بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 75
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة الزمر آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة الزمر 1 - (تنزيل الكتاب) القرآن مبتدأ (من الله) خبره (العزيز) في ملكه (الحكيم) في صنعه

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {تنزيل الكتاب} رفع بالابتداء وخبره {من الله العزيز الحكيم}.
ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا تنزيل؛ قال الفراء.
وأجاز الكسائي والفراء أيضا {تنزيل}بالنصب على أنه مفعول به.
قال الكسائي : أي اتبعوا واقرءوا {تنزيل الكتاب}.
وقال الفراء : هو على الإغراء مثل قوله: {كتاب الله عليكم} [النساء : 24] أي الزموا.
والكتاب القرآن.
سمي بذلك لأنه مكتوب.
قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي هذا تنزيل الكتاب من الله وقد أنزلناه بالحق؛ أي بالصدق وليس بباطل وهزل.
{فاعبد الله مخلصا} فيه مسألتان: الأولى: {مخلصا} نصب على الحال أي موحدا لا تشرك به شيئا {له الدين} أي الطاعة.
وقيل : العبادة وهو مفعول به.
{ألا لله الدين الخالص} أي الذي لا يشوبه شيء.
وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ألا لله الدين الخالص} وقد مضى هذا المعنى في {البقرة} و {النساء} و {الكهف} مستوفى.
الثانية: قال ابن العربي : هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان أن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية.
قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء} يعني الأصنام والخبر محذوف.
أي قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} قال قتادة : كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده.
قال الكلبي : جواب هذا الكلام في الأحقاف {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة {الأحقاف : 28] والزلفى القربة؛ أي ليقربونا إليه تقريبا، فوضع {زلفى} في موضع المصدر.
وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد {والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وفي حرف أُبيّ (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله زلفى} ذكره النحاس.
قال : والحكاية في هذا بينة.
{إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما يستحق.
{إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد؛ أي للدين الذي ارتضاه وهو دين الإسلام؛ كما قال الله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} وفي هذا رد على القدرية وغيرهم على ما تقدم.
قوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله عز وجل إليهم.
{سبحانه} أي تنزيها له عن الولد {هو الله الواحد القهار}.

تفسير ابن كثير
يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وإنه لتنزيل رب العالمين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تنزيل من حكيم حميد‏}‏، وقال ها هنا ‏{‏تنزيل الكتاب من اللّه العزيز‏}‏ أي المنيع الجناب ‏{‏الحكيم‏}‏ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ‏{‏إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد اللّه مخلصاً له الدين‏}‏ أي فاعبد اللّه وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا للّه وحده، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألا للّه الدين الخالص‏}‏ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل للّه وحده لا شريك له، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏ألا للّه الدين الخالص‏} شهادة أن لا إله إلا اللّه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون‏:‏ ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى‏}‏ أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام، اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند اللّه تعالى، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، قال قتادة والسدي‏:‏ ‏{‏إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى‏}‏ أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم‏:‏ ‏(‏لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك‏)‏ وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة للّه وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن اللّه فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏ وأخبر أن الملائكة التي في السماوات، كلهم عبيد خاضعون للّه، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم ‏{‏فلا تضربوا للّه الأمثال‏}‏ تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً‏.
‏ وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏إن اللّه يحكم بينهم‏}‏ أي يوم القيامة ‏{‏فيما هم فيه يختلفون‏}‏ أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ‏{‏إن اللّه لا يهدي من هو كاذب كفار‏}‏ أي لا يرشد إلى الهداية، من قصده الكذب والافتراء على اللّه تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه؛ ثم بيَّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لو أراد اللّه أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء‏}‏ أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين‏}‏، فهذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحانه هو اللّه الواحد القهار‏}‏ أي تعالى وتنّزه وتقدس، عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي قهر الأشياء، فدانت له وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً‏.

الترجمة الانجليزية:

THE REVELATION OF this Book is from God, the mighty and all-wise.


سورة الزمر آية 2
إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (إنا أنزلنا إليك) يا محمد (الكتاب بالحق) متعلق بأنزل (فاعبد الله مخلصا له الدين) من الشرك أي موحدا له

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {تنزيل الكتاب} رفع بالابتداء وخبره {من الله العزيز الحكيم}.
ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا تنزيل؛ قال الفراء.
وأجاز الكسائي والفراء أيضا {تنزيل}بالنصب على أنه مفعول به.
قال الكسائي : أي اتبعوا واقرءوا {تنزيل الكتاب}.
وقال الفراء : هو على الإغراء مثل قوله: {كتاب الله عليكم} [النساء : 24] أي الزموا.
والكتاب القرآن.
سمي بذلك لأنه مكتوب.
قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي هذا تنزيل الكتاب من الله وقد أنزلناه بالحق؛ أي بالصدق وليس بباطل وهزل.
{فاعبد الله مخلصا} فيه مسألتان: الأولى: {مخلصا} نصب على الحال أي موحدا لا تشرك به شيئا {له الدين} أي الطاعة.
وقيل : العبادة وهو مفعول به.
{ألا لله الدين الخالص} أي الذي لا يشوبه شيء.
وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ألا لله الدين الخالص} وقد مضى هذا المعنى في {البقرة} و {النساء} و {الكهف} مستوفى.
الثانية: قال ابن العربي : هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان أن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية.
قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء} يعني الأصنام والخبر محذوف.
أي قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} قال قتادة : كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده.
قال الكلبي : جواب هذا الكلام في الأحقاف {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة {الأحقاف : 28] والزلفى القربة؛ أي ليقربونا إليه تقريبا، فوضع {زلفى} في موضع المصدر.
وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد {والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وفي حرف أُبيّ (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله زلفى} ذكره النحاس.
قال : والحكاية في هذا بينة.
{إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما يستحق.
{إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد؛ أي للدين الذي ارتضاه وهو دين الإسلام؛ كما قال الله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} وفي هذا رد على القدرية وغيرهم على ما تقدم.
قوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله عز وجل إليهم.
{سبحانه} أي تنزيها له عن الولد {هو الله الواحد القهار}.

تفسير ابن كثير
يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وإنه لتنزيل رب العالمين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تنزيل من حكيم حميد‏}‏، وقال ها هنا ‏{‏تنزيل الكتاب من اللّه العزيز‏}‏ أي المنيع الجناب ‏{‏الحكيم‏}‏ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ‏{‏إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد اللّه مخلصاً له الدين‏}‏ أي فاعبد اللّه وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا للّه وحده، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألا للّه الدين الخالص‏}‏ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل للّه وحده لا شريك له، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏ألا للّه الدين الخالص‏} شهادة أن لا إله إلا اللّه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون‏:‏ ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى‏}‏ أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام، اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند اللّه تعالى، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، قال قتادة والسدي‏:‏ ‏{‏إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى‏}‏ أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم‏:‏ ‏(‏لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك‏)‏ وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة للّه وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن اللّه فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏ وأخبر أن الملائكة التي في السماوات، كلهم عبيد خاضعون للّه، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم ‏{‏فلا تضربوا للّه الأمثال‏}‏ تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً‏.
‏ وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏إن اللّه يحكم بينهم‏}‏ أي يوم القيامة ‏{‏فيما هم فيه يختلفون‏}‏ أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ‏{‏إن اللّه لا يهدي من هو كاذب كفار‏}‏ أي لا يرشد إلى الهداية، من قصده الكذب والافتراء على اللّه تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه؛ ثم بيَّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لو أراد اللّه أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء‏}‏ أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين‏}‏، فهذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحانه هو اللّه الواحد القهار‏}‏ أي تعالى وتنّزه وتقدس، عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي قهر الأشياء، فدانت له وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً‏.

الترجمة الانجليزية:

We have revealed to you the Scripture with exactitude; so worship God with devotion all exclusive for Him.


سورة الزمر آية 3
أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ

أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (ألا لله الدين الخالص) لا يستحقه غيره (والذين اتخذوا من دونه) الأصنام (أولياء) وهم كفار مكة قالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) قربى مصدر بمعنى تقريبا (إن الله يحكم بينهم) وبين المسلمين (فيما هم فيه يختلفون) من أمر الدين فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار (إن الله لا يهدي من هو كاذب) في نسبة الولد إليه (كفار) بعبادته غير الله

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {تنزيل الكتاب} رفع بالابتداء وخبره {من الله العزيز الحكيم}.
ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا تنزيل؛ قال الفراء.
وأجاز الكسائي والفراء أيضا {تنزيل}بالنصب على أنه مفعول به.
قال الكسائي : أي اتبعوا واقرءوا {تنزيل الكتاب}.
وقال الفراء : هو على الإغراء مثل قوله: {كتاب الله عليكم} [النساء : 24] أي الزموا.
والكتاب القرآن.
سمي بذلك لأنه مكتوب.
قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي هذا تنزيل الكتاب من الله وقد أنزلناه بالحق؛ أي بالصدق وليس بباطل وهزل.
{فاعبد الله مخلصا} فيه مسألتان: الأولى: {مخلصا} نصب على الحال أي موحدا لا تشرك به شيئا {له الدين} أي الطاعة.
وقيل : العبادة وهو مفعول به.
{ألا لله الدين الخالص} أي الذي لا يشوبه شيء.
وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ألا لله الدين الخالص} وقد مضى هذا المعنى في {البقرة} و {النساء} و {الكهف} مستوفى.
الثانية: قال ابن العربي : هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان أن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية.
قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء} يعني الأصنام والخبر محذوف.
أي قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} قال قتادة : كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده.
قال الكلبي : جواب هذا الكلام في الأحقاف {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة {الأحقاف : 28] والزلفى القربة؛ أي ليقربونا إليه تقريبا، فوضع {زلفى} في موضع المصدر.
وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد {والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وفي حرف أُبيّ (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله زلفى} ذكره النحاس.
قال : والحكاية في هذا بينة.
{إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما يستحق.
{إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد؛ أي للدين الذي ارتضاه وهو دين الإسلام؛ كما قال الله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} وفي هذا رد على القدرية وغيرهم على ما تقدم.
قوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله عز وجل إليهم.
{سبحانه} أي تنزيها له عن الولد {هو الله الواحد القهار}.

تفسير ابن كثير
يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وإنه لتنزيل رب العالمين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تنزيل من حكيم حميد‏}‏، وقال ها هنا ‏{‏تنزيل الكتاب من اللّه العزيز‏}‏ أي المنيع الجناب ‏{‏الحكيم‏}‏ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ‏{‏إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد اللّه مخلصاً له الدين‏}‏ أي فاعبد اللّه وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا للّه وحده، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألا للّه الدين الخالص‏}‏ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل للّه وحده لا شريك له، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏ألا للّه الدين الخالص‏} شهادة أن لا إله إلا اللّه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون‏:‏ ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى‏}‏ أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام، اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند اللّه تعالى، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، قال قتادة والسدي‏:‏ ‏{‏إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى‏}‏ أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم‏:‏ ‏(‏لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك‏)‏ وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة للّه وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن اللّه فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏ وأخبر أن الملائكة التي في السماوات، كلهم عبيد خاضعون للّه، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم ‏{‏فلا تضربوا للّه الأمثال‏}‏ تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً‏.
‏ وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏إن اللّه يحكم بينهم‏}‏ أي يوم القيامة ‏{‏فيما هم فيه يختلفون‏}‏ أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ‏{‏إن اللّه لا يهدي من هو كاذب كفار‏}‏ أي لا يرشد إلى الهداية، من قصده الكذب والافتراء على اللّه تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه؛ ثم بيَّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لو أراد اللّه أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء‏}‏ أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين‏}‏، فهذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحانه هو اللّه الواحد القهار‏}‏ أي تعالى وتنّزه وتقدس، عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي قهر الأشياء، فدانت له وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً‏.

الترجمة الانجليزية:

Remember that devotion is exclusively for God. Those who have taken protectors other than Him, say: "We worship them that they may bring us nearer to God." Surely God will judge between them in what they are differing about. Verily God does not show the way to an ungrateful liar.


سورة الزمر آية 4
لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (لو أراد الله أن يتخذ ولدا) كما قالوا اتخذ الرحمن ولدا (لاصطفى مما يخلق ما يشاء) واتخذه ولدا غير من قالوا إن الملائكة بنات الله وعزيز ابن الله والمسيح ابن الله (سبحانه) تنزيها له عن اتخاذ الولد (هو الله الواحد القهار) لخلقه

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {تنزيل الكتاب} رفع بالابتداء وخبره {من الله العزيز الحكيم}.
ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا تنزيل؛ قال الفراء.
وأجاز الكسائي والفراء أيضا {تنزيل}بالنصب على أنه مفعول به.
قال الكسائي : أي اتبعوا واقرءوا {تنزيل الكتاب}.
وقال الفراء : هو على الإغراء مثل قوله: {كتاب الله عليكم} [النساء : 24] أي الزموا.
والكتاب القرآن.
سمي بذلك لأنه مكتوب.
قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي هذا تنزيل الكتاب من الله وقد أنزلناه بالحق؛ أي بالصدق وليس بباطل وهزل.
{فاعبد الله مخلصا} فيه مسألتان: الأولى: {مخلصا} نصب على الحال أي موحدا لا تشرك به شيئا {له الدين} أي الطاعة.
وقيل : العبادة وهو مفعول به.
{ألا لله الدين الخالص} أي الذي لا يشوبه شيء.
وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ألا لله الدين الخالص} وقد مضى هذا المعنى في {البقرة} و {النساء} و {الكهف} مستوفى.
الثانية: قال ابن العربي : هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان أن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية.
قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء} يعني الأصنام والخبر محذوف.
أي قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} قال قتادة : كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده.
قال الكلبي : جواب هذا الكلام في الأحقاف {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة {الأحقاف : 28] والزلفى القربة؛ أي ليقربونا إليه تقريبا، فوضع {زلفى} في موضع المصدر.
وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد {والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وفي حرف أُبيّ (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله زلفى} ذكره النحاس.
قال : والحكاية في هذا بينة.
{إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما يستحق.
{إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد؛ أي للدين الذي ارتضاه وهو دين الإسلام؛ كما قال الله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} وفي هذا رد على القدرية وغيرهم على ما تقدم.
قوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله عز وجل إليهم.
{سبحانه} أي تنزيها له عن الولد {هو الله الواحد القهار}.

تفسير ابن كثير
يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وإنه لتنزيل رب العالمين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تنزيل من حكيم حميد‏}‏، وقال ها هنا ‏{‏تنزيل الكتاب من اللّه العزيز‏}‏ أي المنيع الجناب ‏{‏الحكيم‏}‏ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ‏{‏إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد اللّه مخلصاً له الدين‏}‏ أي فاعبد اللّه وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا للّه وحده، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألا للّه الدين الخالص‏}‏ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل للّه وحده لا شريك له، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏ألا للّه الدين الخالص‏} شهادة أن لا إله إلا اللّه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون‏:‏ ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى‏}‏ أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام، اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند اللّه تعالى، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، قال قتادة والسدي‏:‏ ‏{‏إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى‏}‏ أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم‏:‏ ‏(‏لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك‏)‏ وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة للّه وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن اللّه فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏ وأخبر أن الملائكة التي في السماوات، كلهم عبيد خاضعون للّه، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم ‏{‏فلا تضربوا للّه الأمثال‏}‏ تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً‏.
‏ وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏إن اللّه يحكم بينهم‏}‏ أي يوم القيامة ‏{‏فيما هم فيه يختلفون‏}‏ أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ‏{‏إن اللّه لا يهدي من هو كاذب كفار‏}‏ أي لا يرشد إلى الهداية، من قصده الكذب والافتراء على اللّه تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه؛ ثم بيَّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لو أراد اللّه أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء‏}‏ أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين‏}‏، فهذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحانه هو اللّه الواحد القهار‏}‏ أي تعالى وتنّزه وتقدس، عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي قهر الأشياء، فدانت له وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً‏.

الترجمة الانجليزية:

Had God pleased to take a son, He could have chosen whom He liked from among those He has created. Glory be to Him. He is God, the one, the omnipotent.


سورة الزمر آية 5
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (خلق السماوات والأرض بالحق) متعلق بخلق (يكور) يدخل (الليل على النهار) فيزيد (ويكور النهار) يدخله (على الليل) فيزيد (وسخر الشمس والقمر كل يجري) في فلكه (لأجل مسمى) ليوم القيامة (ألا هو العزيز) الغالب على أمره المنتقم من أعدائه (الغفار) لأوليائه

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض بالحق} أي هو القادر على الكمال المستغني عن الصاحبة والولد، ومن كان هكذا فحقه أن يفرد بالعبادة لا أنه يشرك به.
ونبه بهذا على أن يتعبد العباد بما شاء وقد فعل.
{يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل {قال الضحاك : أي يلقي هذا على هذا وهذا على هذا.
وهذا على معنى التكوير في اللغة وهو طرح الشيء بعضه على بعض؛ يقال كور المتاع أي ألقى بعضه على بعض؛ ومنه كور العمامة.
وقد روي عن ابن عباس هذا في معنى الآية.
قال : ما نقص من الليل دخل في النهار وما نقص من النهار دخل في الليل.
وهو معنى قوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [فاطر : 13] وقيل : تكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه، ويغشى النهار على الليل فيذهب ظلمته، وهذا قول قتادة.
وهو معنى قوله تعالى: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} [الأعراف : 54].
{وسخر الشمس والقمر}أي بالطلوع والغروب لمنافع العباد.
{كل يجري لأجل مسمى} أي في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة حين تنفطر السماء وتنتثر الكواكب.
وقيل : الأجل المسمى هو الوقت الذي ينتهي فيه سير الشمس والقمر إلى المنازل المرتبة لغروبها وطلوعها.
قال الكلبي : يسيران إلى أقصى منازلهما، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه.
وقد تقدم بيان هذا في سورة [يس].
{ألا هو العزيز الغفار} {ألا} تنبيه أي تنبهوا فإني أنا {العزيز} الغالب {الغفار} الساتر لذنوب خلقه برحمته.
قوله تعالى: {خلقكم من نفس واحدة} يعني آدم عليه السلام {ثم جعل منها زوجها} يعني ليحصل التناسل وقد مضى هذا في {الأعراف} وغيرها.
{وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} أخبر عن الأزواج بالنزول، لأنها تكونت بالنبات والنبات بالماء المنزل.
وهذا يسمى التدريج؛ ومثله قوله تعالى: {قد أنزلنا عليكم لباسا} [الأعراف : 26] الآية.
وقيل : أنزل أنشأ وجعل.
وقال سعيد بن جبير : خلق.
وقيل : إن الله تعالى خلق هذه الأنعام في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض؛ كما قيل في قوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} [الحديد : 25] فإن آدم لما هبط إلى الأرض أنزل معه الحديد.
وقيل: {وأنزل لكم من الأنعام} أي أعطاكم.
وقيل : جعل الخلق إنزالا؛ لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء.
فالمعنى : خلق لكم كذا بأمره النازل.
قال قتادة : من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين كل واحد زوج.
وقد تقدم هذا.
{يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق} قال قتادة والسدي : نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما.
ابن زيد {خلقا من بعد خلق} خلقا في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم.
وقيل : في ظهر الأب ثم خلقا في بطن الأم ثم خلقا بعد الوضع ذكره الماوردي.
{في ظلمات ثلاث} ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة.
قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك.
وقال ابن جبير : ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة الليل.
والقول الأول أصح.
وقيل : ظلمة صلب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم.
وهذا مذهب أبي عبيدة.
أي لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين.
{ذلكم الله} أي الذي خلق هذه الأشياء {ربكم له الملك لا إله إلا هو}.
{فأنى تصرفون} أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره.
وقرأ حمزة {إمهاتكم} بكسر الهمزة والميم.
والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم.
الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

تفسير ابن كثير
يخبر تعالى أنه الخالق لما في السماوات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلّب ليله ونهاره {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} أي سخرهما يجريان متعاقبين، لا يفترقان، كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، كقوله تعالى: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً}، وقوله عزَّ وجلَّ: {وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجلٍ مسمى} أي إلى مدة معلومة عند اللّه تعالى، ثم ينقضي يوم القيامة {ألا هو العزيز الغفار} أي مع عزته وعظمته وكبريائه، هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه، وقوله جلت عظمته: {خلقكم من نفس واحدة} أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم {من نفس واحدة} وهو آدم عليه الصلاة والسلام {ثم جعل منها زوجها} وهي حواء عليها السلام كقوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}، وقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} أي وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في سورة الأنعام من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، وقوله عزَّ وجلَّ: {يخلقكم في بطون أمهاتكم} أي قدّركم في بطون أمهاتكم {خلقاً من بعد خلق} يكون أحدكم أولاً نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً، وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر {فتبارك اللّه أحسن الخالقين}، وقوله جلَّ وعلا: {في ظلمات ثلاث} يعني ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس ومجاهد وهو قول عكرمة والضحّاك والسدي وقتادة وابن زيد وغيرهم.
وقوله جلَّ جلاله: {ذلكم اللّه ربكم} أي هذا الذي خلقكم وخلق آباءكم، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك {لا إله إلا هو} أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له {فأنّى تصرفون} أي فكيف تعبدون معه غيره؟ وأين يذهب بعقولكم؟.

الترجمة الانجليزية:

He has created the heavens and the earth with precision. He folds the day up over the night, and folds the night up over the day. He has subjugated the sun and moon, (so that) each runs its appointed course. Is He not all-mighty and forgiving?