بحث و تفسير و ترجمة القرآن الكريم

عرض 1 - 5 من 73
ملاحظة: يمكنكم البحث في كل السور من صفحة البحث الرئيسية، أما البحث من صفحة إحدى السورفسيكون مقصورا على تلك السورة


سورة الأحزاب آية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
سورة الأحزاب 1 - (يا أيها النبي اتق الله) دم على تقواه (ولا تطع الكافرين والمنافقين) فيما يخالف شريعتك (إن الله كان عليما) بما يكون من قبل كونه (حكيما) فيما يخلقه

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله} ضمت "أي" لأنه نداء مفرد، والتنبيه لازم لها.
و"النبي" نعت لأي عند النحويين؛ إلا الأخفش فإنه يقول : إنه صلة لأي.
مكّي : ولا يعرف في كلام العرب اسم مفرد صلة لشيء.
النحاس : وهو خطأ عند أكثر النحويين؛ لأن الصلة لا تكون إلا جملة، والاحتيال له فيما قال إنه لما كان نعتا لازما سمي صلة؛ وهكذا الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها.
ولا يجوز نصبه على الموضع عند أكثر النحويين.
وأجازه المازنّي، جعله كقولك : يا زيد الظريف، بنصب "الظريف" على موضع زيد.
مكّي : وهذا نعت يستغنى عنه، ونعت "أي" لا يستغنى عنه فلا يحسن نصبه على الموضع.
وأيضا فإن نعت "أي هو المنادى في المعنى فلا يحسن نصبه.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود : قريظة والنضير وبني قينقاع؛ وقد تابعه ناس منهم على النفاق، فكان يلين لهم جانبه؛ ويكرم صغيرهم وكبيرهم، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه، وكان يسمع منهم؛ فنزلت.
وقيل؛ إنها نزلت فيما ذكر الواحدي والقشيري والثعلبّي والماوردي وغيرهم في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان، نزلوا المدينة على عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين بعد أحد، وقد أعطاهم النبّي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر ابن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها، وندعك وربك.
فشق على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا.
فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي في قتلهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إني قد أعطيتهم الأمان) فقال عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة؛ فنزلت الآية.
{يا أيها النبي اتق الله} أي خف الله.
{ولا تطع الكافرين} من أهل مكة، يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة.
{والمنافقين} من أهل المدينة، يعني عبد الله بن أبي وطعمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فيما نهيت عنه، ولا تمل إليهم.
{إن الله كان عليما} بكفرهم {حكيما} فيما يفعل بهم.
الزمخشري : وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمّي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والجّد بن قيس، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفض ذكر آلهتنا.
وذكر الخبر بمعنى ما تقدم.
وأن الآية نزلت في نقض العهد ونبذ الموادعة.
{ولا تطع الكافرين} من أهل مكة.
{والمنافقين} من أهل المدينة فيما طلبوا إليك.
وروي أن أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، ويزوجه شيبة بن ربيعة بنته، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع؛ فنزلت.
النحاس : ودل بقوله {إن الله كان عليما حكيما} على أنه كان يميل إليهم استدعاء لهم إلى الإسلام؛ أي لو علم الله عز وجل أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه؛ لأنه حكيم.
ثم قيل : الخطاب له ولأمته.

تفسير ابن كثير
قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة اللّه، على نور من اللّه، ترجو ثواب اللّه، وأن تترك معصية اللّه، على نور من اللّه، مخافة عذاب اللّه، وقوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} دعا أهل مكة النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرجع عن قوله، على أن يعطوه شطراً من أموالهم، وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة، فأنزل اللّه {يا أيها النبي .
.
.
} الآية.
أخرجه جويبر، وذكره في اللباب أي لا تسمع منهم ولا تستشرهم {إن اللّه كان عليماً حكيماً} أي فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال تعالى: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} أي من قرآن وسنّة، {إن اللّه كان بما تعملون خبيراً} أي فلا تخفى عليه خافية، {وتوكل على اللّه} أي في جميع أمورك وأحوالك، {وكفى باللّه وكيلا} أي وكفى به وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه.

الترجمة الانجليزية:

O PROPHET FEAR God and do not follow the unbelievers and the hypocrites.


سورة الأحزاب آية 2
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
2 - (واتبع ما يوحى إليك من ربك) أي القرآن (إن الله كان بما تعملون خبيرا) وفي قراءة بالفوقانية

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} يعني القرآن.
وفيه زجر عن اتباع مراسم الجاهلية، وأمر بجهادهم ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص.
والخطاب له ولأمته.
{إن الله كان بما تعملون خبيرا} قراءة العامة بتاء على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.
وقرأ السلمي وأبو عمرو وابن أبي إسحاق "يعملون" بالياء على الخبر؛ وكذلك في قوله: {بما تعملون بصيرا} الفتح : 24].
{وتوكل على الله} أي اعتمد عليه في كل أحوالك؛ فهو الذي يمنعك ولا يضرك من خذلك.
{وكفى بالله وكيلا} حافظا.
وقال شيخ من أهل الشام : قدم على النبّي صلى الله عليه وسلم وفد من ثقيف فطلبوا منه أن يمتعهم باللات سنة - وهي الطاغية التي كانت ثقيف تعبدها - وقالوا : لتعلم قريش منزلتنا عندك؛ فهم النبّي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} أي كافيا لك ما تخافه منهم.
و"بالله" في موضع رفع لأنه الفاعل.
و"وكيلا" نصب على البيان أو الحال.

تفسير ابن كثير
قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة اللّه، على نور من اللّه، ترجو ثواب اللّه، وأن تترك معصية اللّه، على نور من اللّه، مخافة عذاب اللّه، وقوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} دعا أهل مكة النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرجع عن قوله، على أن يعطوه شطراً من أموالهم، وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة، فأنزل اللّه {يا أيها النبي .
.
.
} الآية.
أخرجه جويبر، وذكره في اللباب أي لا تسمع منهم ولا تستشرهم {إن اللّه كان عليماً حكيماً} أي فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال تعالى: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} أي من قرآن وسنّة، {إن اللّه كان بما تعملون خبيراً} أي فلا تخفى عليه خافية، {وتوكل على اللّه} أي في جميع أمورك وأحوالك، {وكفى باللّه وكيلا} أي وكفى به وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه.

الترجمة الانجليزية:

Follow what is revealed to you by your Lord. Verily God is all-knowing and all-wise.


سورة الأحزاب آية 3
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
3 - (وتوكل على الله) في أمرك (وكفى بالله وكيلا) حافظا لك وأمته تبع له في ذلك كله

تفسير القرطبي
قوله تعالى: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} يعني القرآن.
وفيه زجر عن اتباع مراسم الجاهلية، وأمر بجهادهم ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص.
والخطاب له ولأمته.
{إن الله كان بما تعملون خبيرا} قراءة العامة بتاء على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.
وقرأ السلمي وأبو عمرو وابن أبي إسحاق "يعملون" بالياء على الخبر؛ وكذلك في قوله: {بما تعملون بصيرا} الفتح : 24].
{وتوكل على الله} أي اعتمد عليه في كل أحوالك؛ فهو الذي يمنعك ولا يضرك من خذلك.
{وكفى بالله وكيلا} حافظا.
وقال شيخ من أهل الشام : قدم على النبّي صلى الله عليه وسلم وفد من ثقيف فطلبوا منه أن يمتعهم باللات سنة - وهي الطاغية التي كانت ثقيف تعبدها - وقالوا : لتعلم قريش منزلتنا عندك؛ فهم النبّي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} أي كافيا لك ما تخافه منهم.
و"بالله" في موضع رفع لأنه الفاعل.
و"وكيلا" نصب على البيان أو الحال.

تفسير ابن كثير
قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة اللّه، على نور من اللّه، ترجو ثواب اللّه، وأن تترك معصية اللّه، على نور من اللّه، مخافة عذاب اللّه، وقوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} دعا أهل مكة النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرجع عن قوله، على أن يعطوه شطراً من أموالهم، وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة، فأنزل اللّه {يا أيها النبي .
.
.
} الآية.
أخرجه جويبر، وذكره في اللباب أي لا تسمع منهم ولا تستشرهم {إن اللّه كان عليماً حكيماً} أي فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال تعالى: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} أي من قرآن وسنّة، {إن اللّه كان بما تعملون خبيراً} أي فلا تخفى عليه خافية، {وتوكل على اللّه} أي في جميع أمورك وأحوالك، {وكفى باللّه وكيلا} أي وكفى به وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه.

الترجمة الانجليزية:

Trust in God. God is sufficient as guardian.


سورة الأحزاب آية 4
مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
4 - (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) ردا على من قال من الكفار إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد (وما جعل أزواجكم اللائي) بهمزة وياء وبلا ياء (تظاهرون) بلا ألف قبل الهاء وبها والتاء الثانية في الأصل مدغمة في الظاء (منهن) يقول الواحد مثلا لزوجته أنت علي كظهر أمي (أمهاتكم) أي كالأمهات في تحريمها بذلك المعد في الجاهلية طلاقا وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذكر في سورة المجادلة (وما جعل أدعياءكم) جمع دعي وهو من يدعى لغير أبيه ابنا له (أبناءكم) حقيقة (ذلكم قولكم بأفواهكم) أي اليهود والمنافقين قالوا لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي صلى الله عليه وسلم قالوا تزوج محمد امرأة ابنه فأكذبهم الله تعالى في ذلك (والله يقول الحق) في ذلك (وهو يهدي السبيل) سبيل الحق

تفسير القرطبي
فيه خمس مسائل: الأولى: قال مجاهد : نزلت في رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهائه، وكان يقول : إن لي في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد.
قال : وكان من فهر.
الواحدي والقشيري وغيرهما : نزلت في جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا حافظا لما يسمع.
فقالت قريش: ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان.
وكان يقول: لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد.
فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل بن معمر، رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله؛ فقال أبو سفيان : ما حال الناس؟ قال انهزموا.
قال : فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي؛ فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده.
وقال السهيلّي: كان جميل بن معمر الجمحّي، وهو ابن معمر بن حبيب بن وهب ابن حذافة بن جمح، واسم جمح : تيم؛ وكان يدعى ذا القلبين فنزلت فيه الآية، وفيه يقول الشاعر: وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما ** قضى وطرا منها جميل بن معمر قلت: كذا قالوا جميل بن معمر.
وقال الزمخشري: جميل بن أسد الفهري.
وقال ابن عباس : سببها أن بعض المنافقين قال : إن محمدا له قلبان؛ لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول؛ فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل.
وقيل : نزلت في عبد الله بن خطل.
وقال الزهري وابن حبان : نزل ذلك تمثيلا في زيد بن حارثة لما تبناه النبّي صلى الله عليه وسلم؛ فالمعنى : كما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون ولد واحد لرجلين.
قال النحاس : وهذا قول ضعيف لا يصح في اللغة، وهو من منقطعات الزهري، رواه معمر عنه.
وقيل : هو مثل ضرب للمظاهر؛ أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان.
وقيل : كان الواحد من المنافقين يقول : لي قلب يأمرني بكذا، وقلب يأمرني بكذا؛ فالمنافق ذو قلبين؛ فالمقصود رد النفاق.
وقيل : لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب، كما لا يجتمع قلبان في جوف؛ فالمعنى : لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب.
ويظهر من الآية بجملتها نقي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت، وإعلام بحقيقة الأمر، والله أعلم.
الثانية: القلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة، خلقها الله تعالى في الآدمي وجعلها محلا للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله تعالى فيه بالخط الإلهّي، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني، حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئا.
وهو بين لمتين : لمة من الملك، ولمة من الشيطان؛ كما قال صلى الله عليه وسلم.
خرجه الترمذي؛ وقد مضى في "البقرة".
وهو محل الخطرات والوساوس ومكان الكفر والإيمان، وموضع الإصرار والإنابة، ومجرى الانزعاج والطمأنينة.
والمعنى في الآية : أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والإنابة والإصرار، وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز، والله أعلم.
الثالثة: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أحد بقلبين، ويكون في هذا طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم؛ أي إنما هو قلب واحد، فإما فيه إيمان وإما فيه كفر؛ لأن درجة النفاق كأنها متوسطة، فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد.
وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية، متى نسي شيئا أو وهم.
يقول على جهة الاعتذار : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
الرابعة: قوله تعالى: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} يعني قول الرجل لامرأته : أنت علّي كظهر أمي.
وذلك مذكور في سورة "المجادلة" على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الخامسة: قوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة.
وروى الأئمة أن ابن عمر قال : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} الأحزاب : 5] وكان زيد فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشأم، سبته خيل من تهامة، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة فوهبته خديجة للنبّي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه، فأقام عنده مدة، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبّي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل البعث : (خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء).
فاختار الرق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حريته وقومه؛ فقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : (يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه) وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا.
وكان أبوه لما سبي يدور الشأم ويقول : بكيت على زيد ولم أدر ما أفعل ** أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فوالله لا أدري وإني لسائل ** أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لك الدهر أوبة ** فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها ** وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هـبت الأرياح هيجن ذكره ** فيا طول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ** ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتيَ أو تأتي علي منيتي ** فكل امرئ فان وإن غره الأمل فأخبر أنه بمكة؛ فجاء إليه فهلك عنده.
وروي أنه جاء فخيره النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وانصرف.
وسيأتي من ذكره وفضله وشرفه شفاء عند قوله: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} الأحزاب : 37] إن شاء الله تعالى.
وقتل زيد بمؤتة من أرض الشأم سنة ثمان من الهجرة، وكان النبّي صلى الله عليه وسلم أمره في تلك الغزاة، وقال : (إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة).
فقتل الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي زيد وجعفر بكى وقال : (أخواي ومؤنساي ومحدثاي).

تفسير ابن كثير
يقول تعالى موطئاً قبل المقصود المعنوي، أمراً معروفاً حسيا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منه بقوله أنت عليَّ كظهر أمي أما له، كذلك لا يصير الدعيُّ ولداً للرجل إذا تبناه فدعاه ابناً له، فقال: {ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}، كقوله عزَّ وجلَّ: {ما هنّ أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} الآية، وقوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءهم} هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه مولى النبي صلى اللّه عليه وسلم، كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له زيد بن محمد فأراد اللّه تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم}، كما قال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين}، وقال ههنا: {ذلكم قولكم بأفواهكم} يعني تبنّيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابناً حقيقيا فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان، {واللّه يقول الحق} أي العدل، {هو يهدي السبيل} أي الصراط المستقيم.
وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين هو جميل بن معمر الجمحي ، وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما بعقل وافر، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ردا عليه.
وقال عبد الرزاق عن الزهري في قوله: {ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه}، قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثل، يقول ليس ابن رجل آخر ابنك، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أنها نزلت في زيد بن حارثة رضي اللّه عنه، وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير واللّه سبحانه تعالى أعلم.
وقوله عزَّ وجلَّ: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه} هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام، من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر.
روى البخاري عن عبد اللّه بن عمر قال: إن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه} ""أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي"".
وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح تبارك وتعالى زوجة الدعي، وتزوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة رضي اللّه عنه، وقال عزَّ وجلَّ: {لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً}، وقال تبارك وتعالى في آية التحريم: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} احترازاً عن زوجة الدعي فإنه ليس من الصلب، فأما دعوة الغير ابناً على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهى عنه في هذه الآية، بدليل ما رواه ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قدمنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - أغيلمة بني عبد المطلب - على جمرات لنا من جمع، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: (أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) ""أخرجه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي""وعن أنَس بن مالك رضي اللّه عنه قال، قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ( يا بني ) ، وقوله عزَّ وجلَّ: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا فهم إخوانكم في الدين ومواليهم أي عوضاً عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعلي رضي اللّه عنه: (أنت مني وأنا منك) وقال لجعفر رضي اللّه عنه: (أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي)، وقال لزيد رضي اللّه عنه: (أنت أخونا ومولانا).
كما قال تعالى: {فإخوانكم في الدين ومواليكم}.
وقد جاء في الحديث: (ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر) ""أخرجه البخاري ومسلم""؛ وهذا تشديد وتهديد، ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم، ولهذا قال تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}، ثم قال تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} أي إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن اللّه تعالى قد وضع الحرج في الخطأ، ورفع إثمه كما أرشد إليه في قوله تبارك وتعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، وفي الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر) ""أخرجه البخاري عن عمرو بن العاص مرفوعاً""، وفي الحديث الآخر: (إن اللّه تعالى رفع عن أمتي الخطأ والنسيان والأمر الذي يكرهون عليه)، وقال تبارك وتعالى ههنا: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبهم وكان اللّه غفوراً رحيماً} أي إنما الإثم على من تعمد الباطل، كما قال عزَّ وجلَّ: {لا يؤاخذكم اللّه باللغو في إيمانكم} الآية، وروى الإمام أحمد عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: إن اللّه تعالى بعث محمداً صلى اللّه عليه وسلم بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول اللّه صلى عليه وسلم ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: [ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم] ""أخرجه الإمام أحمد في المسند""، وفي الحديث الآخر: (ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم).

الترجمة الانجليزية:

God has not provided two hearts in the breast of a man, nor made your wives, whom you pronounce "mothers" (in order to divorce them), your real mothers, nor has He made your adopted sons your real sons. This is only what your lips pronounce. God says what is just, and shows the right way.


سورة الأحزاب آية 5
ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

 إستمع  إستمع

تفسير الجلالين
5 - لكن (ادعوهم لآبائهم هو أقسط) أعدل (عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) بنو عمكم (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) في ذلك (ولكن) في (ما تعمدت قلوبكم) فيه هو بعد النهي (وكان الله غفورا) لما كان من قولكم قبل النهي (رحيما) بكم في ذلك

تفسير القرطبي
فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} نزلت في زيد بن حارثة، على ما تقّدم بيانه.
وفي قول ابن عمر : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، دليل على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية والإسلام، يتوارث به ويتناصر، إلى أن نسخ الله ذلك بقوله.
{ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} أي أعدل.
فرفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا؛ فيقال : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال فلان بن فلان.
وقال النحاس : هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني، وهو من نسخ السنة بالقرآن؛ فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف قال له يا أخي؛ يعني في الدين، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} الحجرات : 10].
الثانية: لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبني فإن كان على جهة الخطأ، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة؛ لقوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} وكذلك لو دعوت رجلا إلى غير أبيه وأنت ترى أنه أبوه فليس عليك بأس؛ قاله قتادة.
ولا يجري هذا المجرى ما غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو فإنه كان غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود؛ فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية وعرف به.
فلما نزلت الآية قال المقداد : أنا ابن عمرو؛ ومع ذلك فبقي الإطلاق عليه.
ولم يسمع فيمن مضى من عصى مطلق ذلك عليه وإن كان متعمدا.
وكذلك سالم مولى أبي حذيفة، كان يدعى لأبي حذيفة.
وغير هؤلاء ممن تبني وانتسب لغير أبيه وشهر بذلك وغلب عليه.
وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة؛ فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمدا عصى لقوله تعالى: {ولكن ما تعمدت قلوبكم} أي فعليكم الجناح.
والله أعلم.
ولذلك قال بعده: {وكان الله غفورا رحيما} أي "غفورا" للعمد، "رحيما" برفع إثم الخطأ.
الثالثة: وقد قيل : إن قول الله تبارك وتعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم} مجمل؛ أي وليس عليكم جناح في شيء أخطأتم، وكانت فتيا عطاء وكثير من العلماء.
على هذا إذا حلف رجل ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقه، فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير فوجدها زيوفا أنه لا شيء عليه.
وكذلك عنده إذا حلف ألا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعرفه أنه لا يحنث؛ لأنه لم يتعمد ذلك.
و"ما" في موضع خفض ردا على "ما" التي مع "أخطأتم".
ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ؛ والتقدير : ولكن الذي تؤاخذون به ما تعمدت قلوبكم.
قال قتادة وغيره : من نسب رجلا إلى غير أبيه، وهو يرى أنه أبوه، خطأ فذلك من الذي رفع الله فيه الجناح.
وقيل : هو أن يقول له في المخاطبة : يا بنّي؛ على غير تبن.
الرابعة: قوله تعالى: {ذلكم قولكم بأفواهكم} "بأفواهكم" تأكيد لبطلان القول؛ أي أنه قول لا حقيقة له في الوجود، إنما هو قول لسانّي فقط.
وهذا كما تقول : أنا أمشي إليك على قدم؛ فإنما تريد بذلك المبرة.
وهذا كثير.
وقد تقّدم هذا المعنى في غير موضع.
{والله يقول الحق} "الحق" نعت لمصدر محذوف؛ أي يقول القول الحق.
{وهو يهدي السبيل} معناه يبين؛ فهو يتعدى بغير حرف جر.
الخامسة: قوله تعالى: الأدعياء جمع دعي وهو الذي يدعي ابنا لغير أبيه أو يدعي غير أبيه والمصدر الدِّعوة بالكسر فأمر تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب فمن جهل ذلك فيه ولم تشتهر أنسابهم كان مولى وأخا في الدين وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية وقال أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم.
قال الراوي عنه : ولو علم - والله - أن أباه حمارا لانتمى إليه ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة نفيع بن الحارث.
السادسة: روي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة كلاهما قال سمعته أذناي ووعاه قلبي محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام).
وفي حديث أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر).

تفسير ابن كثير
يقول تعالى موطئاً قبل المقصود المعنوي، أمراً معروفاً حسيا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منه بقوله أنت عليَّ كظهر أمي أما له، كذلك لا يصير الدعيُّ ولداً للرجل إذا تبناه فدعاه ابناً له، فقال: {ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}، كقوله عزَّ وجلَّ: {ما هنّ أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} الآية، وقوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءهم} هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه مولى النبي صلى اللّه عليه وسلم، كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له زيد بن محمد فأراد اللّه تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم}، كما قال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين}، وقال ههنا: {ذلكم قولكم بأفواهكم} يعني تبنّيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابناً حقيقيا فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان، {واللّه يقول الحق} أي العدل، {هو يهدي السبيل} أي الصراط المستقيم.
وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين هو جميل بن معمر الجمحي ، وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما بعقل وافر، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ردا عليه.
وقال عبد الرزاق عن الزهري في قوله: {ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه}، قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثل، يقول ليس ابن رجل آخر ابنك، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أنها نزلت في زيد بن حارثة رضي اللّه عنه، وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير واللّه سبحانه تعالى أعلم.
وقوله عزَّ وجلَّ: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه} هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام، من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر.
روى البخاري عن عبد اللّه بن عمر قال: إن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه} ""أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي"".
وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح تبارك وتعالى زوجة الدعي، وتزوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة رضي اللّه عنه، وقال عزَّ وجلَّ: {لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً}، وقال تبارك وتعالى في آية التحريم: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} احترازاً عن زوجة الدعي فإنه ليس من الصلب، فأما دعوة الغير ابناً على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهى عنه في هذه الآية، بدليل ما رواه ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قدمنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - أغيلمة بني عبد المطلب - على جمرات لنا من جمع، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: (أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) ""أخرجه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي""وعن أنَس بن مالك رضي اللّه عنه قال، قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ( يا بني ) ، وقوله عزَّ وجلَّ: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا فهم إخوانكم في الدين ومواليهم أي عوضاً عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعلي رضي اللّه عنه: (أنت مني وأنا منك) وقال لجعفر رضي اللّه عنه: (أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي)، وقال لزيد رضي اللّه عنه: (أنت أخونا ومولانا).
كما قال تعالى: {فإخوانكم في الدين ومواليكم}.
وقد جاء في الحديث: (ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر) ""أخرجه البخاري ومسلم""؛ وهذا تشديد وتهديد، ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم، ولهذا قال تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}، ثم قال تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} أي إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن اللّه تعالى قد وضع الحرج في الخطأ، ورفع إثمه كما أرشد إليه في قوله تبارك وتعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، وفي الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر) ""أخرجه البخاري عن عمرو بن العاص مرفوعاً""، وفي الحديث الآخر: (إن اللّه تعالى رفع عن أمتي الخطأ والنسيان والأمر الذي يكرهون عليه)، وقال تبارك وتعالى ههنا: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبهم وكان اللّه غفوراً رحيماً} أي إنما الإثم على من تعمد الباطل، كما قال عزَّ وجلَّ: {لا يؤاخذكم اللّه باللغو في إيمانكم} الآية، وروى الإمام أحمد عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: إن اللّه تعالى بعث محمداً صلى اللّه عليه وسلم بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول اللّه صلى عليه وسلم ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: [ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم] ""أخرجه الإمام أحمد في المسند""، وفي الحديث الآخر: (ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم).

الترجمة الانجليزية:

Call them by the names of their fathers. This is the right course in the sight of God. If you do not know their fathers, they are then your brothers in religion and your friends. It will not be a sin if you make a mistake, unless you do so intentionally; for God is forgiving and kind.