بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 78
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة الحج آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة الحج 1 - (يا أيها الناس) أي أهل مكة وغيرهم (اتقوا ربكم) أي عقابه بأن تطيعوه (إن زلزلة الساعة) أي الحركة الشديدة للأرض التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها الذي هو قرب الساعة (شيء عظيم) في إزعاج الناس الذي هو نوع من العقاب

تفسير القرطبي
روى الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم - إلى قوله - ولكن عذاب الله شديد} قال : أنزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال : (أتدرون أي يوم ذلك؟ فقالوا : الله ورسول أعلم؛ قال : ذاك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار قال يا رب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة).
فأنشأ المسلمون يبكون؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قاربوا وسددوا فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية - قال - فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير - ثم قال - إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة - فكبروا؛ ثم قال - إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة - فكبروا؛ ثم قال - إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) فكبروا.
قال : لا أدري قال الثلثين أم لا.
قال : هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه الحسن عن عمران بن حصين.
وفيه : فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (اعملوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم وبني إبليس قال : فسري عن القوم بعض الذي يجدون؛ فقال : (اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة) قال : هذا حديث حسن صحيح.
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك - قال - يقول أخرج بعث النار قال وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قال فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل، حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
قال : فاشتد ذلك عليهم؛ قالوا : يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ فقال : أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل).
وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين.
وذكر أبو جعفر النحاس قال : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال حدثنا سلمة قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم - إلى - ولكن عذاب الله شديد} قال : نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال : (أتدرون أي يوم هذا هذا يوم يقول الله عز وجل لآدم صلى الله عليه وسلم يا آدم قم فابعث بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة.
فكبر ذلك على المسلمين؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سدوا وقاربوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الحمار وإن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والأنس).
قوله تعالى{يا أيها الناس اتقوا ربكم} المراد بهذا النداء المكلفون؛ أي اخشوه في أوامره أن تتركوها، ونواهيه أن تقدموا عليها.
والاتقاء : الاحتراس من المكروه؛ وقد تقدم في أول {البقرة} القول فيه مستوفى، فلا معنى لإعادته.
والمعنى : احترسوا بطاعته عن عقوبته.
قوله تعالى{إن زلزلة الساعة شيء عظيم} الزلزلة شدة الحركة؛ ومنه {وزلزلوا حتى يقول الرسول}[البقرة : 214].
وأصل الكلمة من زل عن الموضع؛ أي زال عنه وتحرك.
وزلزل الله قدمه؛ أي حركها.
وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء.
وقيل : هي الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة، التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة؛ هذا قول الجمهور.
وقد قيل : إن هذه الزلزلة تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها، فالله أعلم.

تفسير ابن كثير
يقول تعالى آمرا عباده بتقواه، ومخبرا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم، كما قال تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها}، وقال تعالى: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة .
فيومئذ وقعت الواقعة} الآية، فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة، عن علقمة في قوله {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} قال: قبل الساعة "" ذكره ابن جرير وابن أبي حاتم عن إبراهيم عن علقمة"".
وعن عامر الشعبي قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة، وقد أورد الإمام ابن جرير في حادث الصور عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّه لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر).
قال أبو هريرة: يا رسول اللّه! وما الصور؟ قال: (قرن)، قال: فكيف هو؟ قال: (قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأول نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر اللّه إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء اللّه، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول اللّه تعالى: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق}، فتسير الجبال فتكون ترابا، وترج الأرض بأهلها رجا وهي التي يقول اللّه تعالى: {يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة}، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويولي الناس مدبرين ينادي بعضُهم بعضا وهي التي يقول اللّه تعالى: {يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من اللّه من عاصم ومن يضلل اللّه فما له من هاد}.
فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر ورأوا أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما اللّه أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها وانتثرت نجومها ثم كشطت - عنهم - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك)، قال أبو هريرة: فمن استثنى اللّه حين يقول: {ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء} قال: (أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم اللّه شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب اللّه يبعثه على شرار خلقه وهو الذي يقول اللّه: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد}) ""الحديث رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم"".
وهذا الحديث دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال أشراط الساعة ونحو ذلك واللّه أعلم.
وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال كائن قبل يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث: ""الحديث الأول"": عن عمران بن حصين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: لما نزلت {يا أيها الناس اتقوا ربكم - إلى قوله - ولكن عذاب اللّه شديد} قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال: (أتدرون أي يوم ذلك؟) قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: (ذلك يوم يقول اللّه لآدم ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة)، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير)، ثم قال: (إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة)، فكبروا، ثم قال: (إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة)، فكبروا، ثم قال: (إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة)، فكبروا، ثم قال: ولا أدري أقال الثلثين أم لا؟ ""الحديث أخرجه الترمذي والإمام أحمد عن عمران بن حصين، وقال الترمذي: حديث صحيح"".
""الحديث الثاني"": قال البخاري عند تفسير هذه الآية، عن أبي سعيد الخدري قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (يقول اللّه تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت إن اللّه يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد})، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: ثلث أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: شطر أهل الجنة)، فكبرنا ""أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري"".
""الحديث الثالث"": عن عائشة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إنكم تحشرون إلى اللّه يوم القيامة حفاة عراة غرلا)، قالت عائشة: يا رسول اللّه الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال: (يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك) ""أخرجاه في الصحيحين ورواه الإمام أحمد، وفي رواية: إن الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض"".
""الحديث الرابع"": عن عائشة قالت، قلت: يا رسول اللّه هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: (يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فيطوى عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع اللّه إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد - قال: فينطوي عليهم ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر وأحد من السيف عليه كلاليب وحسك يأخذان من شاء اللّه، والناس عليه كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: يا رب سلم سلم، فناج مسلَّم ومخدوش مسلَّم، ومكور في النار على وجهه) ""أخرجه الإمام أحمد عن عائشة رضي اللّه عنها"".
والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جدا لها موضع آخر، ولهذا قال اللّه تعالى: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} أي أمر عظيم وخطب جليل، والزلزال هو ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا}، ثم قال تعالى: {يوم ترونها} هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرا له: {تذهل كل مرضعة عما أرضعت} أي فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: {كل مرضعة} ولم يقل مرضع، وقال {عما أرضعت} أي عن رضعيها وفطامه، وقوله: {وتضع كل ذات حمل حملها} أي قبل تمامه لشدة الهول {وترى الناس سكارى} أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى {وما هم بسكارى ولكنّ عذاب اللّه شديد}.

الترجمة الانجليزية:

O YOU PEOPLE, fear your Lord. The great upheaval of the Hour will indeed be terrible.


سورة الحج آية 2
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ

يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (يوم ترونها تذهل) بسببها (كل مرضعة) بالفعل (عما أرضعت) أي تنساه (وتضع كل ذات حمل) أي حبلى (حملها وترى الناس سكارى) من شدة الخوف (وما هم بسكارى) من الشراب (ولكن عذاب الله شديد) فهم يخافونه

تفسير القرطبي
قوله تعالى{يوم ترونها} الهاء في {ترونها} عائدة عند الجمهور على الزلزلة؛ ويقوي هذا قوله عز وجل{ تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها} والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا.
وقالت فرقة : الزلزلة في يوم القيامة؛ واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه، وفيه : (أتدرون أي يوم ذلك.
.
.
) الحديث.
وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري.
قوله{تذهل} أي تشتغل؛ قاله قطرب.
وأنشد : ضربا يزيل الهام عن مقيله ** ويذهل الخليل عن خليله وقيل تنسى.
وقيل تلهو؛ وقيل تسلو؛ والمعنى متقارب.
{عما أرضعت} قال المبرد{ما} بمعنى المصدر؛ أي تذهل عن الإرضاع.
قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا؛ إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع.
إلا أن يقال : ما ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول.
ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك.
ويقال : هذا كما قال الله عز وجل{يوما يجعل الولدان شيبا}[المزمل : 17].
وقيل : تكون مع النفخة الأولى.
وقيل : تكون مع قيام الساعة، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية.
ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة؛ كما قال تعالى{مستهم البأساء والضراء وزلزلوا}[البقرة : 214].
وكما قال عليه السلام : (اللهم اهزمهم وزلزلهم).
وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح.
وتسمية الزلزلة بـ {شيء} إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها، فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة؛ إذ اليقين يشبه الموجدات.
وإما على المآل؛ أي هي إذا وقعت شيء عظيم.
وكأنه لم يطلق الاسم الآن، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شيء عظيم، ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس؛ كما قال : قوله تعالى{ وترى الناس سكارى} أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع.
{ وما هم بسكارى} من الخمر.
وقال أهل المعاني : وترى الناس كأنهم سكارى.
يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبدالله {وترى الناس} بضم التاء؛ أي تظن ويخيل إليك.
وقرأ حمزة والكسائي {سكرى} بغير ألف.
الباقون {سكارى} وهما لغتان لجمع سكران؛ مثل كسلى وكسالى.
والزلزلة : التحريك العنيف.
والذهول.
الغفلة عن الشيء بطروء ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره.
قال ابن زيد : المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها.

تفسير ابن كثير
يقول تعالى آمرا عباده بتقواه، ومخبرا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم، كما قال تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها}، وقال تعالى: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة .
فيومئذ وقعت الواقعة} الآية، فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة، عن علقمة في قوله {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} قال: قبل الساعة "" ذكره ابن جرير وابن أبي حاتم عن إبراهيم عن علقمة"".
وعن عامر الشعبي قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة، وقد أورد الإمام ابن جرير في حادث الصور عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّه لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر).
قال أبو هريرة: يا رسول اللّه! وما الصور؟ قال: (قرن)، قال: فكيف هو؟ قال: (قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأول نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر اللّه إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء اللّه، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول اللّه تعالى: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق}، فتسير الجبال فتكون ترابا، وترج الأرض بأهلها رجا وهي التي يقول اللّه تعالى: {يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة}، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويولي الناس مدبرين ينادي بعضُهم بعضا وهي التي يقول اللّه تعالى: {يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من اللّه من عاصم ومن يضلل اللّه فما له من هاد}.
فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر ورأوا أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما اللّه أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها وانتثرت نجومها ثم كشطت - عنهم - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك)، قال أبو هريرة: فمن استثنى اللّه حين يقول: {ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء} قال: (أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم اللّه شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب اللّه يبعثه على شرار خلقه وهو الذي يقول اللّه: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد}) ""الحديث رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم"".
وهذا الحديث دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال أشراط الساعة ونحو ذلك واللّه أعلم.
وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال كائن قبل يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث: ""الحديث الأول"": عن عمران بن حصين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: لما نزلت {يا أيها الناس اتقوا ربكم - إلى قوله - ولكن عذاب اللّه شديد} قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال: (أتدرون أي يوم ذلك؟) قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: (ذلك يوم يقول اللّه لآدم ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة)، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير)، ثم قال: (إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة)، فكبروا، ثم قال: (إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة)، فكبروا، ثم قال: (إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة)، فكبروا، ثم قال: ولا أدري أقال الثلثين أم لا؟ ""الحديث أخرجه الترمذي والإمام أحمد عن عمران بن حصين، وقال الترمذي: حديث صحيح"".
""الحديث الثاني"": قال البخاري عند تفسير هذه الآية، عن أبي سعيد الخدري قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (يقول اللّه تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت إن اللّه يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد})، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: ثلث أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: شطر أهل الجنة)، فكبرنا ""أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري"".
""الحديث الثالث"": عن عائشة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إنكم تحشرون إلى اللّه يوم القيامة حفاة عراة غرلا)، قالت عائشة: يا رسول اللّه الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال: (يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك) ""أخرجاه في الصحيحين ورواه الإمام أحمد، وفي رواية: إن الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض"".
""الحديث الرابع"": عن عائشة قالت، قلت: يا رسول اللّه هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: (يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فيطوى عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع اللّه إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد - قال: فينطوي عليهم ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر وأحد من السيف عليه كلاليب وحسك يأخذان من شاء اللّه، والناس عليه كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: يا رب سلم سلم، فناج مسلَّم ومخدوش مسلَّم، ومكور في النار على وجهه) ""أخرجه الإمام أحمد عن عائشة رضي اللّه عنها"".
والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جدا لها موضع آخر، ولهذا قال اللّه تعالى: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} أي أمر عظيم وخطب جليل، والزلزال هو ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا}، ثم قال تعالى: {يوم ترونها} هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرا له: {تذهل كل مرضعة عما أرضعت} أي فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: {كل مرضعة} ولم يقل مرضع، وقال {عما أرضعت} أي عن رضعيها وفطامه، وقوله: {وتضع كل ذات حمل حملها} أي قبل تمامه لشدة الهول {وترى الناس سكارى} أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى {وما هم بسكارى ولكنّ عذاب اللّه شديد}.

الترجمة الانجليزية:

The day you see it every suckling female will forget her suckling, and every pregnant female will discharge her burden. You will see men drunk, yet it will not be intoxication. The torment of God will be severe.


سورة الحج آية 3
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - ونزل في النضر بن الحارث وجماعته (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) قالوا الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا (ويتبع) في جداله (كل شيطان مريد) أي متمرد

تفسير القرطبي
قوله تعالى{ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} قيل : المراد النضر بن الحارث، قال : إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا.
{ويتبع} أي في قوله ذلك.
{ كل شيطان مريد} متمرد.

تفسير ابن كثير
يقول تعالى ذاماً لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة اللّه على إحياء الموتى {ومن الناس من يجادل في اللّه بغير علم} أي علم صحيح، {ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه} قال مجاهد يعني الشيطان، يعني كتب عليه كتابة قدرية {أنه من تولاه} أي اتبعه وقلده {فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} أي يضله في الدنيا ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المزعج، قال السدي: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، وروى أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو، فتقعقعت السماء قعقعة - والقعقعة في كلام العرب الرعد - فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه ""أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب المكي""، وقال مجاهد: جاء يهودي فقال يا محمد: أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ من در أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته.

الترجمة الانجليزية:

And yet there are men who contend about God without understanding, and follow every wayward devil


سورة الحج آية 4
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ

كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (كتب عليه) قضي على الشيطان (أنه من تولاه) أي اتبعه (فأنه يضله ويهديه) يدعوه (إلى عذاب السعير) أي النار

تفسير القرطبي
قال قتادة ومجاهد : أي من تولى الشيطان.
{فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير}.

تفسير ابن كثير
يقول تعالى ذاماً لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة اللّه على إحياء الموتى {ومن الناس من يجادل في اللّه بغير علم} أي علم صحيح، {ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه} قال مجاهد يعني الشيطان، يعني كتب عليه كتابة قدرية {أنه من تولاه} أي اتبعه وقلده {فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} أي يضله في الدنيا ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المزعج، قال السدي: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، وروى أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو، فتقعقعت السماء قعقعة - والقعقعة في كلام العرب الرعد - فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه ""أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب المكي""، وقال مجاهد: جاء يهودي فقال يا محمد: أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ من در أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته.

الترجمة الانجليزية:

Who, it is inscribed, will beguile whoever follows him, and lead him to the torment of Hell.


سورة الحج آية 5
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (يا أيها الناس) أي أهل مكة (إن كنتم في ريب) شك (من البعث فإنا خلقناكم) أي أصلكم آدم (من تراب ثم) خلقنا ذريته (من نطفة) مني (ثم من علقة) وهي الدم الجامد (ثم من مضغة) وهي لحمة قدر ما يمضغ (مخلقة) مصورة تامة الخلق (وغير مخلقة) أي غير تامة الخلقة (لنبين لكم) كمال قدرتنا لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته (ونقر) مستأنف (في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى) وقت خروجه (ثم نخرجكم) من بطون أمهاتكم (طفلا) بمعنى أطفالا (ثم) نعمركم (لتبلغوا أشدكم) أي الكمال والقوة وهو بين الثلاثين إلى الأربعين سنة (ومنكم من يتوفى) يموت قبل بلوغ الأشد (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أخسه من الهرم والخرف (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) قال عكرمة من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة (وترى الأرض هامدة) يابسة (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت) تحركت (وربت) ارتفعت وزادت (وأنبتت من) زائدة (كل زوج) صنف (بهيج) حسن

تفسير القرطبي
الأولى: قوله تعالى{إن كنتم في ريب} متضمنة التوقيف.
وقرأ الحسن بن أبي الحسن {البعث} بفتح العين؛ وهي لغة في {البعث} عند البصريين.
وهي عند الكوفيين بتخفيف {بعث}.
والمعنى : يا أيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة.
{فإنا خلقناكم} أي خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر، يعني آدم عليه السلام {من تراب}.
{ثم} خلقنا ذريته.
{من نطفة} وهو المني؛ سمي نطفة لقلته، وهو القليل من الماء، وقد يقع على الكثير منه؛ ومنه الحديث (حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورا).
أراد بحر المشرق وبحر المغرب.
والنطف : القطر.
نطف ينطف وينطف.
وليلة نطوفة دائمة القطر.
{ثم من علقة} وهو الدم الجامد.
والعلق الدم العبيط؛ أي الطري.
وقيل : الشديد الحمرة.
{ثم من مضغة} وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ؛ ومنه الحديث (ألا وإن في الجسد مضغة).
وهذه الأطوار أربعة أشهر.
قال ابن عباس : (وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح)، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها؛ أربعة أشهر وعشر.
الثانية: روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدثنا داود عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود وعن ابن عمر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال يا رب، ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الأجل والأثر، بأي أرض تموت؟ فيقال له انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب، فتخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها؛ ثم قرأ عامر {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب}.
وفي الصحيح عن أنس بن مالك - ورفع الحديث - قال : (إن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة.
أي رب علقة.
أي رب مضغة.
فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد.
فما الرزق فما الأجل.
فيكتب كذلك في بطن أمه).
وفي الصحيح أيضا عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول أي رب أذكر أم أنثى.
.
.
) وذكر الحديث.
وفي الصحيح عن عبدالله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
.
.
) الحديث.
فهذا الحديث مفسر للأحاديث الأول؛ فإنه فيه : (يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح) فهذه أربعة أشهر وفي العشر ينفخ الملك الروح، وهذه عدة المتوفى عنها زوجها كما قال ابن عباس.
وقوله : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه) قد فسره ابن مسعود، سئل الأعمش : ما يجمع في بطن أمه؟ فقال : حدثنا خيثمة قال قال عبدالله : إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوما ثم تصير دما في الرحم؛ فذلك جمعها، وهذا وقت كونها علقة.
الثالثة: نسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية، وأن ما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير والتشكيل بقدرة الله وخلقه واختراعه؛ ألا تراه سبحانه قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية، وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال{ولقد خلقناكم ثم صورناكم}[الأعراف : 11].
وقال{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين.
ثم جعلناه نطفة في قرار مكين}[المؤمنون : 12 - 13].
وقال{يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة}.
وقال تعالى{هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}[التغابن : 2].
ثم قال{وصوركم فأحسن صوركم}[غافر : 64].
وقال{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}[التين : 4].
وقال{خلق الإنسان من علق}[العلق : 2].
إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين أن لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين.
وهكذا القول في قوله{ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح} أي أن النفخ سبب خلق الله فيها الروح والحياة.
وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة؛ فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره.
فتأمل هذا الأصل وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال الطبعيين وغيرهم.
الرابعة: لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس؛ كما بيناه بالأحاديث.
وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات؛ وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف.
وقد قيل : إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهذا الدخول في الخامس يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل.
الخامسة: النطفة ليست بشيء يقينا، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل؛ فإذا طرحته علقة فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال يتحقق به أنه ولد.
وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل، تبرأ به الرحم، وتنقضي به العدة، ويثبت به لها حكم أم الولد.
وهذا مذهب مالك رضي الله عنه وأصحابه.
وقال الشافعي رضي الله عنه : لا اعتبار بإسقاط العلقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط؛ فإن خفي التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج، والمنصوص أنه تنقضي به العدة ولا تكون أم ولد.
قالوا : لأن العدة تنقضي بالدم الجاري، فبغيره أولى.
السادسة: قوله تعالى{مخلقة وغير مخلقة} قال الفراء{مخلقة} تامة الخلق، {وغير مخلقة} السقط.
وقال ابن الأعرابي{مخلقة} قد بدأ خلقها، {وغير مخلقة} لم تصور بعد.
ابن زيد : المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير مخلقة التي لم يخلق فيها شيء.
قال ابن العربي : إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة؛ لأن الكل خلق الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال الله تعالى{ثم أنشأناه خلقا آخر}[المؤمنون : 14] فذلك ما قال ابن زيد.
قلت : التخليق من الخلق، وفيه معنى الكثرة، فما تتابع عليه الأطوار فقد خلق خلقا بعد خلق، وإذا كان نطفة فهو مخلوق؛ ولهذا قال الله تعالى{ثم أنشأناه خلقا آخر}[المؤمنون : 14] والله أعلم.
وقد قيل : إن قوله{مخلقة وغير مخلقة} يرجع إلى الولد بعينه لا إلى السقط؛ أي منهم من يتم الرب سبحانه مضغته فيخلق له الأعضاء أجمع، ومنهم من يكون خديجا ناقصا غير تمام.
وقيل : (المخلقة أن تلد المرأة لتمام الوقت).
ابن عباس : المخلقة ما كان حيا، وغير المخلقة السقط.
قال.
أفي غير المخلقة البكاء ** فأين الحزم ويحك والحياء السابعة: أجمع العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما تسقطه من ولد تام الخلق.
وعند مالك والأوزاعي وغيرهما بالمضغة كانت مخلقة أو غير مخلقة.
قال مالك : إذا علم أنها مضغة.
وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن كان قد تبين له شيء من خلق بني آدم أصبع أو عين أو غير ذلك فهي له أم ولد.
وأجمعوا على أن المولود إذا استهل صارخا يصلى عليه؛ فإن لم يستهل صارخا لم يصل عليه عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم.
وروي عن ابن عمر أنه يصلى عليه؛ وقال ابن المسيب وابن سيرين وغيرهما.
وروي عن المغيرة بن شعبة أنه (كان يأمر بالصلاة على السقط، ويقول سموهم واغسلوهم وكفنوهم وحنطوهم؛ فإن الله أكرم بالإسلام كبيركم وصغيركم، ويتلو هذه الآية {فإنا خلقناكم من تراب - إلى - وغير مخلقة}.
) قال ابن العربي : لعل المغيرة بن شعبة أراد بالسقط ما تبين خلقه فهو الذي يسمى، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له.
وقال بعض السلف : يصلى عليه متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر.
وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا استهل المولود ورث).
الاستهلال : رفع الصوت؛ فكل مولود كان ذلك منه أو حركة أو عطاس أو تنفس فإنه يورث لوجود ما فيه من دلالة الحياة.
وإلى هذا ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي.
قال الخطابي : وأحسنه قول أصحاب الرأي.
وقال مالك : لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل.
وروي عن محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة.
الثامنة: قال مالك رضي الله عنه : ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغرة.
وقال الشافعي : لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه.
قال مالك : إذا سقط الجنين فلم يستهل صارخا ففيه الغرة.
وسواء تحرك أو عطس فيه الغرة أبدا، حتى يستهل صارخا ففيه الدية كاملة.
وقال الشافعي رضي الله عنه وسائر فقهاء الأمصار : إذا علمت حياته بحركة أو بعطاس أو باستهلاك أو بغير ذلك مما تستيقن به حياته ففيه الدية.
التاسعة: ذكر القاضي إسماعيل أن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع، واحتج عليه بأنه حمل، وقال قال الله تعالى{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}.
قال القاضي إسماعيل : والدليل على ذلك أنه يرث أباه، فدل على وجوده خلقا وكونه ولدا وحملا.
قال ابن العربي : ولا يرتبط به شيء من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقا.
قلت : ما ذكرناه من الاشتقاق وقوله عليه الصلاة والسلام : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه) يدل على صحة ما قلناه، ولأن مسقطة العلقة والمضغة يصدق على المرأة إذا ألقته أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها، فيشملها قوله تعالى{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}[الطلاق : 4] ولأنها وضعت مبدأ الولد عن نطفة متجسدا كالمخطط، وهذا بين.
العاشرة: روى ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا يزيد عن عبدالملك النوفلي عن يزيد بن رومان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه [خلفي]).
وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث له عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فقال : (أحب إلي من ألف فارس أخلفه ورائي).
الحادية عشرة: {لنبين لكم} يريد : كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم.
{ونقر في الأرحام} قرئ بنصب {نقر} و{نخرج}، رواه أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم قال قال أبو حاتم : النصب على العطف.
وقال الزجاج{نقر} بالرفع لا غير؛ لأنه ليس المعنى : فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء، وإنما خلقهم عز وجل ليدلهم على الرشد والصلاح.
وقيل : المعنى لنبين لهم أمر البعث؛ فهو اعتراض بين الكلامين.
وقرأت هذه الفرقة بالرفع {ونقر}؛ المعنى : ونحن نقر.
وهي قراءة الجمهور.
وقرئ{ويقر} و{يخرجكم} بالياء، والرفع على هذا سائغ.
وقرأ.
ابن وثاب {ما نشاء} بكسر النون.
والأجل المسمى يختلف بحسب جنين جنين؛ فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حيا.
وقال {ما نشاء} ولم يقل من نشاء لأنه يرجع إلى الحمل؛ أي يقر في الأرحام ما نشاء من الحمل ومن المضغة وهي جماد فكنى عنها بلفظ ما.
الثانية عشرة: قوله تعالى{ثم نخرجكم طفلا} أي أطفالا؛ فهو اسم جنس.
وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد؛ قال الشاعر : يلحينني في حبها ويلمنني ** إن العواذل ليس لي بأمير ولم يقل أمراء.
وقال المبرد : وهو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل، فيقع على الواحد والجمع؛ قال الله تعالى{أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء}[النور : 31].
وقال الطبري : وهو نصب على التمييز، كقوله تعالى{فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا}[النساء : 4].
وقيل : المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلا.
والطفل يطلق من وقت انفصال الولد إلى البلوغ.
وولد كل وحشية أيضا طفل.
ويقال : جارية طفل، وجاريتان طفل وجوار طفل، وغلام طفل، وغلمان طفل.
ويقال أيضا : طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال.
ولا يقال : طفلات.
وأطفلت المرأة صارت ذات طفل.
والمطفلة : الظبية معها طفلها، وهي قريبة عهد بالنتاج.
وكذلك الناقة، [والجمع] مطافل ومطافيل.
والطفل (بالفتح في الطاء) الناعم؛ يقال : جارية طفلة أي ناعمة، وبنان طفل.
وقد طفل الليل إذا أقبل ظلامه.
والطفل (بالتحريك) : بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب.
والطفل (أيضا) : مطر؛ قال : لوهد جاده طفل الثريا قوله تعالى{ثم لتبلغوا أشدكم} قيل : إن {ثم} زائدة كالواو في قوله {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها}[الزمر : 73]؛ لأن ثم من حروف النسق كالواو.
{أشدكم} كمال عقولكم ونهاية قواكم.
وقد مضى في {الأنعام} بيانه.
{ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل؛ ولهذا قال{لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} كما قال في سورة يس{ومن نعمره ننكسه في الخلق}[يس : 68].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : (اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر).
أخرجه النسائي عن سعد، وقال : وكان يعلمهن بنيه كما يعلم المكتب الغلمان.
وقد مضى في النحل هذا المعنى.
قوله تعالى{وترى الأرض هامدة} ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول{فإنا خلقناكم من تراب} فخاطب جمعا.
وقال في الثاني{وترى الأرض} فخاطب واحدا، فانفصل اللفظ عن اللفظ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث.
{هامدة} يابسة لا تنبت شيئا؛ قال ابن جريج.
وقيل : دارسة.
والهمود الدروس.
قال الأعشى : قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ** وأرى ثيابك باليات همدا الهروي{هامدة} أي جافة ذات تراب.
وقال شمر : يقال : همد شجر الأرض إذا بلي وذهب.
وهمدت أصواتهم إذا سكنت.
وهمود الأرض ألا يكون فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم يصبها مطر.
وفي الحديث : (حتى كاد يهمد من الجوع) أي يهلك.
يقال : همد الثوب يهمد إذا بلي.
وهمدت النار تهمد.
قوله تعالى{فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} أي تحركت.
والاهتزاز : شدة الحركة؛ يقال : هززت الشيء فاهتز؛ أي حركته فتحرك.
وهز الحادي الإبل هزيزا فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحدائه.
واهتز الكوكب في انقضاضه.
وكوكب هاز.
فالأرض تهتز بالنبات؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفية؛ فسماه اهتزازا مجازا.
وقيل : اهتز نباتها، فحذف المضاف؛ قال المبرد، واهتزازه شدة حركته، كما قال الشاعر : تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت ** كما اهتز غصن البان في ورق خضر والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض.
{وربت} أي ارتفعت وزادت.
وقيل : انتفخت؛ والمعنى واحد، وأصله الزيادة.
ربا الشيء يربو ربوا أي زاد؛ ومنه الربا والربوة.
وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس {وربأت} أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة، وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف؛ فهو رابئ وربيئة على المبالغة.
قال امرؤ القيس : بعثنا ربيئا قبل ذاك مخملا ** كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي {وأنبتت} أي أخرجت.
{من كل زوج} أي لون.
{بهيج} أي حسن؛ عن قتادة.
أي يبهج من يراه.
والبهجة الحسن؛ يقال : رجل ذو بهجة.
وقد بهج (بالضم) بهاجة وبهجة فهو بهيج.
وأبهجني أعجبني بحسنه.
ولما وصف الأرض بالإنبات دل على أن قوله{اهتزت وربت} يرجع إلى الأرض لا إلى النبات.
والله أعلم.

تفسير ابن كثير
لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب} أي في شك، {من البعث} وهو المعاد، وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة، {فإنا خلقناكم من تراب} أي أصل برئه لكم من تراب وهو الذي خلق منه آدم عليه السلام، {ثم من نطفة} أي ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، {ثم من علقة ثم من مضغة}، وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت أربعين يوماً كذلك يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن اللّه فتمكث كذلك أربعين يوماً، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء، فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: {ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} أي كما تشاهدونها، {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} أي وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: {مخلقة وغير مخلقة} قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة أرسل اللّه تعالى ملكاً إليها فنفخ فيها الروح وسوَّاها كما يشاء اللّه عزَّ وجلَّ، من حسن وقبح وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللّه إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح).
وروى ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن مسعود قال: النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملك بكفه، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دماً، وإن قيل: مخلقة، قال: أي رب ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، ما الأجل وما الأثر؟ وبأي أرض يموت؟ قال، فيقال للنطفة من ربك؟ فتقول: اللّه، فيقال من رازقك؟ فتقول: اللّه، فيقال له: اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها، وتطأ أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك؛ ثم تلا عامر الشعبي: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} ""أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبد اللّه بن مسعود""، وقال ابن أبي حاتم، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين يوماً أو خمس وأربعين فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول اللّه، ويكتبان فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول اللّه، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص) ""أخرجه ابن أبي حاتم ورواه مسلم بنحو معناه"".
{ثم نخرجكم طفلا} أي ضعيفاً في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، ثم يعطيه اللّه القوة شيئاً فشيئاً، ويلطف به ويحنن عليه والديه، ولهذا قال {ثم لتبلغوا أشدكم} أي بتكامل القوى، ويتزايد ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر، {ومنكم من يتوفى} أي في حال شبابه وقواه، {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا قال: {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا}، كما قال تعالى: {اللّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة } وقوله تعالى: {وترى الأرض هامدة} هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى، كما يحيي الأرض الميتة الهامدة وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء، وقال قتادة: غبراء متهشمة، وقال السدي: ميتة، {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج}: أي فإذا أنزل اللّه عليها المطر {اهتزت} أي تحركت بالنبات وحييت بعد موتها، {وربت} أي ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من ثمار وزروع، وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: {وأنبتت من كل زوج بهيج} أي حسن المنظر طيب الريح، وقوله: {ذلك بأن اللّه هو الحق} أي الخالق المدبر الفعال لما يشاء، {وأنه يحيي الموتى} أي كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع {إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}، {وأن الساعة آتية لا ريب فيها} أي كائنة لا شك فيها ولا مرية، {وأن اللّه يبعث من في القبور} أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمماً ويوجدهم بعد العدم، كما قال تعالى: {قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل شيء عليم} والآيات في هذا كثيرة.
وقد روى الإمام أحمد، عن لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول اللّه أكلنا يرى ربه عزَّ وجلَّ يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أليس كلكم ينظر إلى القمر مخلياً به؟) قلنا: بلى، قال: فاللّه أعظم، قال، قلت: يا رسول اللّه كيف يحيي اللّه الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (أما مررت بوادي أهلك ممحلاً؟) قال: بلى، قال: (ثم مررت به يهتز خضراً) قال: بلى، قال: (فكذلك يحيي اللّه الموتى وذلك آيته في خلقه) ""أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه"".
وقال ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: من علم أن اللّه هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور؛ دخل الجنة ""أخرجه ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل"".

الترجمة الانجليزية:

If you have any doubt, O men, about being raised to life again, (remember) that We created you from dust, then a drop of semen, then an embryo, then a chewed up lump of flesh shaped and shapeless, that We may reveal (the various steps) to you. We keep what We please in the womb for a certain time, then you come out as a child, then reach the prime of age. Some of you die, some reach the age of dotage when they forget what they knew, having known it once. You see the earth all withered, then We send down rain upon it, and it bestirs itself, swells, and brings forth every kind of beauteous verdure.