صدمة الكلب أكل.
الثالثة عشرة: قوله : (فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل) ونحوه في حديث أبي ثعلبة الذي خرجه أبو داود، غير أنه زاد (فكله بعد ثلاث ما لم ينتن) يعارضه قوله عليه السلام : (كل ما أصميت ودع ما أنميت).
فالإصماء ما قتل مسرعا وأنت تراه، والإنماء أن ترمي الصيد فيغيب، عنك فيموت وأنت لا تراه؛ يقال : قد أنميت الرمية فنمت تنمي إذا غابت ثم ماتت قال امرؤ القيس : فهو لا تنمي رميَّته ** ماله لا عُدَّ من نفرة وقد اختلف العلماء في أكل الصيد الغائب على ثلاثة أقوال : يؤكل، وسواء قتله السهم أو الكلب.
الثاني : لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب؛ لقوله : (كل ما أصميت ودع ما أنميت).
وإنما لم يؤكل مخافة أن يكون قد أعان على قتله غير السهم من الهوام.
الثالث : الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل، ووجهه أن السهم يقتل على جهة واحدة فلا يشكل؛ والجارح على جهات متعددة فيشكل، والثلاثة الأقوال لعلمائنا.
وقال مالك في غير الموطأ : إذا بات الصيد ثم أصابه ميتا لم ينفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتله لم يأكله؛ قال أبو عمر : فهذا يدلك على أنه إذا بلغ مقاتله كان حلالا عنده أكله وإن بات، إلا أنه يكرهه إذا بات؛ لما جاء عن ابن عباس {وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل} ونحوه عن الثوري قال : إذا غاب عنك يوما كرهت أكله.
وقال الشافعي : القياس ألا يأكله إذا غاب عنه مصرعه.
وقال الأوزاعي : إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا من كلبه فليأكله؛ ونحوه قال أشهب وعبدالملك وأصبغ؛ قالوا : جائز أكل الصيد وإن بات إذا نفذت مقاتله، وقوله في الحديث : (ما لم ينتن) تعليل؛ لأنه إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع فيكره أكلها؛ فلو أكلها لجاز، كما أكل النبي صلى الله عليه وسلم الإهالة السنخة وهي المنتنة.
وقيل : هو معلل بما يخاف منه الضرر على آكله، وعلى هذا التعليل يكون أكله محرما إن كان الخوف محققا، والله أعلم.
الرابعة عشرة: واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهودي والنصراني إذا كان معلما، فكرهه الحسن البصري؛ وأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبدالله والحسن وعطاء ومجاهد والنخعي والثوري وإسحاق، وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصائد مسلما؛ قالوا : وذلك مثل شفرته.
وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك، وفرق بين ذلك وبين ذبيحته؛ وتلا {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} [المائدة : 94] ، قال : فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى.
وقال ابن وهب وأشهب : صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته؛ وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصابئ ولا ذبحه، وهم قوم بين اليهود والنصارى ولا دين لهم.
وأما إن كان الصائد مجوسيا فمنع من أكله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور الناس.
وقال أبو ثور فيها قولان : أحدهما : كقول هؤلاء، والآخر : أن المجوس من أهل الكتاب وأن صيدهم جائز.
ولو اصطاد السكران أو ذبح لم يؤكل صيده ولا ذبيحته؛ لأن الذكاة تحتاج إلى قصد، والسكران لا قصد له.
الخامسة عشرة: واختلف النحاة في {من} في قوله تعالى {مما أمسكن عليكم} فقال الأخفش : هي زائدة كقوله {كلوا من ثمره} [الأنعام : 141].
وخطأه البصريون وقالوا{من} لا تزاد في الإثبات وإنما تزاد في النفي والاستفهام، وقوله {من ثمره}، {يكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة : 271] و {يغفر لكم من ذنوبكم} [الأحقاف : 31] للتبعيض؛ أجاب فقال : قد قال {يغفر لكم من ذنوبكم} [نوح : 4] بإسقاط {من} فدل على زيادتها في الإيجاب؛ أجيب بأن {من} هاهنا للتبعيض؛ لأنه إنما يحل من الصيد اللحم دون الفرث والدم.
قلت : هذا ليس بمراد ولا معهود في الأكل فيعكر على ما قال.
ويحتمل أن يريد {مما أمسكن} أي مما أبقته الجوارح لكم؛ وهذا على قول من قال : لو أكل الكلب الفريسة لم يضر وبسبب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل الصيد إذا أكل الجارح منه على ما تقدم.
السادسة عشرة: ودلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد، وثبت ذلك في صحيح السنة وزادت الحرث والماشية؛ وقد كان أول الإسلام أمر بقتل الكلاب حتى كان يقتل كلب المرية من البادية يتبعها؛ روى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان).
وروي أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط).
قال الزهري : وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة، كان صاحب زرع؛ فقد دلت السنة على ما ذكرنا، وجعل النقص من أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة؛ إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه - كما قال بعض شعراء البصرة، وقد نزل بعمار فسمع لكلابه نباحا فأنشأ يقول : نزلنا بعمار فأشلى كلابه ** علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي أسرّ إليهم ** إذا اليوم أم يوم القيامة أطول أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته على ما يراه الشافعي، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه؛ والله أعلم.
وقال في إحدى الروايتين : (قيراطان) وفي الأخرى (قيراط) وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر؛ كالأسود الذي أمر عليه الصلاة والسلام بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال : (عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان) أخرجه مسلم.
ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان، وبغيرهما قيراط؛ والله أعلم.
وأما المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متخذه كالفرس والهر، ويجوز بيعه وشراؤه، حتى قال سحنون : ويحج بثمنه.
وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق.
وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار لا من السراق.
وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع والدار في البادية.
السابعة عشرة: وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل؛ لأن الكلب إذا علم يكون له فضيلة على سائر الكلاب، فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سيما إذا عمل بما علم؛ وهذا كما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يحسنه.
الثامنة عشرة: قوله تعالى {واذكروا اسم الله عليه} أمر بالتسمية؛ قيل : عند الإرسال على الصيد، وفقه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد، يأتي بيانه في الأنعام.
وقيل : المراد بالتسمية هنا التسمية عند الأكل، وهو الأظهر.
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة : (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك).
وروي من حديث حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الشيطان ليستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه) الحديث.
فإن نسي التسمية أول الأكل فليسم آخره؛ وروى النسائي عن أمية بن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل ولم يسم الله، فلما كان في آخر لقمة قال : بسم الله أوله وآخره؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمى قاء ما أكله).
التاسعة عشرة: قوله تعالى {واتقوا الله} أمر بالتقوى على الجملة، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر.
وسرعة الحساب هي من حيث كونه تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا؛ فلا يحتاج إلى محاولة عد ولا عقد كما يفعله الحساب؛ ولهذا قال {وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء : 47] فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة.
ويحتمل أن يكون وعيدا بيوم القيامة كأنه قال : إن حساب الله لكم سريع إتيانه؛ إذ يوم القيامة قريب، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة؛ فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتقوا الله.

تفسير ابن كثير
لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة كما قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطرتم إليه} قال بعدها: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} كما في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث.
قال ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول اللّه قد حرم اللّه الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم، وقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق.
وقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} أي أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم اللّه عليها والطيبات من الرزق وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح وهي: الكلاب والفهود والصقور وأشباهها ، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، ممن قال ذلك ابن عباس في قوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين}، وهن الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني الكلاب الضواري والفهد والصقور وأشباهها.
رواه ابن أبي حاتم، وروي عن الحسن أنه قال: البازي والصقر من الجوارح، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين}، ثم قال: أخبرنا ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البازات وغيرها من الطير فما أدركت فهو لك وإلا فلا تطعمه.
قلت: والمحكي عن الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير.
واحتج في ذلك بما رواه عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: (ما أمسك عليك فكل)، وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح: من الجرح وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرا أي كسبهم خيرا، ويقولون.
فلان لا جارح له أي لا كاسب له؛ وقال اللّه تعالى: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي ما كسبتم من خير وشر، وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، فقلت، فجاء الناس فقالوا: يا رسول اللّه ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت، فأنزل الله : {يسألونك ماذا أحل لهم قال أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أرسل الرجل كلبه وسمى فأمسك عليه فليأكل ما لم يأكل) وقوله تعالى: {مكلبين} يحتمل أن يكون حالا من الضمير في {علمتم} فيكون حالا من الفاعل، ويحتمل أين يكون حالا من المفعول وهو {الجوارح} أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفاهرا، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته وبمخالبه وظفره أنه لا يحل له كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال: {تعلمونهن مما علمكم الله} وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا اشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم اللّه عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع.
وقد وردت السنّة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم اللّه، فقال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه فكل ما أمسك عليك) قلت: وإن قتلن؟ قال: (وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره) قلت: قلت له: فإني ارمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: (إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله)، وفي لفظ لهما (إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته)، وفي رواية لهما: (فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه)، فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ولم يستفصلوا، كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قال لا يحرم مطلقا.
وقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم اللّه عليه} أي عند إرساله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك)، وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا: (إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله)، ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال.
كما قال السدي وغيره.
وقال ابن عباس في قوله: {واذكروا اسم الله عليه} يقول: إذا أرسلت جارحك فقل باسم الله وإن نسيت فلا حرج، وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علَّم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: (سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) وفي صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول اللّه إن قوما يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحم ان لا ندري أذكر اسم اللّه عليها أم لا؟ فقال: (سموا الله أنتم وكلوا) حديث آخر : وقال الإمام أحمد عن عائشة: أن رسول اللّه كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أما أنه لو كان ذكر السم اللّه لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعاماً فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم اللّه في أوله فليقل باسم اللّه أوله وآخره) حديث آخر : قال الإمام أحمد عن حذيفة، قال: كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول اللّه، فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعاماً فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها في الطعام، فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم اللّه عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما)، يعني الشيطان، وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
حديث آخر : روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم اللّه عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء) لفظ أبي داود حديث آخر : قال الإمام أحمد عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نأكل وما نشبع، قال: (فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه)، ورواه أبو داود وابن ماجه.

الترجمة الانجليزية:

They ask you what is lawful for them. Say: "All things are lawful for you that are clean, and what the trained hunting animals take for you as you have trained then, in the light of God´s teachings, but read over them the name of God, and fear (straying from the path of) God, for God is swift in the reckoning."


سورة المائدة آية 5
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (اليوم أحل لكم الطيبات) المستلذات (وطعام الذين أوتوا الكتاب) أي ذبائح اليهود والنصارى (حل) حلال (لكم وطعامكم) إياهم (حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات) الحرائر (من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) حل لكم أن تنكحوهن (إذا آتيتموهن أجورهن) مهورهن (محصنين) متزوجين (غير مسافحين) معلنين بالزنا بهن (ولا متخذي أخدان) منهن تسرون بالزنا بهن (ومن يكفر بالإيمان) أي يرتد (فقد حبط عمله) الصالح قبل ذلك فلا يعتد به ولا يثاب عليه (وهو في الآخرة من الخاسرين) إذا مات عليه

تفسير القرطبي
فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى {اليوم أحل لكم الطيبات}، أي {اليوم أكملت لكم دينكم} و{اليوم أحل لكم الطيبات} فأعاد تأكيدا أي أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها؛ وكانت الطيبات أبيحت للمسلمين قبل نزول هذه الآية؛ فهذا جواب سؤالهم إذ قالوا : ماذا أحل لنا ؟.
وقيل : أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال : هذه أيام فلان؛ أي هذا أوان ظهوركم وشيوع الإسلام؛ فقد أكملت بهذا دينكم، وأحللت لكم الطيبات.
وقد تقدم ذكر الطيبات في الآية قبل هذا.
الثانية: قوله تعالى {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ابتداء وخبر.
والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاص بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل.
وأما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت عموم الخطاب؛ قال ابن عباس : قال الله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}[الأنعام : 121] ، ثم استثنى فقال {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} يعني ذبيحة اليهودي والنصراني؛ وإن كان النصراني يقول عند الذبح : باسم المسيح واليهودي يقول : باسم عزير؛ وذلك لأنهم يذبحون على الملة.
وقال عطاء : كل من ذبيحة النصراني وإن قال باسم المسيح؛ لأن الله جل وعز قد أباح ذبائحهم، وقد علم ما يقولون.
وقال القاسم بن مخيمرة : كُلْ من ذبيحته وإن قال باسم سرجس - اسم كنيسة لهم - وهو قول الزهري وربيعة والشعبي ومكحول؛ وروي عن صحابيين : عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت.
وقالت طائفة : إذا سمعت الكتابي يسمي غير اسم الله عز وجل فلا تأكل؛ وقال بهذا من الصحابة علي وعائشة وابن عمر؛ وهو قول طاوس والحسن متمسكين بقوله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق}[الأنعام : 121].
وقال مالك : أكره ذلك، ولم يحرمه.
قلت : العجب من الكيا الطبري الذي حكى الاتفاق على جواز ذبيحة أهل الكتاب، ثم أخذ يستدل بذلك على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط فقال : ولا شك أنهم لا يسمون على الذبيحة إلا الإله الذي ليس معبودا حقيقة مثل المسيح وعزير، ولو سموا الإله حقيقة لم تكن تسميتهم على طريق العبادة، وإنما كان على طريق آخر؛ واشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل، ووجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة؛ إذا لم تتصور منه العبادة، ولأن النصراني إنما يذبح على اسم المسيح، وقد حكم الله بحل ذبائحهم مطلقا، وفي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط أصلا كما يقول الشافعي، وسيأتي ما في هذا للعلماء في [الأنعام] إن شاء الله تعالى.
الثالثة: ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام الذي لا محاولة فيه كالفاكهة والبر جائز أكله؛ إذ لا يضر فيه تملك أحد.
والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين : أحدهما : ما فيه محاولة صنعة لا تعلق للدين بها؛ كخبز الدقيق، وعصر الزيت ونحوه؛ فهذا إن تجنب من الذمي فعلى وجه التقزز.
والضرب الثاني : هي التذكية التي ذكرنا أنها هي التي تحتاج إلى الدين والنية؛ فلما كان القياس ألا تجوز ذبائحهم - كما نقول إنهم لا صلاة لهم ولا عبادة مقبولة - رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأمة، وأخرجها النص عن القياس على ما ذكرناه من قول ابن عباس؛ والله أعلم.
الرابعة: واختلف العلماء أيضا فيما ذكوه هل تعمل الذكاة فيما حرم عليهم أولا ؟ على قولين؛ فالجمهور على أنها عاملة في كل الذبيحة ما حل له منها وما حرم عليه، لأنه مذكى.
وقالت جماعة من أهل العلم : إنما حل لنا من ذبيحتهم ما حل لهم؛ لأن ما لا يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم؛ فمنعت هذه الطائفة الطريف، والشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب؛ وقصرت لفظ الطعام على البعض، وحملته الأولى على العموم في جميع ما يؤكل.
وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك.
قال أبو عمر : وكره مالك شحوم اليهود وأكْل ما نحروا من الإبل، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسا؛ وسيأتي هذا في [الأنعام] إن شاء الله تعالى؛ وكان مالك رحمه الله يكره ما ذبحوه إذا وجد ما ذبحه المسلم، وكره أن يكون لهم أسواق يبيعون فيها ما يذبحون؛ وهذا منه رحمه الله تنزه.
الخامسة: وأما المجوس فالعلماء مجمعون - إلا من شذ منهم - على أن ذبائحهم لا تؤكل، ولا يتزوج منهم؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء.
ولا بأس بأكل طعام من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة؛ إلا الجبن؛ لما فيه من إنفحة الميتة.
فإن كان أبو الصبي مجوسيا وأمه كتابية فحكمه حكم أبيه عند مالك، وعند غيره لا تؤكل ذبيحة الصبي إذا كان أحد أبويه ممن لا تؤكل ذبيحته.
السادسة: وأما ذبيحة نصارى بني تغلب وذبائح كل دخيل في اليهودية والنصرانية فكان علي رضي الله عنه ينهى عن ذبائح بني تغلب؛ لأنهم عرب، ويقول : إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر؛ وهو قول الشافعي؛ وعلى هذا فليس ينهى عن ذبائح النصارى المحققين منهم.
وقال جمهور الأمة : إن ذبيحة كل نصراني حلال؛ سواء كان من بني تغلب أو غيرهم، وكذلك اليهودي.
واحتج ابن عباس بقوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}[المائدة : 51] ، فلو لم تكن بنو تغلب من النصارى إلا بتوليهم إياهم لأكلت ذبائحهم.
السابعة: ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما لم تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى؛ لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات؛ فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست، وربما سرت النجاسات في أجزاء قدور الفخار؛ فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية؛ فاقتضى الورع الكف عنها.
وروي عن ابن عباس أنه قال : إن كان الإناء من نحاس أو حديد غسل، وإن كان من فخار أغلي فيه الماء ثم غسل - هذا إذا احتيج إليه - وقاله مالك؛ فأما ما يستعملونه لغير الطبخ فلا بأس باستعماله من غير غسل؛ لما روى الدارقطني عن عمر أنه توضأ من بيت نصراني في حُق نصرانية؛ وهو صحيح وسيأتي في [الفرقان] بكماله.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل كتاب نأكل في آنيتهم، وأرض صيد، أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم؛ فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك؟ قال : (أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها) ثم ذكر الحديث.
الثامنة: قوله تعالى {وطعامكم حل لهم} دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا؛ أي إذا اشتروا منا اللحم يحل لهم اللحم ويحل لنا الثمن المأخوذ منهم.
التاسعة: قوله تعالى {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} الآية.
قد تقدم معناها في [البقرة] و[النساء] والحمد لله.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب}.
هو على العهد دون دار الحرب فيكون خاصا.
وقال غيره : يجوز نكاح الذمية والحربية لعموم الآية.
وروي عن ابن عباس أنه قال {المحصنات} العفيفات العاقلات.
وقال الشعبي : هو أن تحصن فرجها فلا تزني، وتغتسل من الجنابة.
وقرأ الشعبي {والمحصنات} بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي.
وقال مجاهد {المحصنات} الحرائر؛ قال أبو عبيد : يذهب إلى أنه لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب؛ لقوله تعالى {فمن ما ملكت أيمانكم من فتيانكم المؤمنات}[النساء : 25] وهذا القول الذي عليه جلة العلماء.
العاشرة: قوله تعالى {ومن يكفر بالإيمان} قيل : لما قال تعالى {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} قال نساء أهل الكتاب : لولا أن الله تعالى رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا؛ فنزلت {ومن يكفر الإيمان} أي بما أنزل على محمد.
وقال أبو الهيثم : الباء صلة؛ أي ومن يكفر الإيمان أي يجحده {فقد حبط عمله} وقرأ ابن السميقع {فقد حبط} بفتح الباء.
وقيل : لما ذكرت فرائض وأحكام يلزم القيام بها، ذكر الوعيد على مخالفتها؛ لما في ذلك من تأكيد الزجر عن تضييعها.
وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المعنى : ومن يكفر بالله؛ قال الحسن بن الفضل : إن صحت هذه الرواية فمعناها برب الإيمان.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : ولا يجوز أن يسمى الله إيمانا خلافا للحشوية والسالمية؛ لأن الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا، واسم الفاعل منه مؤمن؛ والإيمان التصديق، والتصديق لا يكون إلا كلاما، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى كلاما.

تفسير ابن كثير
لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث وما أحله لهم من الطيبات قال بعده: {اليوم أحل لكم الطيبات}، ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فقال: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}، قال ابن عباس: يعني ذبائحهم، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، إن ذبائحهم حلال للمسلمن لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم اللّه، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس.
وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال: أدلي بجراب من شحم يوم خيبر، فحضنته، وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحداً والتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم، وفي الصحيح أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية وقد سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنهش منه نهشة، فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه، وأثر ذلك في ثنايا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب وقال ابن أبي حاتم، عن مكحول قال: أنزل الله: {ولا تأكلوا مما لم ذكر اسم الله عليه} ثم نسخه الرب عزَّ وجلَّ ورحم المسلمين فقال: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتو الكتاب حل لكم} فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب، وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لم يذكروا اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهرا وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور.
وقال أبو جعفر بن جرير عن محمد بن عبيدة قال، قال علي: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر، وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف.
وقوله تعالى: {وطعامكم حل لهم} أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخباراً عن الحكم عندهم، اللّهم إلا أن يكون خبراً عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها، والأول أظهر في المعنى أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن ابي بن سلول حين مات ودفنه فيه، قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأما الحديث الذي فيه: (لا تصحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي) ""أخرجه الترمذي وأبو داود عن أبي سعيد""فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم.
وقوله تعالى: {والمحصنات من المؤمنات} أي وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده وهو قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} فقيل أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، وإنما قال مجاهد: المحصنات الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة، كما قال في الرواية الأخرى عنه، وهو قول الجمهور ههنا، وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زواجها على ما قيل في المثل: حشفاً وسوء كيله والظاهر من الآية أن المراد من المحصنات: العفيفات عن الزنا كما قال تعالى في الآية الأخرى: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان}؛ وقد كان عبد اللّه بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} الآية.
وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس: نزلت هذه الآية {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأساً أخذاً بهذا الآية الكريمة {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} وقوله: {إذا آتيتموهن أجورهن} أي مهورهن، أي كما هن محصنات عفائف، فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس.
وقد أفتى جابر بن عبد اللّه وإبراهيم النخعي والحسن البصري: بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينهما، وترد عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم.
وقوله تعالى: {محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} فكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنا، كذلك شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضاً محصناً عفيفاً، ولهذا قال غير مسافحين، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم {ولا متخذي أخدان} أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذا الآية، وللحديث: (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)، وقال ابن جرير عن الحسن قال، قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحداً أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة، فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} ولهذا قال تعالى ههنا: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}.

الترجمة الانجليزية:

On this day all things that are clean have been made lawful for you; and made lawful for you is the food of the people of the Book, as your food is made lawful for them. And lawful are the chaste Muslim women, and the women of the people of the Book who are chaste, (for marriage) and not fornication or liaison, if you give them their dowries. Useless shall be rendered the acts of those who turn back on their faith, and they will be among the losers in the life to come.