حوار التوافق الوطنى البحرينى: قراءة فى التقرير النهائى

Submitted by a.eldariby on Wed, 08/17/2011 - 02:22

حوار التوافق الوطني البحريني: قراءة في التقرير النهائي

----

عجلان ابراهيم عجلان

باحث فى الشئون السياسية

ليست مبالغة القول أن ما شهدته مملكة البحرين على مدار العقد الماضي من نجاحات وما حققته من انجازات وما أحرزته من توافقات مجتمعية بفضل المشروع الإصلاحي الذي أطلقه العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة منذ توليه مقاليد السلطة في أوائل الألفية الثالثة، مثلّت المرتكز الأساسي والركيزة المهمة التي انطلقت منها جلسات حوار التوافق الوطني والتي جاءت استجابة للدعوة الملكية التي أطلقها العاهل البحريني إدراكا منه بأن الحوار هو الآلية الناجعة والوسيلة المثلى للخروج من الأزمة المجتمعية التي شهدتها المملكة خلال شهري فبراير ومارس 2011 على إثر قيام بعض القوى السياسية بالخروج على التوافق المجتمعي والسير عكس الإرادة الشعبية بل ومحاولة كسرها وتوجيهها إلى وجه لا يعلم احد مدى خطورتها على مستقبل المملكة وأبناءها، اعتقادا منها بان البحرين قيادة وشعبا عديمي الإرادة ومن السهل توجيههم، متناسين أن التاريخ يكشف بل يؤكد على أن الإرادة الوطنية للشعب البحريني كانت من أهم مميزات وخصائص أبناءه، وأنهم أدوا دورا مهما في رسم خريطة المنطقة حتى قبل اكتشافات النفط بها، وهو ما تأكد جليا فيما كشفت عنه الأحداث الأخيرة من وقوف الشعب البحريني برمته خلف قيادته السياسية، مؤكدا على إدراكه لخطورة اللحظة الراهنة التي أراد بها البعض اللعب على الانتماءات المذهبية والطائفية بعيدا عن الروح الوطنية واللحمة المجتمعية التي ميزت المملكة منذ قديم الأزل، وتجسدت بصورة واضحة فيما شهدته جلسات حوار التوافق الوطني من حضور فعال وحرص على المشاركة وتفاعل متميز من خلال تقديم المرئيات والآراء والمقترحات التي تسهم في العلو بالبناء الوطني وصولا إلى مراحل وآفاق أكثر رحابة. فقد نجح حوار التوافق الوطني من خلال التعرف على مختلف وجهات النظر من الوصول إلى قواسم مشتركة وتوافقات مجتمعية ينطلق منها الجميع لاستكمال خطوات بناء جسور التواصل بين أفراد المجتمع ومكوناته، بهدف خلق مستقبل مشرق لشعب متلاحم وقوى بتماسكه ونقاط التقائه، وهو ما كشف عنه التقرير النهائي لحوار التوافق الوطني، حيث حرص القائمون على إدارته أن يأتي التقرير معبرا بكل شفافية ووضوح عما شهدته جلسات الحوار ومناقشاته من خلافات واختلافات في الآراء والرؤى والتصورات، نجح خلالها المشاركون من التوصل إلى توافقات وقواسم مشتركة تجمع ولا تفرق، تبنى ولا تهدم.

وعلى هذا، فقد قُسم التقرير إلى أبواب، تناول في الباب الأول منه الجلسة الافتتاحية التي استهلت بكلمة جاء في مضامينها أهمية المرحلة الراهنة التي تمر بها المملكة والتي يسهم الشعب فيها برسم مستقبل الوطن، مستعرضا المحاور الأربعة الرئيسية التي تناولها الحوار، وهى: السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي، الحقوقي. فضلا عن محور فرعى يتناول الموضوعات التي تهم المقيمين على ارض المملكة. وفى ذات الباب، استعرض التقرير جلسات اللجان العامة التي تناولت دراسة المحاور الأربعة من حيث تحديد القضايا التي تم تناولها تحت كل محور من هذه المحاور، وذلك على النحو التالي:

أولا- المحور السياسي: الجمعيات السياسية، صلاحيات مجلسي الشورى والنواب، الحكومة، النظام الانتخابي.

ثانيا- المحور الاجتماعي: الشباب، مؤسسات المجتمع المدني، الأمن والسلم الأهلي.

ثالثا- المحور الاقتصادي: تعزيز التنافسية الاقتصادية، مستوى الخدمات الحكومية، الحوكمة في إدارة المال العام، إعادة توجيه الدعم، مساهمة المجتمع في التنمية.

رابعا- المحور الحقوقي: حقوق المرأة والطفل وذوى الاحتياجات الخاصة، السلطة القضائية، حرية التعبير، حرية التجمع، حقوق الإنسان.

وجدير بالذكر أنه قد بلغ عدد المرئيات المكتوبة المقدمة من المشاركين في هذه المحاور (172) مرئية، فيما بلغ عدد ما تم تسليمه في محور المقيمين (36) مرئية.

وفى بابه الثاني، استعرض التقرير التوافقات التي تم التوصل إليها من خلال جلسات اللجان العامة في البنود المعروضة كافة في كل محور على حدة، وذلك من خلال التمييز بين نوعين من المرئيات: الأول، المرئيات التي تم التوافق عليها (سواء مكتوبة أو شفاهة) وبلغت (291) مرئية، موزعة على النحو التالي: (25 مرئية) في المحور السياسي، (85 مرئية) في المحور الاجتماعي، (85 مرئية) في المحور الاقتصادي، (96 مرئية) في المحور الحقوقي. الثاني، المرئيات التي لم يتم التوافق عليها، وبلغت (40) مرئية، موزعة على النحو التالي: (28 مرئية) في المحور السياسي، (3 مرئيات) في المحور الاقتصادي، (9مرئيات) في المحور الحقوقي. ولم يغفل التقرير مرئيات المقيمين، حيث افرد لها جزءا خاصا.

كما حرص التقرير على أن يفرد بابا خاص بأسماء المشاركين في جلسات الحوار بمختلف جهاتهم، ليؤكد على أن ما تم التوصل إليه من توافقات وتفاهمات كان نتاج تفاعل الآراء وتبادل الأفكار بين الجميع، فلم تكن هناك إملاءات من احد أو توجيهات من سلطة أو جهة رسمية كانت أم غير رسمية. وقد شملت قائمة أسماء المشاركين مختلف الجهات الرسمية والغير رسمية، وذلك على النحو التالي: أعضاء السلطة التشريعية ( مجلس الشورى 32 عضوا، مجلس النواب 20 عضوا)، رؤساء المجالس البلدية (4 أعضاء)، الجمعيات السياسية (17 جمعية)، غرفة تجارة وصناعة البحرين (5 ممثلين)، المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان(ممثلا واحدا)، الجمعيات الاجتماعية (24 جمعية)، الجمعيات الشبابية (7 جمعيات)، الجمعيات المهنية (27 جمعية)، الجمعيات النسائية (11 جمعية)، الشركات (11 شركة)، النقابات العمالية (8 نقابات)، الصحف المحلية (5 صحف)، الشخصيات العامة (52 شخصية). كما حرص التقرير كذلك على استعراض المشاركين من المقيمين في الجلسة الخاصة والتي شملت ما يلي: الجمعيات الأجنبية (12 جمعية)، الأندية العربية والأجنبية (8 نوادي)، الكنائس (9 كنائس)، الشخصيات العامة العربية والأجنبية (30 شخصية). فضلا عن ذلك، فقد حرصت الحكومة على المشاركة بفاعلية وبأعلى مستوى في جميع جلسات الحوار، حيث شارك الوزراء في هذه الجلسات كلُ في مجال تخصصه. وفى نهاية التقرير، حرص القائمون على الحوار أن يختتم العمل بطرح رؤية استشرافية لغد البحرين المشرق، لتسهم بدورها في النهوض بالمملكة نحو مزيد من الديمقراطية والإصلاح.

مما لا شك فيه أن ما تم التوصل إليه من تفاهمات وتوافقات وقواسم مشتركة بين أبناء المملكة والمقيمين فيها، يؤكد على إدراك الجميع قيادة وحكومة ومجتمعا بمختلف تكويناته وانتماءاته على أهمية المبادرة الملكية بالدعوة إلى حوار يُحقق التوافق، ويضمن التلاحم، ويُنظم الاختلاف، ويُبعد الخلاف، حتى يؤتى ثماره لمصلحة المملكة وشعبها.