بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 19
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة الأعلى آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة الأعلى 1 - (سبح اسم ربك) نزه ربك عما لا يليق به واسم زائد (الأعلى) صفة لربك

تفسير القرطبي
يستحب للقارئ إذا قرأ {سبح اسم ربك الأعلى} أن يقول عقبه : سبحان ربي الأعلى؛ قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين؛ على ما يأتي.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : (إن لله تعالى ملكا يقال له حِزقيائيل، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام، فخطر له خاطر هل تقدر أن تبصر العرش جميعه؟ فزاده اللّه أجنحة مثلها، فكان له ستة وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام.
ثم أوحى اللّه إليه : أيها الملك، أن طِر، فطار مقدار عشرين ألف سنة؛ فلم يبلغ رأس قائمة من قوائم العرش.
ثم ضاعف اللّه له في الأجنحة والقوة، وأمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى، فلم يصل أيضا؛ فأوحى اللّه إليه أيها الملك، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ ساق عرشي.
فقال الملك : سبحان ربي الأعلى؛ فأنزل اللّه تعالى {سبح اسم ربك الأعلى}.
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (اجعلوها في سجودكم).
ذكره الثعلبي في كتاب العرائس له.
وقال ابن عباس والسدي : معنى {سبح اسم ربك الأعلى} أي عظم ربك الأعلى.
والاسم صلة، قصد بها تعظيم المسمى؛ كما قال لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما وقيل : نزه ربك عن السوء، وعما يقول فيه الملحدون.
وذكر الطبري أن المعنى نزه اسم ربك عن أن تسمي به أحدا سواه.
وقيل : نزه تسمية ربك وذكرك إياه، أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم.
وجعلوا الاسم بمعنى التسمية، والأولى أن يكون الاسم هو المسمى.
روى نافع عن ابن عمر قال : لا تقل على اسم اللّه؛ فإن اسم اللّه هو الأعلى.
وروى أبو صالح عن ابن عباس : صلّ بأمر ربك الأعلى.
قال : وهو أن تقول سبحان ربك الأعلى.
وروي عن علي رضي اللّه عنه، وابن عباس وابن عمرو وابن الزبير وأبي موسى وعبدالله بن مسعود رضي اللّه عنهم : أنهم كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا : سبحان ربي الأعلى؛ امتثالا لأمره في ابتدائها.
فيختار الاقتداء بهم في قراءتهم؛ لا أن سبحان ربي الأعلى من القرآن؛ كما قاله بعض أهل الزيغ.
وقيل : إنها في قراءة أُبيّ {سبحان ربي الأعلى}.
وكان ابن عمر يقرؤها كذلك.
وفي الحديث : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قرأها قال : [سبحان ربي الأعلى].
قال أبو بكر الأنباري : حدثني محمد بن شهريار، قال : حدثنا حسين بن الأسود، قال : حدثنا عبدالرحمن بن أبي حماد قال : حدثنا عيسى بن عمر، عن أبيه، قال : قرأ علي بن أبي طالب عليه السلام في الصلاة {سبح اسم ربك الأعلى}، ثم قال : سبحان ربي الأعلى؛ فلما انقضت الصلاة قيل له : يا أمير المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن؟ قال : ما هو؟ قالوا : سبحان ربي الأعلى.
قال : لا، إنما أمرنا بشيء فقلته، وعن عقبة بن عامر الجهني قال : لما نزلت {سبح اسم ربك الأعلى} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (اجعلوها في سجودكم).
وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأنهم لم يقولوا : سبحان اسم ربك الأعلى.
وقيل : إن أول من قال [سبحان ربي الأعلى] ميكائيل عليه السلام.
وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لجبريل : (يا جبريل أخبرني بثواب من قال : سبحان ربي الأعلى في صلاته أو في غير صلاته).
فقال : (يا محمد، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده، إلا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا، ويقول اللّه تعالى : صدق عبدي، أنا فوق كل شيء، وليس فوقي شيء، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له، وأدخلته الجنة فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم، فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه، فأوقفه بين يدي اللّه تعالى، فيقول : يا رب شفعني فيه، فيقول قد شفعتك فيه، فاذهب به إلى الجنة).
وقال الحسن {سبح اسم ربك الأعلى} أي صل لربك الأعلى.
وقل : أي صل بأسماء اللّه، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية.
وقيل : ارفع صوتك بذكر ربك.
قال جرير : قبح الإله وجوه تغلب كلما ** سبح الحجيج وكبروا تكبيرا

تفسير ابن كثير
عن ابن عباس: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأ: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: (سبحان ربي الأعلى) ""أخرجه أحمد وأبو داود"".
وقوله تعالى: {الذي خلق فسوى} أي خلق الخليقة وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، وقوله تعالى: {والذي قدَّر فهدى}، قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها، وهذه الآية كقوله تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} أي قدّر قدراً وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم: (إن اللّه قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) ""أخرجه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعاً"".
وقوله تعالى: {والذي أخرج المرعى} أي من جميع صنوف النباتات والزروع، {فجعله غثاء أحوى} قال ابن عباس: هشيماً متغيراً، وقوله تعالى: {سنقرئك} أي يا محمد {فلا تنسى} وهذا إخبار من اللّه تعالى ووعد منه له، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها {إلا ما شاء اللّه} وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن قتادة: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى إلا ما شاء اللّه، وقوله تعالى: {إنه يعلم الجهر وما يخفى} أي يعلم ما يجهر به العباد، وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وقوله تعالى: {ونيسرك لليسرى} أي نسهل عليك أفعال الخير، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً، لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر، وقوله تعالى: {فذكِّر إن نفعت الذكرى} أي ذكّر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي رضي اللّه عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.
وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب اللّه ورسوله؟ وقوله تعالى: {سيذكّر من يخشى} أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى اللّه ويعلم أنه ملاقيه، {ويتجنبها الأشقى .
الذي يصلى النار الكبرى .
ثم لا يموت فيها ولا يحيى} أي لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال، عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فيميتهم إماتة حتى إذا ما صاروا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل) ""أخرجه أحمد ومسلم""، {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون}، وقال تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

الترجمة الانجليزية:

GLORIFY THE NAME of your Lord, most high,


سورة الأعلى آية 2
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ

الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (الذي خلق فسوى) مخلوقه جعله متناسب الأجزاء غير متفاوت

تفسير القرطبي
قوله تعالى {الذي خلق فسوى} قد تقدم معنى التسوية في الانفطار وغيرها.
أي سوى ما خلق، فلم يكن في خلقه تثبيج.
وقال الزجاج : أي عدل قامته.
وعن أكثر قامته.
ابن عباس : حسن ما خلق.
وقال الضحاك : خلق آدم فسوى خلقه.
وقيل : خلق في أصلاب الآباء، وسوى في أرحام الأمهات.
وقيل : خلق الأجساد، فسوى الأفهام.
وقيل : أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف.
{الذي قدر فهدى} قرأ علي رضي اللّه عنه السلمي والكسائي {قدر} مخففة الدال، وشدد الباقون.
وهما بمعنى واحد.
أي قدر ووفق لكل شكل شكل.
{فهدى} أي أرشد.
قال مجاهد : قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة.
وعنه قال : هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها.
وقيل : قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا.
وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله {فهدى} قالوا : عَرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى؛ كما قال في [طه] {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[طه : 50] أي الذكر للأنثى.
وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له.
وقيل : خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها.
وقيل {قدر فهدى} : قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه، وعرفه وجه الانتفاع به.
يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها اللّه أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها؛ فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن اللّه تعالى.
وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد من مصالحه، ولا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف؛ فسبحان ربي الأعلى.
وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم.
وقال الفراء : أي قدر، فهدى وأضل؛ فاكتفى بذكر أحدهما؛ كقوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر}[النحل : 81].
ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان؛ كقوله تعالى {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.
[الشورى : 52].
أي لتدعو، وقد دعا الكل إلى الإيمان.
وقيل {فهدى} أي دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا.
ولا خلاف أن من شدد الدال من {قدر} أنه من التقدير؛ كقوله تعالى {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}[الفرقان : 2].
ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى.
ويحتمل أن يكون من القدر والملك؛ أي ملك الأشياء، وهدي من يشاء.
قلت : وسمعت بعض أشياخي يقول : الذي خلق فسوى وقدر فهدى.
هو تفسير العلو الذي يليق بجلال اللّه سبحانه على جميع مخلوقاته.
قوله تعالى {والذي أخرج المرعى} أي النبات والكلأ الأخضر.
قال الشاعر : وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ** وتبقى حزازات النفوس كما هيا {فجعله غثاء أحوى} الغثاء : ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش.
وكذلك الغثاء بالتشديد.
والجمع : الأغثاء، قتادة : الغثاء : الشيء اليابس.
ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس : غثاء وهشيم.
وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء؛ كما قال : كأن طمية المجيمر غدوة ** من السيل والأغثاء فلكة مغزل وحكى أهل اللغة : غثا الوادي وجفا.
وكذلك الماء : إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ينتفع به.
والأحوى : الأسود؛ أي أن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة كالأسود.
والحوة : السواد؛ قال الأعشى : لمياء في شفتيها حوة لعس ** وفي اللثاث وفي أنيابها شنب وفي الصحاح : والحوة : سمرة الشفة.
يقال : رجل أحوى، وامرأة حواء، وقد حويت.
وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفوة.
وتصغير أحوى أحيو؛ في لغة من قال أسيود.
ثم قيل : يجوز أن يكون {أحوى} حالا من {المرعى}، ويكون المعنى : كأنه من خضرته يضرب إلى السواد؛ والتقدير : أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء يقال : قد حوي النبت؛ حكاه الكسائي، وقال : وغيث من الوسميّ حُوٍّ تلاعه ** تبطنته بشيظم صلتان ويجوز أن يكون {حوى} صفة لـ {غثاء}.
والمعنى : أنه صار كذلك بعد خضرته.
وقال أبو عبيدة : فجعله أسود من احتراقه وقدمه؛ والرطب إذا يبس أسود.
وقال عبدالرحمن زيد : أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس أسود من احتراقه، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول.
وهو مثل ضربه اللّه تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها.

تفسير ابن كثير
عن ابن عباس: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأ: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: (سبحان ربي الأعلى) ""أخرجه أحمد وأبو داود"".
وقوله تعالى: {الذي خلق فسوى} أي خلق الخليقة وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، وقوله تعالى: {والذي قدَّر فهدى}، قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها، وهذه الآية كقوله تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} أي قدّر قدراً وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم: (إن اللّه قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) ""أخرجه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعاً"".
وقوله تعالى: {والذي أخرج المرعى} أي من جميع صنوف النباتات والزروع، {فجعله غثاء أحوى} قال ابن عباس: هشيماً متغيراً، وقوله تعالى: {سنقرئك} أي يا محمد {فلا تنسى} وهذا إخبار من اللّه تعالى ووعد منه له، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها {إلا ما شاء اللّه} وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن قتادة: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى إلا ما شاء اللّه، وقوله تعالى: {إنه يعلم الجهر وما يخفى} أي يعلم ما يجهر به العباد، وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وقوله تعالى: {ونيسرك لليسرى} أي نسهل عليك أفعال الخير، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً، لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر، وقوله تعالى: {فذكِّر إن نفعت الذكرى} أي ذكّر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي رضي اللّه عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.
وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب اللّه ورسوله؟ وقوله تعالى: {سيذكّر من يخشى} أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى اللّه ويعلم أنه ملاقيه، {ويتجنبها الأشقى .
الذي يصلى النار الكبرى .
ثم لا يموت فيها ولا يحيى} أي لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال، عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فيميتهم إماتة حتى إذا ما صاروا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل) ""أخرجه أحمد ومسلم""، {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون}، وقال تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

الترجمة الانجليزية:

Who creates and proportions,


سورة الأعلى آية 3
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ

وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (والذي قدر) ما شاء (فهدى) إلى ما قدره من خير وشر

تفسير القرطبي
قوله تعالى {الذي خلق فسوى} قد تقدم معنى التسوية في الانفطار وغيرها.
أي سوى ما خلق، فلم يكن في خلقه تثبيج.
وقال الزجاج : أي عدل قامته.
وعن أكثر قامته.
ابن عباس : حسن ما خلق.
وقال الضحاك : خلق آدم فسوى خلقه.
وقيل : خلق في أصلاب الآباء، وسوى في أرحام الأمهات.
وقيل : خلق الأجساد، فسوى الأفهام.
وقيل : أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف.
{الذي قدر فهدى} قرأ علي رضي اللّه عنه السلمي والكسائي {قدر} مخففة الدال، وشدد الباقون.
وهما بمعنى واحد.
أي قدر ووفق لكل شكل شكل.
{فهدى} أي أرشد.
قال مجاهد : قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة.
وعنه قال : هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها.
وقيل : قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا.
وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله {فهدى} قالوا : عَرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى؛ كما قال في [طه] {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[طه : 50] أي الذكر للأنثى.
وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له.
وقيل : خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها.
وقيل {قدر فهدى} : قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه، وعرفه وجه الانتفاع به.
يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها اللّه أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها؛ فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن اللّه تعالى.
وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد من مصالحه، ولا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف؛ فسبحان ربي الأعلى.
وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم.
وقال الفراء : أي قدر، فهدى وأضل؛ فاكتفى بذكر أحدهما؛ كقوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر}[النحل : 81].
ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان؛ كقوله تعالى {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.
[الشورى : 52].
أي لتدعو، وقد دعا الكل إلى الإيمان.
وقيل {فهدى} أي دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا.
ولا خلاف أن من شدد الدال من {قدر} أنه من التقدير؛ كقوله تعالى {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}[الفرقان : 2].
ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى.
ويحتمل أن يكون من القدر والملك؛ أي ملك الأشياء، وهدي من يشاء.
قلت : وسمعت بعض أشياخي يقول : الذي خلق فسوى وقدر فهدى.
هو تفسير العلو الذي يليق بجلال اللّه سبحانه على جميع مخلوقاته.
قوله تعالى {والذي أخرج المرعى} أي النبات والكلأ الأخضر.
قال الشاعر : وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ** وتبقى حزازات النفوس كما هيا {فجعله غثاء أحوى} الغثاء : ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش.
وكذلك الغثاء بالتشديد.
والجمع : الأغثاء، قتادة : الغثاء : الشيء اليابس.
ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس : غثاء وهشيم.
وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء؛ كما قال : كأن طمية المجيمر غدوة ** من السيل والأغثاء فلكة مغزل وحكى أهل اللغة : غثا الوادي وجفا.
وكذلك الماء : إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ينتفع به.
والأحوى : الأسود؛ أي أن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة كالأسود.
والحوة : السواد؛ قال الأعشى : لمياء في شفتيها حوة لعس ** وفي اللثاث وفي أنيابها شنب وفي الصحاح : والحوة : سمرة الشفة.
يقال : رجل أحوى، وامرأة حواء، وقد حويت.
وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفوة.
وتصغير أحوى أحيو؛ في لغة من قال أسيود.
ثم قيل : يجوز أن يكون {أحوى} حالا من {المرعى}، ويكون المعنى : كأنه من خضرته يضرب إلى السواد؛ والتقدير : أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء يقال : قد حوي النبت؛ حكاه الكسائي، وقال : وغيث من الوسميّ حُوٍّ تلاعه ** تبطنته بشيظم صلتان ويجوز أن يكون {حوى} صفة لـ {غثاء}.
والمعنى : أنه صار كذلك بعد خضرته.
وقال أبو عبيدة : فجعله أسود من احتراقه وقدمه؛ والرطب إذا يبس أسود.
وقال عبدالرحمن زيد : أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس أسود من احتراقه، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول.
وهو مثل ضربه اللّه تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها.

تفسير ابن كثير
عن ابن عباس: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأ: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: (سبحان ربي الأعلى) ""أخرجه أحمد وأبو داود"".
وقوله تعالى: {الذي خلق فسوى} أي خلق الخليقة وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، وقوله تعالى: {والذي قدَّر فهدى}، قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها، وهذه الآية كقوله تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} أي قدّر قدراً وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم: (إن اللّه قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) ""أخرجه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعاً"".
وقوله تعالى: {والذي أخرج المرعى} أي من جميع صنوف النباتات والزروع، {فجعله غثاء أحوى} قال ابن عباس: هشيماً متغيراً، وقوله تعالى: {سنقرئك} أي يا محمد {فلا تنسى} وهذا إخبار من اللّه تعالى ووعد منه له، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها {إلا ما شاء اللّه} وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن قتادة: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى إلا ما شاء اللّه، وقوله تعالى: {إنه يعلم الجهر وما يخفى} أي يعلم ما يجهر به العباد، وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وقوله تعالى: {ونيسرك لليسرى} أي نسهل عليك أفعال الخير، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً، لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر، وقوله تعالى: {فذكِّر إن نفعت الذكرى} أي ذكّر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي رضي اللّه عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.
وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب اللّه ورسوله؟ وقوله تعالى: {سيذكّر من يخشى} أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى اللّه ويعلم أنه ملاقيه، {ويتجنبها الأشقى .
الذي يصلى النار الكبرى .
ثم لا يموت فيها ولا يحيى} أي لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال، عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فيميتهم إماتة حتى إذا ما صاروا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل) ""أخرجه أحمد ومسلم""، {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون}، وقال تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

الترجمة الانجليزية:

Who determines and directs,


سورة الأعلى آية 4
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ

وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (والذي أخرج المرعى) أنبت العشب

تفسير القرطبي
قوله تعالى {الذي خلق فسوى} قد تقدم معنى التسوية في الانفطار وغيرها.
أي سوى ما خلق، فلم يكن في خلقه تثبيج.
وقال الزجاج : أي عدل قامته.
وعن أكثر قامته.
ابن عباس : حسن ما خلق.
وقال الضحاك : خلق آدم فسوى خلقه.
وقيل : خلق في أصلاب الآباء، وسوى في أرحام الأمهات.
وقيل : خلق الأجساد، فسوى الأفهام.
وقيل : أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف.
{الذي قدر فهدى} قرأ علي رضي اللّه عنه السلمي والكسائي {قدر} مخففة الدال، وشدد الباقون.
وهما بمعنى واحد.
أي قدر ووفق لكل شكل شكل.
{فهدى} أي أرشد.
قال مجاهد : قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة.
وعنه قال : هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها.
وقيل : قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا.
وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله {فهدى} قالوا : عَرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى؛ كما قال في [طه] {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[طه : 50] أي الذكر للأنثى.
وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له.
وقيل : خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها.
وقيل {قدر فهدى} : قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه، وعرفه وجه الانتفاع به.
يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها اللّه أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها؛ فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن اللّه تعالى.
وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد من مصالحه، ولا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف؛ فسبحان ربي الأعلى.
وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم.
وقال الفراء : أي قدر، فهدى وأضل؛ فاكتفى بذكر أحدهما؛ كقوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر}[النحل : 81].
ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان؛ كقوله تعالى {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.
[الشورى : 52].
أي لتدعو، وقد دعا الكل إلى الإيمان.
وقيل {فهدى} أي دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا.
ولا خلاف أن من شدد الدال من {قدر} أنه من التقدير؛ كقوله تعالى {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}[الفرقان : 2].
ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى.
ويحتمل أن يكون من القدر والملك؛ أي ملك الأشياء، وهدي من يشاء.
قلت : وسمعت بعض أشياخي يقول : الذي خلق فسوى وقدر فهدى.
هو تفسير العلو الذي يليق بجلال اللّه سبحانه على جميع مخلوقاته.
قوله تعالى {والذي أخرج المرعى} أي النبات والكلأ الأخضر.
قال الشاعر : وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ** وتبقى حزازات النفوس كما هيا {فجعله غثاء أحوى} الغثاء : ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش.
وكذلك الغثاء بالتشديد.
والجمع : الأغثاء، قتادة : الغثاء : الشيء اليابس.
ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس : غثاء وهشيم.
وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء؛ كما قال : كأن طمية المجيمر غدوة ** من السيل والأغثاء فلكة مغزل وحكى أهل اللغة : غثا الوادي وجفا.
وكذلك الماء : إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ينتفع به.
والأحوى : الأسود؛ أي أن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة كالأسود.
والحوة : السواد؛ قال الأعشى : لمياء في شفتيها حوة لعس ** وفي اللثاث وفي أنيابها شنب وفي الصحاح : والحوة : سمرة الشفة.
يقال : رجل أحوى، وامرأة حواء، وقد حويت.
وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفوة.
وتصغير أحوى أحيو؛ في لغة من قال أسيود.
ثم قيل : يجوز أن يكون {أحوى} حالا من {المرعى}، ويكون المعنى : كأنه من خضرته يضرب إلى السواد؛ والتقدير : أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء يقال : قد حوي النبت؛ حكاه الكسائي، وقال : وغيث من الوسميّ حُوٍّ تلاعه ** تبطنته بشيظم صلتان ويجوز أن يكون {حوى} صفة لـ {غثاء}.
والمعنى : أنه صار كذلك بعد خضرته.
وقال أبو عبيدة : فجعله أسود من احتراقه وقدمه؛ والرطب إذا يبس أسود.
وقال عبدالرحمن زيد : أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس أسود من احتراقه، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول.
وهو مثل ضربه اللّه تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها.

تفسير ابن كثير
عن ابن عباس: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأ: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: (سبحان ربي الأعلى) ""أخرجه أحمد وأبو داود"".
وقوله تعالى: {الذي خلق فسوى} أي خلق الخليقة وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، وقوله تعالى: {والذي قدَّر فهدى}، قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها، وهذه الآية كقوله تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} أي قدّر قدراً وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم: (إن اللّه قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) ""أخرجه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعاً"".
وقوله تعالى: {والذي أخرج المرعى} أي من جميع صنوف النباتات والزروع، {فجعله غثاء أحوى} قال ابن عباس: هشيماً متغيراً، وقوله تعالى: {سنقرئك} أي يا محمد {فلا تنسى} وهذا إخبار من اللّه تعالى ووعد منه له، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها {إلا ما شاء اللّه} وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن قتادة: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى إلا ما شاء اللّه، وقوله تعالى: {إنه يعلم الجهر وما يخفى} أي يعلم ما يجهر به العباد، وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وقوله تعالى: {ونيسرك لليسرى} أي نسهل عليك أفعال الخير، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً، لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر، وقوله تعالى: {فذكِّر إن نفعت الذكرى} أي ذكّر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي رضي اللّه عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.
وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب اللّه ورسوله؟ وقوله تعالى: {سيذكّر من يخشى} أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى اللّه ويعلم أنه ملاقيه، {ويتجنبها الأشقى .
الذي يصلى النار الكبرى .
ثم لا يموت فيها ولا يحيى} أي لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال، عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فيميتهم إماتة حتى إذا ما صاروا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل) ""أخرجه أحمد ومسلم""، {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون}، وقال تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

الترجمة الانجليزية:

Who brings out the pastures


سورة الأعلى آية 5
فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ

فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - (فجعله) بعد الخضرة (غثاء) جافا هشيما (أحوى) أسود يابسا

تفسير القرطبي
قوله تعالى {الذي خلق فسوى} قد تقدم معنى التسوية في الانفطار وغيرها.
أي سوى ما خلق، فلم يكن في خلقه تثبيج.
وقال الزجاج : أي عدل قامته.
وعن أكثر قامته.
ابن عباس : حسن ما خلق.
وقال الضحاك : خلق آدم فسوى خلقه.
وقيل : خلق في أصلاب الآباء، وسوى في أرحام الأمهات.
وقيل : خلق الأجساد، فسوى الأفهام.
وقيل : أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف.
{الذي قدر فهدى} قرأ علي رضي اللّه عنه السلمي والكسائي {قدر} مخففة الدال، وشدد الباقون.
وهما بمعنى واحد.
أي قدر ووفق لكل شكل شكل.
{فهدى} أي أرشد.
قال مجاهد : قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة.
وعنه قال : هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها.
وقيل : قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا.
وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله {فهدى} قالوا : عَرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى؛ كما قال في [طه] {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[طه : 50] أي الذكر للأنثى.
وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له.
وقيل : خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها.
وقيل {قدر فهدى} : قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه، وعرفه وجه الانتفاع به.
يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها اللّه أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها؛ فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن اللّه تعالى.
وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد من مصالحه، ولا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف؛ فسبحان ربي الأعلى.
وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم.
وقال الفراء : أي قدر، فهدى وأضل؛ فاكتفى بذكر أحدهما؛ كقوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر}[النحل : 81].
ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان؛ كقوله تعالى {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.
[الشورى : 52].
أي لتدعو، وقد دعا الكل إلى الإيمان.
وقيل {فهدى} أي دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا.
ولا خلاف أن من شدد الدال من {قدر} أنه من التقدير؛ كقوله تعالى {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}[الفرقان : 2].
ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى.
ويحتمل أن يكون من القدر والملك؛ أي ملك الأشياء، وهدي من يشاء.
قلت : وسمعت بعض أشياخي يقول : الذي خلق فسوى وقدر فهدى.
هو تفسير العلو الذي يليق بجلال اللّه سبحانه على جميع مخلوقاته.
قوله تعالى {والذي أخرج المرعى} أي النبات والكلأ الأخضر.
قال الشاعر : وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ** وتبقى حزازات النفوس كما هيا {فجعله غثاء أحوى} الغثاء : ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش.
وكذلك الغثاء بالتشديد.
والجمع : الأغثاء، قتادة : الغثاء : الشيء اليابس.
ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس : غثاء وهشيم.
وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء؛ كما قال : كأن طمية المجيمر غدوة ** من السيل والأغثاء فلكة مغزل وحكى أهل اللغة : غثا الوادي وجفا.
وكذلك الماء : إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ينتفع به.
والأحوى : الأسود؛ أي أن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة كالأسود.
والحوة : السواد؛ قال الأعشى : لمياء في شفتيها حوة لعس ** وفي اللثاث وفي أنيابها شنب وفي الصحاح : والحوة : سمرة الشفة.
يقال : رجل أحوى، وامرأة حواء، وقد حويت.
وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفوة.
وتصغير أحوى أحيو؛ في لغة من قال أسيود.
ثم قيل : يجوز أن يكون {أحوى} حالا من {المرعى}، ويكون المعنى : كأنه من خضرته يضرب إلى السواد؛ والتقدير : أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء يقال : قد حوي النبت؛ حكاه الكسائي، وقال : وغيث من الوسميّ حُوٍّ تلاعه ** تبطنته بشيظم صلتان ويجوز أن يكون {حوى} صفة لـ {غثاء}.
والمعنى : أنه صار كذلك بعد خضرته.
وقال أبو عبيدة : فجعله أسود من احتراقه وقدمه؛ والرطب إذا يبس أسود.
وقال عبدالرحمن زيد : أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس أسود من احتراقه، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول.
وهو مثل ضربه اللّه تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها.

تفسير ابن كثير
عن ابن عباس: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأ: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: (سبحان ربي الأعلى) ""أخرجه أحمد وأبو داود"".
وقوله تعالى: {الذي خلق فسوى} أي خلق الخليقة وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، وقوله تعالى: {والذي قدَّر فهدى}، قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها، وهذه الآية كقوله تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} أي قدّر قدراً وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم: (إن اللّه قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) ""أخرجه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعاً"".
وقوله تعالى: {والذي أخرج المرعى} أي من جميع صنوف النباتات والزروع، {فجعله غثاء أحوى} قال ابن عباس: هشيماً متغيراً، وقوله تعالى: {سنقرئك} أي يا محمد {فلا تنسى} وهذا إخبار من اللّه تعالى ووعد منه له، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها {إلا ما شاء اللّه} وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن قتادة: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى إلا ما شاء اللّه، وقوله تعالى: {إنه يعلم الجهر وما يخفى} أي يعلم ما يجهر به العباد، وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وقوله تعالى: {ونيسرك لليسرى} أي نسهل عليك أفعال الخير، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً، لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر، وقوله تعالى: {فذكِّر إن نفعت الذكرى} أي ذكّر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي رضي اللّه عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.
وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب اللّه ورسوله؟ وقوله تعالى: {سيذكّر من يخشى} أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى اللّه ويعلم أنه ملاقيه، {ويتجنبها الأشقى .
الذي يصلى النار الكبرى .
ثم لا يموت فيها ولا يحيى} أي لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال، عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فيميتهم إماتة حتى إذا ما صاروا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل) ""أخرجه أحمد ومسلم""، {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون}، وقال تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

الترجمة الانجليزية:

Then reduces them to rusty rubbish.