بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 129
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة التوبة آية 1
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة التوبة 1 - (براءة من الله ورسوله) واصلة (إلى الذين عاهدتم من المشركين) عهداً مطلقاً أو دون أربعة أشهر أو فوقها ونقض العهد بما يذكر في قوله

تفسير القرطبي
فيه خمس مسائل: الأولى: في أسمائها.
قال سعيد بن جبير : سألت ابن عباس رضي الله عنه عن سورة براءة فقال : تلك الفاضحة ما زال ينزل : ومنهم ومنهم حتى خفنا ألا تدع أحدا.
قال القشيري أبو نصر عبدالحميد : هذه السورة نزلت في غزوة تبوك ونزلت بعدها.
وفي أولها نبذ عهود الكفار إليهم.
وفي السورة كشف أسرار المنافقين.
وتسمى الفاضحة والبحوث، لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة والبعثرة : البحث.
الثانية: واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة : [الأول] أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه بسملة فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة.
وقول ثان : روى النسائي قال حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد قال حدثنا عوف قال حدثنا يزيد الرقاشي قال قال لنا ابن عباس : قلت لعثمان ما حملكم إلى أن عمدتم إلى [الأنفال] وهي من المثاني وإلى [براءة] وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول فما حملكم على ذلك؟ قال عثمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : (ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا).
وتنزل عليه الآيات فيقول : (ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا).
وكانت [الأنفال] من أوائل ما أنزلو [براءة] من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنه منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم.
وخرجه أبو عيسى الترمذي وقال : هذا حديث حسن.
وقول ثالث : روي عن عثمان أيضا.
وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن عبدالحكم : إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه.
وروي ذلك عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة [براءة] كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة.
وقول رابع : قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما.
قالوا : لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم : براءة والأنفال سورة واحدة.
وقال بعضهم : هما سورتان.
فتركت بينهما فرجة لقول من قال أنهما سورتان وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة فرضي الفريقان معا وثبتت حجتاهما في المصحف.
وقول خامس : قال عبدالله بن عباس : سألت علي بن أبي طالب لم لم يكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان.
وروي معناه عن المبرد قال : ولذلك لم يجمع بينهما فإن بسم الله الرحمن الرحيم رحمة وبراءة نزلت سخطة.
ومثله عن سفيان.
قال سفيان بن عيينة : إنما لم تكتب في صدر هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم لأن التسمية رحمة والرحمة أمان وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف ولا أمان للمنافقين.
والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة قاله القشيري.
وفي قول عثمان : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن براءة وحدها ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك.
وكانتا تدعيان القرينتين فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي.
الثالثة: قال ابن العربي : هذا دليل على أن القياس أصل في الدين ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ورأوا أن قصة [براءة] شبيهة بقصة [الأنفال] فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام.
الرابعة: قوله تعالى: {براءة} تقول : برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه.
و{براءة} رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه براءة.
ويصح أن ترفع بالابتداء.
والخبر في قوله: {إلى الذين}.
وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما وجاز الإخبار عنها.
وقرأ عيسى بن عمر {براءة} بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء.
وهي مصدر على فعالة كالشناءة والدناءة.
الخامسة: قوله تعالى: {إلى الذين عاهدتم من المشركين} يعني إلى الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان المتولي للعقود وأصحابه بذلك كلهم راضون فكأنهم عاقدوا وعاهدوا فنسب العقد إليهم.
وكذلك ما عقده أئمة الكفر على قومهم منسوب إليهم محسوب عليهم يؤاخذون به إذ لا يمكن غير ذلك فإن تحصيل الرضا من الجميع متعذر فإذا عقد الإمام لما يراه من المصلحة أمرا لزم جميع الرعايا.

تفسير ابن كثير
هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، كما قال البراء بن عازب: آخر آية نزلت {يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة}، وآخر سورة نزلت: براءة ""أخرجه البخاري عن البراء بن عازب"".
وإنما لم يبسمل في أولها لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وأرضاه.
وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك، وبعث أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه أميراً على الحج تلك السنة ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس: {براءة من اللّه ورسوله}، فلما قفل أتبعه بعلي ابن أبي طالب ليكون مبلغاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، كما سيأتي بيانه.
فقوله تعالى {براءة من اللّه ورسوله} أي هذه براءة أي تبرؤ من اللّه ورسوله {إلى الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}.
اختلف المفسرون ههنا اختلافاً كثيراً، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} الآية، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته؛ وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير رحمه اللّه.
وقال ابن عباس: حدَّ اللّه للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون في الأرض حيث شاءوا، وأجلَّ أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم، فأمر اللّه نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد، بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضاً حتى يدخلوا في الإسلام.
وقال مجاهد: {براءة من اللّه ورسوله} إلى أهل العهد خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد أو غيرهم، فقفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من تبوك حين فرغ، فأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحج ثم قال: (إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك)، فأرسل أبا بكر وعلياً رضي اللّه عنهما في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا.

الترجمة الانجليزية:

IMMUNITY is granted those idolators by God and his Apostle with whom you have a treaty.


سورة التوبة آية 2
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ

فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (فسيحوا) سيروا آمنين أيها المشركون (في الأرض أربعة أشهر) أولها شوال بدليل ما سيأتي ولا أمان لكم بعدها (واعلموا أنكم غير معجزي الله) أي فائتي عذابه (وأن الله مخزي الكافرين) مذلهم في الدنيا بالقتل والأخرى بالنار

تفسير القرطبي
فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فسيحوا} رجع من الخبر إلى الخطاب أي قل لهم سيحوا أي سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر.
يقال ساح فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا ومنه السيح في الماء الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد : لو خفت هذا منك ما نلتني ** حتى ترى خيلا أمامي تسيح الثانية: واختلف العلماء في كيفية هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله منهم ورسوله.
فقال محمد بن إسحاق وغيره : هما صنفان من المشركين أحدهما كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر فأمهل تمام أربعة أشهر والآخر كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه.
ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث ما أدرك ويؤسر إلا أن يتوب وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم وذلك خمسون يوما : عشرون من ذي الحجة والمحرم.
وقال الكلبي : إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} [التوبة : 4] وهذا اختيار الطبري وغيره.
وذكر محمد ابن إسحاق ومجاهد وغيرهما : أن هذه الآية نزلت في أهل مكة.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشا عام الحديبية، على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بنو بكر في عهد قريش، فعدت بنو بكر على خزاعة ونقضوا عهدهم.
وكان سبب ذلك دما كان لبني بكر عند خزاعة قبل الإسلام بمدة، فلما كانت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية، أمن الناس بعضهم بعضا، فاغتنم بنو الديل من بني بكر - وهم الذين كان الدم لهم - تلك الفرصة وغفلة خزاعة، وأرادوا إدراك ثأر بني الأسود بن رزن، الذين قتلهم خزاعة، فخرج نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة، حتى بيتوا خزاعة واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقوم من قريش أعانوهم بأنفسهم، فانهزمت خزاعة إلى الحرم على ما هو مشهور مسطور، فكان ذلك نقضا للصلح الواقع يوم الحديبية، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين فيما أصابهم به بنو بكر وقريش، وأنشد عمرو بن سالم فقال : يا رب إني ناشد محمدا ** حلف أبينا وأبيه الأتلــــدا كنت لنا أبا وكنا ولـدا ** ثمت أسلمنا ولم ننزع يـــدا فانصر هداك الله نصرا ** عتدا وادع عباد الله يأتوا مـددا فيهم رسول الله قد تجردا ** أبيض مثل الشمس ينمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا ** في فيلق كالبحر يجري مربدا إن قريش أخلفوك الموعدا ** ونقضوا مـــيثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا ** وهــــم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجـدا ** وقتلونا ركعا وســــجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا نصرت إن لم أنصر كعب).
ثم نظر إلى سحابة فقال : (إنها لتستهل لنصر بني كعب) يعني خزاعة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء ومن معه : (إن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في الصلح وسينصرف بغير حاجة).
فندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليستديم العقد ويزيد في الصلح، فرجع بغير حاجة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما هو معروف من خبره.
وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها الله، وذلك في سنة ثمان من الهجرة.
فلما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري، على ما هو معروف مشهور من غزاة حنين.
وسيأتي بعضها.
وكان الظفر والنصر للمسلمين على الكافرين.
وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوال من السنة الثامنة من الهجرة.
وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم من الأموال والنساء، فلم يقسمها حتى أتى الطائف، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة.
وقيل غير ذلك.
ونصب عليهم المنجنيق ورماهم به، على ما هو معروف من تلك الغزاة.
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة، وقسم غنائم حنين، على ما هو مشهور من أمرها وخبرها.
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا، وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة.
وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام.
وحج المشركون على مشاعرهم.
وكان عتاب بن أسيد خيرا فاضلا ورعا.
وقدم كعب بن زهير بن أبي سلمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتدحه، وأقام على رأسه بقصيدته التي أولها : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول وأنشدها إلى آخرها، وذكر فيها المهاجرين فأثنى عليهم - وكان قبل ذلك قد حفظ له هجاء في النبي صلى الله عليه وسلم - فعاب عليه الأنصار إذ لم يذكرهم، فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة يمتدح فيها الأنصار فقال : من سره كرم الحياة فلا يزل ** في مقنب من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر ** إن الخيار هم بنو الأخيار المكرهين السمهري بأذرع ** كسوافل الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة ** كالجمر غير كليلة الأبصار والبائعين نفوسهم لنبيهم ** للموت يوم تعانق وكرار يتطهرون يرونه نسكا لهم ** بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت ببطن خفية ** غلب الرقاب من الأسود ضوار وإذا حللت ليمنعوك إليهم ** أصبحت عند معاقل الأغفار ضربوا عليا يوم بدر ضربة ** دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الأقوام علمي كله ** فيهم لصدقني الذين أماري قوم إذا خوت النجوم فإنهم ** للطارقين النازلين مقاري ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد انصرافه من الطائف ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأول وجمادى الآخر، وخرج في رجب من سنة تسع بالمسلمين إلى غزوة الروم غزوة تبوك.
وهي آخر غزوة غزاها.
قال ابن جريج عن مجاهد : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أراد الحج ثم قال : (إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك).
فأرسل أبا بكر أميرا على الحج، وبعث معه بأربعين آية من صدر [براءة] ليقرأها على أهل الموسم.
فلما خرج دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وقال : (أخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا).
فخرج عليٌ على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنهما بذي الحليفة.
فقال له أبو بكر لما رآه : أمير أو مأمور؟ فقال : بل مأمور ثم نهضا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية.
في كتاب النسائي عن جابر وأن عليا قرأ على الناس [براءة] حتى ختمها قبل يوم التروية بيوم.
وفي يوم عرفة وفي يوم النحر عند انقضاء خطبة أبي بكر في الثلاثة الأيام.
فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون، يعلمهم مناسكهم.
فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس [براءة] حتى ختمها.
وقال سليمان بن موسى : لما خطب أبو بكر بعرفة قال قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علي ففعل.
قال : ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر، فجعلت أتتبع الفساطيط يوم النحر.
وروى الترمذي عن زيد بن يثيع قال : سألت عليا بأي شيء بعثت في الحج؟ قال : بعثت بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا.
قال : هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي وقال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
قال أبو عمر : بعث علي لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ويعهد إليهم ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وأقام الحج في ذلك العام سنة تسع أبو بكر.
ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابل حجته التي لم يحج غيرها من المدينة، فوقعت حجته في ذي الحجة فقال : (إن الزمان قد استدار.
.
.
) الحديث، على ما يأتي في آية النسيء بيانه.
وثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة.
وذكر مجاهد : أن أبا بكر حج في ذي القعدة من سنة تسع.
ابن العربي : وكانت الحكمة في إعطاء [براءة] لعلي أن براءة تضمنت نقض العهد الذي كان عقده النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت سيرة العرب ألا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ويرسل ابن عمه الهاشمي من بيته ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلم.
قال معناه الزجاج.
الثالثة: قال العلماء : وتضمنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين.
ولذلك حالتان : حالة تنقضي المدة بيننا وبينهم فنؤذنهم بالحرب.
والإيذان اختيار.
والثانية : أن نخاف منهم غدرا، فننبذ إليهم عهدهم كما سبق.
ابن عباس : والآية منسوخة فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد ثم نبذ العهد لما أمر بالقتال.

تفسير ابن كثير
هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، كما قال البراء بن عازب: آخر آية نزلت {يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة}، وآخر سورة نزلت: براءة ""أخرجه البخاري عن البراء بن عازب"".
وإنما لم يبسمل في أولها لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وأرضاه.
وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك، وبعث أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه أميراً على الحج تلك السنة ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس: {براءة من اللّه ورسوله}، فلما قفل أتبعه بعلي ابن أبي طالب ليكون مبلغاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، كما سيأتي بيانه.
فقوله تعالى {براءة من اللّه ورسوله} أي هذه براءة أي تبرؤ من اللّه ورسوله {إلى الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}.
اختلف المفسرون ههنا اختلافاً كثيراً، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} الآية، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته؛ وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير رحمه اللّه.
وقال ابن عباس: حدَّ اللّه للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون في الأرض حيث شاءوا، وأجلَّ أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم، فأمر اللّه نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد، بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضاً حتى يدخلوا في الإسلام.
وقال مجاهد: {براءة من اللّه ورسوله} إلى أهل العهد خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد أو غيرهم، فقفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من تبوك حين فرغ، فأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحج ثم قال: (إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك)، فأرسل أبا بكر وعلياً رضي اللّه عنهما في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا.

الترجمة الانجليزية:

(They can) move about for four months freely in the land, but should know they cannot escape (the law of) God, and that God can put the unbelievers to shame.


سورة التوبة آية 3
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (وأذان) إعلام (من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر) يوم النحر (أن) أي بأن (الله بريء من المشركين) وعهودهم (ورسوله) بريء أيضا "وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً من السنة وهي سنة تسع فأذن يوم النحر بمنى بهذه الآيات وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان" رواه البخاري (فإن تبتم) من الكفر (فهو خير لكم وإن توليتم) عن الإيمان (فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر) أخبر (الذين كفروا بعذاب أليم) مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة

تفسير القرطبي
فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وأذان} الأذان : الإعلام لغة من غير خلاف.
وهو عطف على {براءة}.
{إلى الناس} الناس هنا جميع الخلق.
{يوم الحج الأكبر} ظرف، والعامل فيه {أذان}.
وإن كان قد وصف بقوله: {من الله}، فإن رائحة الفعل فيه باقية، وهي عاملة في الظروف.
وقيل : العامل فيه {مخزي} ولا يصح عمل {أذان}، لأنه قد وصف فخرج عن حكم الفعل.
الثانية: واختلف العلماء في الحج الأكبر، فقيل : يوم عرفة.
روي عن عمر وعثمان وابن عباس وطاوس ومجاهد.
وهو مذهب أبي حنيفة، وبه قال الشافعي.
وعن علي وابن عباس أيضا وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة أنه يوم النحر.
واختاره الطبري.
وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال : (أي يوم هذا) فقالوا : يوم النحر فقال : (هذا يوم الحج الأكبر).
أخرجه أبو داود.
وخرج البخاري عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
ويوم الحج الأكبر يوم النحر.
وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس : الحج الأصغر.
فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم مشرك.
وقال ابن أبي أوفى : يوم النحر يوم الحج الأكبر، يهراق فيه الدم، ويوضع فيه الشعر، ويلقى فيه التفث، وتحل فيه الحرم.
وهذا مذهب مالك، لأن يوم النحر فيه كالحج كله، لأن الوقوف إنما هو ليلته، والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته.
احتج الأولون بحديث مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يوم الحج الأكبر يوم عرفة).
رواه إسماعيل القاضي.
وقال الثوري وابن جريج : الحج الأكبر أيام منى كلها.
وهذا كما يقال : يوم صفين ويم الجمل ويوم بعاث، فيراد به الحين والزمان لا نفس اليوم.
وروي عن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد.
وهذا ليس من الآية في شيء.
وعنه وعن عطاء : الحج الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة، والأصغر العمرة.
وعن مجاهد أيضا : أيام الحج كلها.
وقال الحسن وعبدالله بن الحارث ابن نوفل : إنما سمي يوم الحج الأكبر لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون، واتفقت فيه يومئذ أعياد الملل : اليهود والنصارى والمجوس.
قال ابن عطية : هذا ضعيف أن يصفه الله عز وجل في كتابه بالأكبر لهذا.
وعن الحسن أيضا : إنما سمي الأكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود.
وهذا الذي يشبه نظر الحسن.
وقال ابن سيرين : يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وحجت معه فيه الأمم.
الثالثة: قوله تعالى: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} {أن} بالفتح في موضع نصب.
والتقدير بأن الله.
ومن قرأ بالكسر قدره بمعنى قال إن الله {بريء} خبر أن.
{ورسوله} عطف على الموضع، وإن شئت على المضمر المرفوع في {بريء}.
كلاهما حسن؛ لأنه قد طال الكلام.
وإن شئت على الابتداء والخبر محذوف؛ التقدير : ورسوله بريء منهم.
ومن قرأ {ورسوله} بالنصب - وهو الحسن وغيره - عطفه على اسم الله عز وجل على اللفظ.
وفي الشواذ {رسوله} بالخفض على القسم، أي وحق رسوله؛ ورويت عن الحسن.
وقد تقدمت قصة عمر فيها أول الكتاب.
{فإن تبتم} أي عن الشرك.
{فهو خير لكم} أي أنفع لكم.
{وإن توليتم} أي عن الإيمان.
{فاعلموا أنكم غير معجزي الله} أي فائتيه؛ محيط بكم ومنزل عقابه عليكم.

تفسير ابن كثير
يقول تعالى: وإعلام {من اللّه ورسوله} وتقدم، وإنذار إلى الناس {يوم الحج الأكبر} وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكبرها جميعاً {أن اللّه بريء من المشركين ورسوله} أي بريء منهم أيضاً.
ثم دعاهم إلى التوبة إليه فقال: {فإن تبتم} أي مما أنتم فيه من الشرك والضلال، {فهو خير لكم، وإن توليتم} أي استمررتم على ما أنتم عليه {فاعلموا أنكم غير معجزي الله}، بل هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} أي في الدنيا بالخزي والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال.
روى البخاري عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر يؤذن فيمن يؤذن يوم النحر بمنى ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبر، من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مشرك ""أخرجه البخاري في كتاب الجهاد"".
وقال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد فإن أجله أو مدته إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن اللّه بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعثه ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: (لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي)، فبعث بها مع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ""رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حسن غريب"".
وعن علي رضي اللّه عنه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين بعثه ببراءة قال: يا نبي اللّه إني لست باللسن ولا بالخطيب، قال: (لا بد لي أن أذهب بها أو تذهب بها أنت) قال: فإن كان لا بد فسأذهب أنا، قال: (انطلق فإن اللّه يثبت لسانك ويهدي قلبك)، قال: ثم وضع يده على فيه.
وقال محمد بن إسحاق: نزلت براءة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس فقيل يا رسول اللّه: لو بعثت إلى أبي بكر، فقال: (لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي)، ثم دعا علياً فقال: (اذهب بهذ القصة من سورة براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أن لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فهو إلى مدته فخرج علي رضي اللّه عنه على ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر في الطريق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن بالناس بالذي أمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فهو إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان ثم قدما على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى.
عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وقال عمرو بن الوليد السهمي عن عباد البصري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر فلا يصومنه أحد، قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: سعيد بن المسيب فأتيته، فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة، فقالوا سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة، فقال: أخبرك عمن هو أفضل مني مائة ضعف عمر أو ابن عمر كان ينهى صومه، ويقول هو يوم الحج الأكبر ""رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاووس وغيرهم"".
والقول الثاني: أنه يوم النحر، قال الحارث الأعور: سألت علياً رضي اللّه عنه عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر.
وقال عبد الرزاق عن عبد اللّه بن أبي أوفى أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وقال عبد اللّه بن سنان خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر، واختاره ابن جرير، وروى عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم قعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بعير له وأخذ بخطامه أو زمامه فقال: (أي يوم هذا؟) قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: (أليس هذا يوم الحج الأكبر؟) ""رواه ابن جرير قال ابن كثير: إسناده صحيح وأصله مخرج في الصحيحين"".

الترجمة الانجليزية:

A general proclamation is (made) this day of the Greater Pilgrimage on the part of God and His Apostle, that God is not bound (by any contract) to idolaters, nor is His Apostle. It is, therefore, better for you to repent. If you do not, remember that you cannot elude (the grip of) God. So announce to those who deny the truth the news of painful punishment,


سورة التوبة آية 4
إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا) من شروط العهد (ولم يظاهروا) يعاونوا (عليكم أحدا) من الكفار (فأتموا إليهم عهدهم إلى) إنقضاء (مدتهم) التي عاهدتم عليها (إن الله يحب المتقين) بإتمام العهود

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين} في موضع نصب بالاستثناء المتصل، المعنى : أن الله بريء من المشركين إلا من المعاهدين في مدة عهدهم.
وقيل : الاستثناء منقطع، أي أن الله بريء منهم ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد فأتموا إليهم عهدهم.
وقوله: {ثم لم ينقصوكم} يدل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت على الوفاء، فأذن الله سبحانه لنبييه صلى الله عليه وسلم في نقض عهد من خاس، وأمر بالوفاء لمن بقي على عهده إلى مدته.
ومعنى {لم ينقصوكم} أي من شروط العهد شيئا.
{ولم يظاهروا} لم يعاونوا.
وقرأ عكرمة وعطاء بن يسار {ثم لم ينقضوكم} بالضاد معجمة على حذف مضاف، التقدير ثم لم ينقضوا عهدهم.
يقال : إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة.
ثم قال: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} أي وإن كانت أكثر من أربعة أشهر.

تفسير ابن كثير
هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدتة المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث ومن كان له عهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعهده إلى مدته وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده ولم يظاهر على المسلمين أحداً، أي يماليء عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفي له بذمته وعهده إلى مدته، ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال: {إن اللّه يحب المتقين} أي الموفين بعهدهم.

الترجمة الانجليزية:

Except those idolaters with whom you have a treaty, who have not failed you in the least, nor helped anyone against you. Fulfil your obligations to them during the term (of the treaty). God loves those who take heed for themselves.


سورة التوبة آية 5
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (فإذا انسلخ) خرج (الأشهر الحرم) وهي آخر مدة التأجيل (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) في حل أو حرم (وخذوهم) بالأسر (واحصروهم) في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإسلام (واقعدوا لهم كل مرصد) طريق يسلكونه ونصب كل على نزع الخافض (فإن تابوا) من الكفر (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) ولا تتعرضوا لهم (إن الله غفور رحيم) لمن تاب

تفسير القرطبي
فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أي خرج.
وسلخت الشهر إذا صرت في أواخر أيامه، تسلخه سلخا وسلوخا بمعنى خرجت منه.
وقال الشاعر : إذا ما سلخت الشهر أهللت قبله ** كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي وانسلخ الشهر وانسلخ النهار من الليل المقبل.
وسلخت المرأة درعها نزعته وفي التنزيل{وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} [يس : 37].
ونخلة مسلاخ، وهي التي ينتثر بسرها أخضر.
والأشهر الحرم فيها للعلماء قولان : قيل هي الأشهر المعروفة، ثلاثة سرد وواحد فرد.
قال الأصم : أريد به من لا عقد له من المشركين، فأوجب أن يمسك عن قتالهم حتى ينسلخ الحرم، وهو مدة خمسين يوما على ما ذكره ابن عباس، لأن النداء كان بذلك يوم النحر.
وقد تقدم هذا.
وقيل : شهور العهد أربعة، قاله مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب.
وقيل لها حرم لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين والتعرض لهم إلا على سبيل الخير.
الثانية: قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} عام في كل مشرك، لكن السنة خصت منه ما تقدم بيانه في سورة {البقرة} من امرأة وراهب وصبي وغيرهم.
وقال الله تعالى في أهل الكتاب {حتى يعطوا الجزية}.
إلا أنه يجوز أن يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب، ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان وغيرهم، على ما يأتي بيانه.
واعلم أن مطلق قوله: {اقتلوا المشركين} يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان، إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة.
ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار، وبالحجارة وبالرمي من رءوس الجبال، والتنكيس في الآبار، تعلق بعموم الآية.
وكذلك إحراق علي رضي الله عنه قوما من أهل الردة يجوز أن يكون ميلا إلى هذا المذهب، واعتمادا على عموم اللفظ.
والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: {حيث وجدتموهم} عام في كل موضع.
وخص أبو حنيفة رضي الله عنه المسجد الحرام، كما سبق في سورة {البقرة} ثم اختلفوا، فقال الحسين بن الفضل : نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء.
وقال الضحاك والسدي وعطاء : هي منسوخة بقوله: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد : 4].
وأنه لا يقتل أسير صبرا، إما أن يمن عليه وإما أن يفادى.
وقال مجاهد وقتادة : بل هي ناسخة لقوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل.
وقال ابن زيد : الآيتان محكمتان.
وهو الصحيح، لأن المن والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم، وهو يوم بدر كما سبق.
وقوله: {وخذوهم} يدل عليه.
والأخذ هو الأسر.
والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المن على ما يراه الإمام.
ومعنى {احصروهم} يريد عن التصرف إلى بلادكم والدخول إليكم، إلا أن تأذنوا لهم فيدخلوا إليكم بأمان.
الرابعة: قوله تعالى: {واقعدوا لهم كل مرصد} المرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو، يقال : رصدت فلانا أرصده، أي رقبته.
أي اقعدوا لهم في مواضع الغرة حيث يرصدون.
قال عامر بن الطفيل : ولقد علمت وما إخالك ناسيا ** أن المنية للفتى بالمرصد وقال عدي : أعاذل إن الجاهل من لذة الفتى ** وإن المنايا للنفوس بمرصد وفي هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة.
ونصب {كل} على الظرف، وهو اختيار الزجاج، ويقال : ذهبت طريقا وذهبت كل طريق.
أو بإسقاط الخافض، التقدير : في كل مرصد وعلى كل مرصد، فيجعل المرصد اسما للطريق.
وخطأ أبو علي الزجاج في جعله الطريق ظرفا وقال : الطريق مكان مخصوص كالبيت والمسجد، فلا يجوز حذف حرف الجر منه إلا فيما ورد فيه الحذف سماعا، كما حكى سيبويه : دخلت الشام ودخلت البيت، وكما قيل : كما عسل الطريق الثعلب الخامسة: قوله تعالى: {فإن تابوا} أي من الشرك.
{وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} هذه الآية فيها تأمل، وذلك أن الله تعالى علق القتل على الشرك، ثم قال: {فإن تابوا}.
والأصل أن القتل متى كان الشرك يزول بزواله، ودلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة.
وهذا بين في هذا المعنى، غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى إلغائهما.
نظيره قوله صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال) وقال ابن عباس : رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه.
وقال ابن العربي : فانتظم القرآن والسنة واطردا.
ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلا كفر، ومن ترك السنن متهاونا فسق، ومن ترك النوافل لم يحرج، إلا أن يجحد فضلها فيكفر، لأنه يصير رادا على الرسول عليه السلام ما جاء به وأخبر عنه.
واختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جحد لها ولا استحلال، فروى يونس بن عبدالأعلى قال : سمعت ابن وهب يقول قال مالك : من آمن بالله وصدق المرسلين وأبى أن يصلي قتل، وبه قال أبو ثور وجميع أصحاب الشافعي.
وهو قول حماد بن زيد ومكحول ووكيع.
وقال أبو حنيفة : يسجن ويضرب ولا يقتل، وهو قول ابن شهاب وبه يقول داود بن علي.
ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها).
وقالوا : حقها الثلاث التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس).
وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها لغير عذر، وأبى من أدائها وقضائها وقال لا أصلي فإنه كافر، ودمه وماله حلالان، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وحكم ماله كحكم مال المرتد، وهو قول إسحاق.
قال إسحاق : وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا.
وقال ابن خويز منداد : واختلف أصحابنا متى يقتل تارك الصلاة، فقال بعضهم في آخر الوقت المختار، وقال بعضهم آخر وقت الضرورة، وهو الصحيح من ذلك.
وذلك أن يبقى من وقت العصر أربع ركعات إلى مغيب الشمس، ومن الليل أربع ركعات لوقت العشاء، ومن الصبح ركعتان قبل طلوع الشمس.
وقال إسحاق : وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر.
السادسة: هذه الآية دالة على أن من قال : قد تبت أنه لا يجتزأ بقوله حتى ينضاف إلى ذلك أفعاله المحققة للتوبة، لأن الله عز وجل شرط هنا مع التوبة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليحقق بهما التوبة.
وقال في آية الربا {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} [البقرة : 279].
وقال: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} [البقرة : 160] وقد تقدم معنى هذا في سورة البقرة.

تفسير ابن كثير
اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ههنا ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم} الآية، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وفيه نظر، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس وهو قول مجاهد وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو الأرجح في رواية العوفي عنه، أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}، ثم قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أي إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم، لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة.
وقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} أي من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم}، وقوله: {وخذوهم} أي وأسروهم، إن شئتم قتلاً وإن شئتم أسراً، وقوله: {واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن اللّه غفور رحيم}، ولهذا اعتمد الصديق رضي اللّه عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة، حيث حرمت قتالهم بشرط الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق اللّه عزَّ وجلَّ، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي اشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيراً ما يقرن اللّه بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) الحديث، وقال عبد اللّه ابن مسعود: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له، وقال ابن أسلم: أبى اللّه أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحمه اللّه ما كان أفقهه! وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، فإذا شهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم) قال أنس: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}.
وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك: إنها نسخت كل عهد بين النبي صلى اللّه عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة.
وقال ابن عباس في هذه الآية: أمره اللّه تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمي لهم من العهد والمواثيق، وأذهب الشرط الأول.
ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه، فقال الضحاك والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} وقال قتادة بالعكس.

الترجمة الانجليزية:

But when these months, prohibited (for fighting), are over, slay the idolaters wheresoever you find them, and take them captive or besiege them, and lie in wait for them at every likely place. But if they repent and fulfil their devotional obligations and pay the zakat, then let them go their way, for God is forgiving and kind.